الهلال قبل 100 عام .. خطر تعاليم نيتشه علي الهيئة الاجتماعية

19/09/2016 - 11:24:59

نقولا الحداد

دلتنا الحرب الحاضرة على أن مبادئ طائفة من المفكرين الألمان مثل نيتشه وترتشكي ومن يضرب على وترهما لعبت أدواراً خطيرة فى تطوير الأمة الألمانية.. وإذا استمرت العقول تتشربها فقد تكون هذه المبادئ خطراً على المدنية الحاضرة وقد يخشى أن تتقوض بها أركان الهيئة الاجتماعية العمومية برمتها.
فقد ظهرت تلك المبادئ فى سياسة ألمانيا الدولية وفى أحكامها الداخلية واتضحت على الخصوص فى استعدادها لهذه الحرب الشعواء وفى إنذاراتها للدول جاراتها.. بل انجلت كالصبح لذى عينين فى أساليبها الحربية وفى كيفية معاملتها للبلاد التى تحتلها.. ولا تزال كل يوم بعد آخر ترينا ألمانيا أموراً تدل تمام الدلالة على تأثر أهلها من تلك المبادئ وتخلقهم بأخلاق الذين نشروها وعلموها وتسمم عقولهم بتلك السموم الزعافة.
زبدة مبادئ نيتشه
أما مبادئ نيتشه ومن جاراه فقد أصبحت معروفة مما نشرته بعض المجلات والصحف.. وخلاصتها أنه يجب أن يفنى الضعيف وينمو القوى لكى تكون الأجيال القادمة قوية وخالية من الضعف والضعفاء.. فنجم عن تشرب الألمان لهذا المبدأ حركتان خطيرتان:
الأولى أن السواد الأعظم من الشعب الألمانى ولا سيما رجال الجندية أصبحوا يعتقدون أن الألمانى هو الرجل القوى الذى يجب أن يبقى وأن الأجناس الأخرى يجب أن تفنى وتبيد وأن المدنية الألمانية “المؤسسة على هذا المبدأ ونحوه من مبادئ نيتشه” يجب أن تكون سيدة المدنيات الأخرى أو بالأحرى يجب أن تسود على العالم كله وأن تطبعه بطابعها لكى يثبت القوى من الجنسيات الأخرى ويفنى الضعيف منها والثانية أن القوة الجندية الألمانية التى ارتوت من معين هذا المبدأ وأخذت على عاتقها تنفيذه قبضت على عنق الحكومة الألمانية وأصبحت ذات الأمر والنهى فيها يتصرف بها كما تشاء حتى أصبح رئيس كل دائرة أو ديوان فى الحكومة الألمانية واحداً من الضباط.. وأصبحت منزلة الضباط الألمان فى بلادهم منزلة السبرمان “الرجل الأعلى” الذى حلم به نيتشه.. وكان من نتيجة هذين الأمرين أن انساقت الأمة الألمانية كلها بحكم الطبع إلى معاداة الأمم الأخرى وعدم مراعاة الحق والانصاف فى معاملاتها السياسية حتى انتهى الأمر بإثارة هذه الحرب الضروس.
مقتضى هذه المبادئ
وإذا كانت ألمانيا تحارب العالم الآن وهى تصر على جعل هذه المبادئ دستوراً للعالم فماذا تكون حالة الهيئة الاجتماعية المستقبلة إن تم النصر الذى تحلم به لا سمح الله؟ لا ريب أن السياسة الألمانية تقضى حينئذ بترتيب الأمم كلها فى ثلاث رتب ولكل رتبة شرائع اجتماعية خاصة بحسب درجتها وهي:
1- رتبة السبرمان “superman أى الإنسان الأعلى”.. وبالطبع لا يكون فى هذه الرتبة إلا الشعب الألمانى ومن اندغم فيه من الشعوب الأخرى إن صح لشعب منها هذا الاندغام.
2- رتبة الإنسان الوسط.. وهى تشمل جميع الشعوب الأخرى المتمدنة.
3- رتبة السبمان “subman أى الإنسان الأدنى” وهى تشمل الأمم المنحطة.
وبالطبع ستساعد شرائع الإنسان الوسط على سحق السبمان وقرضه وتتكفل شرائع السبرمان على سحق الإنسان الوسط.. وأخيراً لا يبقى إلا السبرمان وهو الألمانى.. هذا مآل المبادئ التى بنيت عليها سياسة ألمانيا النيتشية.
ولما كانت هذه المبادئ قد ظهرت فى سياسة ألمانيا فى السنين الماضية ظهور الشمس ولا سيما فى مسألة أغادير وانفضحت نيات الألمان فى إثارة هذه الحرب وفى دوس المعاهدات الدولية واتضح تأثرهم من تلك المبادئ والتعاليم فى معاملاتهم للبلاد التى احتلوها ولأهلها ولآثارها ولمفاخرها - لم تجد الأمم الأوربية الأخرى بداً من الدفاع عن كيانها بإزاء استفحال هذه النزعة الألمانية ولم تر الأمم الأخرى ما يبرر جمودها لقاء هذا التنازع الهائل فجعلت تظهر عطفها نحو أعداء ألمانيا وتبث حنقها من الألمان وذلك لأن هذه الحرب أصبحت للحياة أو للموت بل هى حرب لأجل مبادئ أساسية للاجتماع متباينة كل التباين.
اليوجنيون والنيتشيون
أجل.. لقد اهتم بعض الاجتماعيين وأخصهم جلتون فى مسألة تحسين النسل البشرى من الوجهتين الفسيولوجية والعقلية وبحثوا فيه بحثاً علمياً وحاولوا أن يضعوا له قواعد عملية فنشأ علم اليوجنية Eugenics أى علم تحسين النسل.. ولكن شتان ما بين تعاليم هؤلاء وتعاليم نيتشه ومن تحداه وجاراه.. فاليوجنيون يحاولون أن يجعلوا المواليد قوية لكى تكون السلالات القادمة قوية وذلك من غير أن يصاب الضعفاء بأذى.. وأما النيتشيون فيريدون إهلاك الضعفاء لكيلا يبقى إلا الأقوياء.. اليوجنيون يسعون إلى تحسين النسل لا من طريق التنازع بل من أى طريق لا ينافى مبادئ التعاون والمساواة والمسالمة.. وأما النيتشيون فيبررون كل تنازع بدعوى أن للقوى حق إطلاق العنان لقوته فى مصلحته وإن ديست مصالح الضعيف فى سبيله.
وبالإجمال يقال إن نيتشه جرد نفسه عن هذا العالم “الذى لم يكن إلا ذرة فيه” وجعل نفسه فى مقام المدبر للعالم ورام أن تمحق من الوجود كل أمة ضعيفة وكل سلالة حقيرة وكل فرد صعلوك وأن تبقى سلالة واحدة فقط قوية وخالية من الأفراد الضعفاء لكى تتناسل وتملأ المسكونة عالماً بشرياً قوياً.. وفى مذهبه ليس للضعيف حق البقاء وإنما البقاء حق للقوى وحده.. ولهذا يسوغ للقوى أن يبيد الضعيف من طريقه.
ولكن لا اليوجنيون ولا أية طائفة من الطوائف الاجتماعية على اختلاف أنواعها حرمت حق البقاء على أحد ضعيفاً كان أو قوياً ولا حللت تحليلاً قانونياً صريحاً إبادة الضعيف لكى يخلو الجو للقوى وحده.. بل بالعكس تعترف كل طائفة من الطوائف الاجتماعية بحق البقاء لكل جماعة ولكل فرد وبأحقية القوانين والنظامات التى تزع القوى عن الضعيف وتستوقف التنازع عند الحد الذى بعده لا يمكن أن ينتفع الواحد إلا بأذى الآخر.
مسخ رأى دارون
والظاهر أن هذه المبادئ تطرقت إلى أدمغة نيتشه وأنصاره من جراء ما أثر فى أذهانهم ناموس التنازع الذى اكتشفه دارون وشرحه وراموا أن يطبقوه على كل مظاهر الطبيعة جمعاء من غير أن يكيفوه كتكييف هذه المظاهر.. فقاسوا الإنسان على الحيوان وقالوا إذا كانت القطة تنازع الفأرة بقاءها فلا بدع أن ينازع الإنسان الأبيض الإنسان الأسود بقاءه.. وإذا كان سنوران يتنازعان جبنة وأقواهما يظفر بها فلا بدع أن يتنازع زيد وعمرو الرزق وأقواهما أحق به.. وذلك لأن الإنسان متسلسل من الحيوان فلا بد أن يجريا كلاهما على ناموس واحد عام.
ولكنهم لم يقولوا لنا لماذا لا تنازع النملة النملة حبة القمح بل تتعاونان كلتاهما على ادخارها فى الوكر الذى تعاونتا على بنائه.. ولماذا لا تنازع النحلة النحلة رحيق زهرة بل تتعاونان كلتاهما على امتصاص الرحيق من الزهور وادخاره عسلاً فى الشهد الذى تعاونتا على بنائه.
تعاقب التعاون والتنازع
وإذا بحثنا فى كل عوالم الطبيعة ولا سيما عوالم الحياة على اختلاف درجاتها نجد ناموس التنازع والتعاون يعملان معاً ولكنهما لا يعملان جنباً إلى جنب ولا يعملان متنافيين متعاندين بل يعملان متعاقبين أى أنه متى شرع الواحد بعمل يشرع الآخر يبطل إلى أن يعقب ذاك هذا تدريجاً وأخيراً يحل محله حلا نهائياً.. ويغلب أن يكون التعاون عاقباً والتنازع معقوباً.
أما ناموس التنازع فيعمل بين الأفراد المنفصلة المتنافرة المتباينة فيعمل بين فارة وقطة.. وبين قطة وقطة إذا لم توجد إلا فارة واحدة لإحداهما أو إذا كانت السليقة ترشدهما إلى أن الفئران التى تنشدانها معاً قليلة.. وكذلك كان يعمل بين نحلة ونحلة حين كانت النحلات زراقط لا تدخر الرحيق بل تتنازعه كما تتنازعه الزراقط والزنابير الآن.
ولكن لما جعل النحل يدرك بالسليقة أنه إذا لم يدخر الرحيق وقت الربيع فلا يجده فى بقية فصول السنة بل يهلك جوعاً صارت أفراده تتعاون فى ادخاره وحمايته إلى حين الحاجة إليه.. وهكذا انتفى التنازع من بينها وحل التعاون محله.. ومعنى ذلك أن أفراد النحل التى كانت متنافرة متباينة اتحدت فيما بينها وتألفت منها جماعة واحدة وأصبحت هذه الجماعة كالجسم الواحد المتضامن الأجزاء فى حياته.. وإذا كان التنازع قد انتفى من بين أفراده فلم ينتف من بين جماعته وجماعة الزنابير مثلاً لأن الجماعتين متنافرتان متباينتان.
ولما كان كل ما فى هذا الكون من جماد وحى جارياً على “ناموس التجمع” أى تجمع الأجزاء بالتدريج فى جماعات وتجمع الجماعات فى جماعات أعم وهكذا على توالى الأزمان لم يبق بد من تعاقب ناموس التنازع والتعاون.. أى أنه قبل أن تتجمع الأجزاء لابد من تنازعها “تجاذباً وتدافعاً” حتى تهتدى إلى كيفية توافقها.. ومن ثم إذا اتحدت تعاونت تلك الأجزاء على حفظ كيان اتحادها وتوثيق رباط تجمعها.
هذا هو الناموس الأعم الذى نجده فى جميع مظاهر الطبيعة من سديم المادة وأجرام السماء وقشرة الأرض يوما عليها من جمادات وأحياء بسيطة ومركبة ومن فصائل نباتية وعائلات حيوانية وسلالات بشرية وأسباط وقبائل وأمم وحكومات وجمعيات وأحزاب.
حلول التعاون محل التنازع
بعد هذا البيان الجلى الوجيز لا يبقى متعذراً على أحد أن يفهم وأن يبرهن أيضاً أن مبادئ نيتشه وأنصاره تنافى على خط مستقيم سنن الاجتماع البشرى.. حتى إذا أطلق لهذه المبادئ العنان كان المعمور مضمار تنازع دائم - تنازع على صوره المختلفة وأفظعها صورة الحروب الدموية - والقوى يهلك الضعيف ويبيده وهكذا دواليك إلى ألا يبقى أخيراً إلا سبرمان واحد وهو النموذج الوحيد الذى يبقى ممثلاً الصورة التى كانت فى مخيلة نيتشه.. وهذا السبرمان يبيد أيضاً لأنه لا يقدر وحده أن يغلب الطبيعة.. والطبيعة تتغلب عليه فتبيده.
الاجتماع البشرى هو خطوة إلى الأمام من جملة خطوات الكون العمومية على سنة التجمع.. وعند هذه الخطوة العظمى قد حل تعاون الإنسان محل تنازع الأعجم.. ولولا هذا التعاون الذى يتسلح به البشر ضد الطبيعة والعجماوات لما انفصل الجنس البشرى عن العجماوات واستقل عنها وتميز بهيئته الاجتماعية بل لبقى بين العجماوات الوحشية ينازع بعضه بعضاً كما تتنازع هى أيضاً إلى الآن.
على أن الجنس البشرى لم يخلع عنه آخر ثوب من أثواب التنازع ليرتدى آخر ثوب من أثواب التعاون بل لم يزل التنازع يلعب فيه أدواراً - يلعب التنازع أدواره بين أمة وأمة فى مضمار الاستعمار وفى مضمار التجارة بل فى مضمار التفوق فى النفوذ السياسى - بل لا يزال التنازع يلعب أدواره بين الأفراد فى نفس الجماعة الواحدة فى مضمار الأحوال الاقتصادية وفى مضمار السياسة الداخلية أيضاً.. ولكن نزعة الجنس البشرى العمومية متجهة - كما يتضح لكل مفكر - إلى جهة تغليب التعاون على التنازع وملاشاة هذا بتقوية ذاك تدريجاً.. والكمال الذى تقترب الهيئة الاجتماعية إليه موقوف على ملاشاة التنازع وتعميم التعاون بين أفراد الأمم فى كل شىء لكى تكون كل أمة جسماً متين البنية وعلى تقارب الأمم بعضها من بعض لكى تتحد فى أمة واحدة كبرى متعاونة على خير الجنس البشرى كله وسعادته.
خطر تعاليم نيتشه على الهيئة الاجتماعية
فكل عمل وكل حركة ومسعى لا يتفق مع هذه النزعة الطبيعية يكون عاملاً مدمراً لبنيان الهيئة الاجتماعية - وهذا البنيان لم يزل فى أوائله.. وبناءً على ما تقدم ترى أن مبادئ نيتشه ومن تحداه إذا تفشت فى بعض الأمم وحاول ذوو النفوذ تنفيذها وتسيير الجنس البشرى عليها كانت مقاومة للنزعة الطبيعية المذكورة وبالتالى مدمرة للبنيان الاجتماعى الوطيد.. بل كانت خطوة إلى الوراء يرتد بها الجنس البشرى من بشريته الاجتماعية المتعاونة إلى بهيمته الانفرادية المتنازعة.
يريد نيتشه أن ينظف الجنس البشرى من الضعفاء - عقلياً وفسيولوجياً - وألا يبقى إلا الأقوياء عقلاً وجسماً حتى تكون السلالة الآتية كلها قوية.. وهو يبرر كل واسطة لهذه الغاية كما برر تلميذه الحزب العسكرى الألمانى كل واسطة حقة أو غير حقة وشريفة أو خسيسة وقانونية أو غير قانونية للحصول على النصر أخيراً.
أما مطلق تنظيف الجسم البشرى من كل ضعف بقطع النظر عن كون الواسطة جائزة أو محرمة فليس فى مقدور أحد غير الخالق.. وعلى نيتشه أن يوجه هذا الاقتراح إليه تعالى.. وأما الناس فإذا سئلوا فى هذا الأمر أجاب كل منهم أن له حقاً أزلياً أبدياً أن يعيش ما استطاع أن يعيش وأن يبذل جهده فى أن يعيش ويقاوم كل ما ينافى حقه فى أن يعيش.. ولم يبق فى هذا العصر مناص من استشارة الناس فى تدبير أمورهم.. وليس لفرد كنيتشه أن يستبد فى أمر تدبير الكون وسياسة العالم.
تعليم نيتشه مناقض لنفسه
وكيف قلبت تعليم نيتشه لا تجد له منطقاً يبرره أو عقلاً يرتاح إليه.
فأولاً إنه لم يضع حداً بين الضعف والقوة ولا يقدر أن يضع هذا الحد لأن الناس درجات فى القوة.. فإذا أطلق العنان للقوى حتى يسحق الضعيف ويشغل حيزه فى الوجود أدى الأمر إلى سحق الناس بعضهم لبعض وأخيراً لا يبقى نظرياً إلا واحد.
وثانياً: هب أنه استطاع أن يضع حداً بين القوة والضعف فلا أظن أحداً يسلم بأن الذين حسبوا فى صف الضعفاء يرضون عن طيب خاطر أن يفنوا لأجل خاطر الأقوياء بل بالأحرى يضطرون أن يتألبوا على الأقوياء ويقاوموهم ليدفعوا أذاهم عنهم وهكذا قد يتغلب الضعفاء على الأقوياء تغلب الكثرة على القلة وتغلب الحيلة على الصراحة وتكون النتيجة إبادة الأقوياء ونشوء سلالات ضعيفة خلافاً لما يريد نيتشه.
ثالثاً: أن تبرير كل وسيلة لحصول القوى على رزق الضعيف تستلزم حتماً إلغاء الشرائع التى تقيد الناس بواجباتهم وحقوقهم لأنه لا يمكن أن تبقى شريعة بين قوى وقوى متى سقطت كل شريعة بين قوى وضعيف.. ولا يخفى أن القوانين والشرائع هى الرباط الوحيد الذى ترتبط به أجزاء الهيئة الاجتماعية.. فإذا انحل هذا الرباط وتقطع تبعثرت أجزاء الهيئة الاجتماعية وارتدت إلى همجيتها القديمة.
تعليم نيتشه يصح فى عهد الحيوانية
والغريب أن نيتشه بث هذه المبادئ وعلم بها ولكنه لم يضع دستوراً عملياً لها يمكن تنفيذه ولذلك تبقى تعاليمه نظريات.. ولكنها نظريات غير منظمة فهى متطرفة من جهات وناقصة من جهات أخرى.
فقد مدح القوة وحث على الاستقواء بها وكره الضعف وحث على محقه.. وكلنا نمدح القوة ونحث كل فرد أن يستقوى ونكره الضعف ونجتهد فى مداواته حتى لا يبقى ضعفاء.. ولكن ما من أحد يقبل بقانون ينص على إهلاك الضعيف وإبادته لا لذنب سوى أنه خلق ضعيفاً وما هو مسئول عن خلقته.. ولا أحد يقبل بنظام يقضى بحرمان الضعيف حقوقاً مخولة للقوى.. لأن الذى وجد فى عالم الأحياء المتضامنة صار ذا حق بأن يحيا ويتمتع.
كان يصح مذهب نيتشه قبل أن ارتقى الإنسان وأصبح اجتماعياً.. أى يوم كان البشر دون بشر اليوم - يوم كانوا كالعجماوات يتنازعون أفراداً - فى ذلك الحين كان يسوغ أن ينازع القوى الضعيف رزقه وبقاءه بلا وازع ولا قانون.. وقد حدث ذلك وعن يده تفوق الإنسان على سائر الحيوان.. أما الآن وقد أصبح البشر جسماً اجتماعياً مترابطاً وأجزاؤه متضامنة فإذا أذن فيه للجزء القوى أن ينازع الضعيف ويبيده انحل رباط ذلك الجسم وانتفت اجتماعيته.. فمحق الجزء الضعيف فى ذلك الجسم الاجتماعى محق للجسم كله.
اعتبار الضعف فى الهيئة الاجتماعية مرضاً يداوى
نعتبر ضعف بعض السلالات أو بعض الأفراد فى السلالة الواحدة مرضاً فى الجسم الاجتماعى يجب علاجه وشفاؤه.. على أن العلاج لا يكون بقطع تلك الأجزاء ونفيها ولاسيما إذا كانت ضرورية لحياة الجسم لئلا يلحق الضعف بسائر الأجزاء أو يهلك الجسم برمته معها.. وإنما يكون العلاج بتقوية الجزء الضعيف.. والعلاج على هذا النحو هو المهمة العظمى التى تشغل الاجتماعيين فى كل زمان ولا سيما كلما تقدمت الهيئة الاجتماعية فى عمرها.. فإلى هذا العصر كانت الهيئة الاجتماعية طفلاً أو غلاماً حديث السن لا يعرف مصلحته جيداً.. فلا بدع إذا أخطأ مراراً فى معالجة الضعف الذى فيه أو أهمل هذا الضعف أو إذا أتى أموراً تضعف بعض أعضائه.. أما وقد شبت الهيئة الاجتماعية وصارت تفهم مواضع الضعف فيها وأساليب علاجها فصار يمكن أن تستشفى من أدوائها من غير أن تبتر أعضاءها الواحد بعد الآخر ومن غير أن تتلف أجزاء من بدنها.
علاج هذا الضعف
إذا كان عضل الجسم أو عصبه أو أى جهاز فيه ضعيفاً فيعالج بالأدوية والأغذية وبالرياضة إلخ لا بإزالة ذلك الجهاز.. والمعلوم فى نظر الفسيولوجيين والهستولوجيين أن الحويصلات التى تألف منها ذلك الجهاز فى عهد ضعفه اندثرت وقام مقامها حويصلات جديدة فى عهد قوته.. وهكذا الأمر فى الهيئة الاجتماعية فيمكن أن يعالج الضعيف فى كل سلالة منها ليس بإزالة الفرد الضعيف والسلالة الضعيفة بل بتربية الجيل الجديد الذى يحل محل الجيل الحاضر - بتربيته قوياً.. وعلى التمادى تكون الأجيال المقبلة أقوى من الأجيال الماضية.
وهذه الطريقة فى المعالجة توجب علينا أن نعنى بالجزء الضعيف كل العناية لكى نحفظه فى مركزه إلى أن ينمو الجزء الجديد الذى يحل محله.. وهذا هو السر فى وجوب العناية بالمساكين والبؤساء والضعفاء إلخ.
وإذا كان الجسم الاجتماعى لا تقوم له قائمة إلا بتعاون أفراد الجنس البشرى وتضامنهم كان التضامن والتعاون خاصتين من أهم خواص الاجتماع فكيف يمكن التوفيق بين التضامن والتعاون وبين استقواء القوى على الضعيف.. وإذا لم يساعد القوى الضعيف ويعتنى السليم بالعليل والغنى بالفقير فكيف يمكن أن يتضامن البشر ويتعاونوا؟ بل كيف يمكن أن يثقوا بفائدة هذين التضامن والتعاون لمصلحتهم.
إن الغاية التى يتوخاها نيتشه فى تكوين هيئة اجتماعية قوية سليمة تتوخاها الطبيعة نفسها بدليل أن كل جيل يكون أصلح من كل جيل سبقه.. وإن حدث تقهقر فى عصر من العصور كان كبوة لا يطول عهدها بل يعود الرقى إلى استئناف مسيره إلى الأمام.. على أن الطبيعة تعمل عملها فى اختيار الأصلح وإفناء الأضعف من غير جور على الضعيف لا يطاق وبغير الأسلوب الذى ينصح به نيتشه.
العالم يسير إلى الأمام على نظام تجمع الأجزاء فى جسم واحد متين البنيات.. فكل عمل أو مشروع أو ترتيب يأتيه البشر لتقوية البنيان وتوطيده يؤدى حتماً إلى إسعاد الجنس البشرى برمته وإصابة كل فرد من أفراده نصيباً من السعادة على قدر عمله وجهده فى هذا البناء.. ولو كنا نود أن نهتم فى مستقبل الأجيال المقبلة فعلينا أن نهتم بجعل بنائها الاجتماعى وطيداً متيناً.. وإذا رأينا من الواجب علينا أن نجعل أولادنا وأحفادنا أقوى بنية وعقلاً فعلينا أن نربيهم كذلك بكل وسائل التربية الأكيدة الفائدة لا بأن نستأصل من بيننا إخواننا الضعفاء لئلا يلدوا أولاداً ضعفاء.
«الهلال» أول ديسمبر سنة 1916