صالون الهلال الثقافي .. زمن القصة القصيرة .. الحاضر .. المستقبل

19/09/2016 - 11:24:08

عدسة : ناجى فرح عدسة : ناجى فرح

أداره: أحـمـد البـكـري - أعده للنشر: مصطفى أبو عايد

في ليلة قاهرية مفعمة بجو ثقافي تؤطره المحبة انتظم عقد صالون الهلال الثقافي السادس وقد اجتمعت على مائدته كوكبة من أبرز نجوم الأدب وكتاب القصة القصيرة، فكان من الحضور الروائي كاتب القصة سيد الوكيل، الكاتب الروائي جار النبي الحلو، الناقد د. جمال العسكري، الكاتب والناقد د. سامي السهم، القاص والكاتب أحمد الخميسي، الناقد د. مختار أمين، الكاتبة والباحثة د. صفية إسماعيل، الكاتبة والقاصة صفاء عبد المنعم، الكاتبة والقاصة د. نوران فؤاد، القاص الشاب أحمد سمير والفنان محمد طاحون..
وافتتح الصالون الأستاذ أحمد البكري مدير تحرير مجلة الهلال مشيرا إلى مقولة ليوسف إدريس تقول "القصة رصاصة تصيب الهدف أسرع من أي رواية" مضيفا أن هذه الجملة تعتمد على توصيف القصة بالتكثيف واعتبار التكثيف العنصر الأساسي فيها، ومن خلال هذا المفهوم لا نستطيع القول بأن القصة القصيرة قصة لم تكتمل؛ أو أنها فصل من رواية، بل هي كيان ونوع من أنواع الفن السردي الإبداعي له خصائص وشكل معين، فن رفيع له كاتب موهوب قادر على تكثيف المعاني، وتختلف نوعيات القصة القصيرة باختلاف أساليبها ومدارسها، وهذه الأساليب والتنويعات كلها تصب في لحظة حياتية معينة يتم التركيز عليها بشكل مباشر وشخصية وحيدة؛ أو قد تتعدد الشخصيات لإبراز المعنى الإنساني في هذه اللحظة، فقد تصور الرواية النهر من المنبع إلى المصب؛ أما القصة القصيرة فهي تركز على مشهد ما يجري على ضفة هذا النهر، كأن نقول مثلاً أطبق التمساح فكيه فانتثرت الدماء على صفحة النهر، فصرخت الزوجة المكلومة، وصارت تنعي زوجها.. فهي تركز على مشهد معين لتروي لنا خبرا، وتتداخل عناصرها لتنتج في النهاية تركيبة إنسانية إبداعية بشكل معين له خصائص معينة.
تحدث الروائي جار النبي الحلو عن نشأة القصة القصيرة فأكد على أن القصة القصيرة كتألق وكوجود مؤثر أفرزت مبدعيها النجوم وهم أفرزوها للعالم بشكلها النهائي الرائع المتألق، فهي تعتبر فنا حديثا وكتابة جديدة؛ بعدما تعرفت الشعوب وقرأت ألف ليلة وليلة والمعلقات والأعمال الضخمة، والقصة القصيرة لم تأت من فراغ؛ فهي بنت الحكاية، فجاءت من حكايات متناثرة هنا وهناك، من ألف ليلة وكليلة ودمنة وغيرهما على مستوى العالم، وليست بنت وطن محدد ولكن جاءت معبرة عن الإنسانية بشكل عام، ومعبرة عن كتابة جديدة تحاول أن تقدم نفسها وسط كل هذه الأعمال الرائعة، والأساطير والحكايات الضخمة، ونستطيع بسهولة أن نلمح في تاريخ القصة القصيرة جوجول مثلا وتشيكوف وجوركي وموباسان وعددا كبيرا من الأدباء حتى نصل لأجيالنا الحالية أمثال أحمد سمير وأحمد مسعد وغيرهما، ودهشة القصة القصيرة كفن حديث كان سببه الحقيقي كما قال أوكونور في الصوت المنفرد إن لكل كاتب جماعته التي ينحاز إليها. فلو طبقنا هذا القول سنجد بالفعل أن جماعة جوجول غير جماعة تشيكوف غير جماعة يوسف إدريس غير يحيى الطاهر عبد الله، وكذلك هيمنجواي علامة من علامات القصة القصيرة، ونلاحظ أن هذا الفن الحديث أعطى إمكانية جديدة للمبدعين في كتابة أشكال مختلفة من الفن وهي في الحقيقة ليست كما قال يوسف إدريس بأنها رصاصة فمن الممكن أن تكون بندقية وليست رصاصة فحسب، ويمكن أن تكون لحظة خاطفة أو حياة مليئة بالألم، والقصة القصيرة ليس لها توصيف محدد كما يظن البعض وليست لحظة خاطفة وليست قصيدة نثرية من الشعر ولا تمسك بجزء من التاريخ ، وإنما عبقريتها تكمن في أنها ليست مقيدة بتفعيلات ولا قيود ولا جرس داخلي أو خارجي، ونجد تشيكوف نفسه في قصة قصيرة جدا اسمها (فانك) وقد غيرت هذه القصة حياتي شخصياً – كما يقول الحلو - وفانك هذا الولد الصغير الذي يعمل بورشة أحذية بقرية أخرى ويعامل بقسوة ، ونراه يرسل خطابا لجده يعبر فيه عن مأساته. عندما قرأتها انتفضت، وعندما قرأت بيت من لحم ليوسف إدريس صرخت لحظتها لروعتها، وعندما تقرأ لمحمد المخزنجي قصصه القصيرة جدا تجد أنك أمام كتابة مختلفة مثلا عن الفرنسية نتالي ساروت التي كتبت الانفعالات في الثلاثينيات وكانت مدهشة، وهذا الثراء في القصة القصيرة جعل من الإمكان أن يكتب كثير من الكتاب قصة قصيرة، وهم ليسوا أصلا كتابا لها، وهذا الثراء جعل القصة القصيرة بدون وعاء محدد، نجيب محفوظ بعد هزيمة 67 كان من أهم من كتب القصة القصيرة، فهناك مثلا "تحت المظلة" وهي تعبر عن نكسة 67، بعد ذلك كتب ثرثرة فوق النيل؛ وهذه المجموعة عبرت أيضا عن النكسة. فالقصة القصيرة بها غنى شديد وثراء وبها سحر فهي بنت الحكاية وهي أخت الحدوتة التي كانت تحكيها لنا جدتنا فننام عليها، وللحكاية سحرها، وليس للقصة القصيرة زي رسمي ولا شكل محدد، فلو تتبعنا مثلا جيل أصلان ومستجاب ويحيى الطاهر عبد الله والمخزنجي وصولا إلى شباب الكتاب؛ سنكتشف أنها لا تفرز وجها واحدا للكتابة، وأنها جوهر الحكاية، فهناك مقولة أعتقد فيها وهي أن من يكتب قصة قصيرة جيدة يكتب أي شيء بشكل جيد بعد ذلك ، فيكتب رواية أو سيناريو إلى آخره، فهي ابنة الكاتب وابنة الخيال وابنة الحكاية.
واتفق الناقد د. مختار أمين مع الأستاذ جار النبي في أن من يكتب القصة القصيرة يستطيع أن يبدع في فنون الكتابة الأخرى، وأضاف أن القصة القصيرة فن خاص لا يكتبها إلا محترف، له قاموس لغوي وقاموس حياتي كشاب بالغ يستطيع سرد الحياة برأيٍ بارع، وبالنسبة لنشأة القصة في البعد الزمني فلي كتاب اسمه "الفراعنة قادمون" ركزت فيه على الأدب الفرعوني، فقد اكتشفت أن المصريين في العصر الفرعوني، خاصة في العصور الفرعونية الوسطى، بدأوا يكتبون الأدب وكان قويًا ، وجاء الغرب في القرن 19 ليؤرخ لتاريخ القصة، فبدأوا بأشكال قليلة من القصة، وأضعف من أدب الفراعنة، والتاريخ أثبت ذلك وكان في أدب الفراعنة قصص كثيرة منها "الفلاح الفصيح"، وقصة "وينامون"، وطمست معالم هذه النهضة الأدبية في حريق الإسكندرية وتم القضاء على الكتب والوثائق الخاصة بها ولم يؤرخ لذلك، وأعتقد أن ذلك كان بشكل متعمد، وبدأ النقاد يقولون إن القصة القصيرة بدأت في القرن التاسع عشر وسرنا على ذلك، وهي مجرد حواديت لا تعبر عن القصة القصيرة بأي شكل، ففي إيطاليا نشأت قصص الأكاذيب في القرن الرابع عشر فجاء بوكاتشيو سكرتير الفاتيكان صاحب قصص الديكاميرون أو المائة قصة؛ وذلك بعد أن اجتاح الطاعون بلدته فلورنسا، وكانت أفضل من قصص الأكاذيب. بعد ذلك جاء موباسان وهو على ما أعتقد من حدد شكل القصة القصيرة المتميزة بشكلها الخاص؛ وسرنا على ما فعل، ثم جاءت الحركة فيما بين روسيا وأمريكا وانتشرت القصة القصيرة بشكلها المعروف، وجاء بعد ذلك كثير من الكتاب وساروا على نفس المنهاج كتشيكوف.
أما الكاتب والروائي سيد الوكيل فتساءل هل القصة القصيرة نوع مستقل مختلف عن الرواية؟ وأكد أننا إذا نظرنا لبدايات القصة القصيرة بأوروبا سنلاحظ أن الرواية قد سبقت القصة القصيرة في الظهور إلى العالم بأكثر من 150 سنة، والإشكالية أن الرواية كان ظهورها الأول حيث ما يسمى بروايات المدفئة للتسلية حيث كانت البيئة الزراعية والسامر حينها، وعندما دخلنا لمجتمع المدينة وأصبح يوجد مجتمع المصنع والساعة المحددة وفترات الراحة المحددة والبارات والمقاهي والمواصلات، كل هذه المعطيات الاجتماعية فرضت نوعا آخر من الإبداع فلم تعد فكرة الكتابة للتسلية، فقد كانت الرواية تنشر أولا على صفحات الجرائد على فترات طويلة ثم تتم طباعتها فيما يتجاوز 3000 صفحة، لكن إيقاع مجتمع المدينة والمصنع مع ظهور المد البوليتاري تحديدا بأوروبا؛ أوجد ثقافة مختلفة تتوافق مع تلك التقنيات، فكل آليات القصة القصيرة المعروفة تجسد اللحظة، وكما ذكر الأستاذ جار النبي بأن القصة خرجت من رحم الرواية، فهذا أوجد التباسا في نوع القصة القصيرة، وعندما كنا في الجامعة كان الأساتذة يقولون لنا بأن للقصة القصيرة أكثر من 30 تعريفا، وفى الحقيقة أنا لست مطمئنا لأحدها، وحقيقة الأمر أن القصة القصيرة ظلت مشتبكة مع الرواية طوال القرن 19، وهذه مشكلة ، وبالتالي عندما دخلنا في زمن الرواية بدأت القصة تشعر باغتراب شديد لأن مفهومنا للرواية بأنه العمل الأكبر، فبدأت القصة تبحث عن هوية جديدة لها الآن، ففي هذا الشهر مثلا قرأت أربع تجارب جديدة تعمل على الأحلام، مثل الدفتر النائم عند شريف صالح ولمح البصر عندي، كما فعل نجيب محفوظ كتقنية جديدة للقصة القصيرة.
فمن هنا أصبح هناك ارتباك في مفهومنا للقصة القصيرة، لكني أطمئن لما ذهب إليه الناقد إبراهيم فتحي عندما تكلم عن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ، وللأسف نتجاهل محفوظ ككاتب قصة قصيرة مع أن 35% من إنتاجه قصة قصيرة، وقد لاحظ إبراهيم فتحي أن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ تكتنز وتحتشد بقوة رواية كاملة، وهذا ظهر في عدة مستويات فمثلا لنجيب قصة اسمها "فتوة العطوف" لا تتجاوز 5 أو 6 صفحات فيها كل تاريخ الفتونة الذي جاء بالحرافيش، ولكن مع التكثيف، ونخطئ كثيرا إذا تكلمنا عن التكثيف باعتباره اختزالا لغويا، فإبراهيم فتحي تكلم عن التكثيف باعتباره زاوية النظر للموضوع، فمثلا تاريخ العراق وصدام حسين تاريخ كبير ولكن عندما نكتب عن صدام حسين فبأي زاوية نكتب، هذا جوهر مفهوم القصة القصيرة عند إبراهيم فتحي.
وعندما دخلت القصة القصيرة مصر دخلت قبل الرواية وكتبت قبلها، والدليل أنها نضجت على يد محمود وأحمد تيمور قبل أن تنضج الرواية بالأربعينيات، نعم كتب محمد حسين هيكل الرواية حوالي 1918، ولكن ليست بنفس النضج الذي ظهر في عودة الروح للحكيم، وبعده بـ 3 أو 4 سنين نجيب محفوظ، هذا معناه أن مصر وضعت يدها على الوعي للقصة القصيرة كمجتمع مدني وصناعي حديث معاصر باعتبارها تمثل هذا المجتمع، لذلك ظهرت القصة القصيرة عندنا بامتياز في القرن 19 ، ولا نندهش عندما نرى محمود تيمور ويحيى حقي ويقابلهما في الرواية نجيب محفوظ وهو ذو عزف منفرد، وهذا تاريخ وحده، وزاوية النظر عند محفوظ ليس لها علاقة بالشخص ولا بالبعد الزمني، فربما تتناول عدة أشخاص وليس شخصا واحدا وزاوية النظر هي التجربة.
وأكد الناقد د. جمال العسكري ملاحظات على مقولة أن القصة والرواية أبناء للحكاية باعتبارها أصل الوجود فهما أبناء شرعيون للحكاية بكل أشكالها ، وأشار إلى أن فكرة رصد المشهد القصصي صعبة جدا، ولكن من المؤكد أن القصة القصيرة كانت أسبق للدخول للمشهد الثقافي المصري في لحظة التحول المجتمعي في القرن 19، وذكر د. العسكري أنه قرأ في الفترة الأخيرة بعض الأعمال بداية من 2004 وكانت ملتبسة ببعض الخطوات وهذا مدخل لمشكلة النوع ، وفكرة تعريف القصة القصيرة ومميزاتها بالنسبة للرواية سؤال يكاد يكون عبثيا لأنك عندما تقرأ مثلا "فوق الحياة قليلا" لسيد الوكيل، تجد شيئا من البينية، فترى كل فصل من الفصول قصة قصيرة وإن الفصول مجتمعة تكون رواية ، وهذا كان موجودا أيضا في عالم فرانشي لعمرو العادلي حيث ركز على طفل يحاول اكتشاف العالم في حوالي 20 قصة، والطفل أيمن هو نفسه ونفس الأشخاص في كل العمل ففي النهاية تخرج من هذه المجموعة برواية في شكل مجموعة قصصية، وترى القصة في داخل المجموعة تعمل ترابطا في بناء الرواية ، فإشكالية النوع هنا مرتبطة بالمشهد الذي رصدته نوعا ما مع كتابات الجيل الجديد، وفي بداية التسعينيات بدأت القصة القصيرة تخفت تحت ذريعة الوهم الكاذب الذي أذاعه البعض بأننا في زمن الرواية، وبالتالي فليصمت الشعر ولنوسد القصة القصيرة لحدها الأخير، وبعد ذلك اكتشفنا كذب الادعاء والنقل المشوه، والحكاية معروفة منذ أيام إنسان الكهف الأول، لكن التطور التقني مع تطور أدوات التفكير يسلمنا لأشكال جديدة كان منها الرواية والقصة القصيرة، والعودة للأصول عند الشباب خاصة من 2004 مثل أحمد سمير وعمرو العادلي سنفاجأ بأن هؤلاء الشباب حاولوا الرجوع لشكل التسعينيات بشكل تقليدي فأصبحت القصة لمحة من الخيال، وأيضا كذبة الكتابة البينية والحساسية الجديدة ، فبعض النقاد يدجلون في المشهد الثقافي والكتابة البينية، ولم يخبرونا ما المقصود بالكتابة البينية ، وكان الشاهد العاجز الوحيد المتكرر على صفحات بعض النقاد أنهم يقولون أنك عندما تقرأ القصة تحس بالشعر والقصة الشعرية هي قصة أو قصيدة لا نعرف بالضبط ، ولم يشيروا إلى أن الكتابة البينية مرتبطة بالمنظور الذي يختزل مجموعة من الخبرات وبالتالي يستطيع الانتقال لمساحات جديدة مثل مساحة الحلم والترميز في الحلم كما في "لمح البصر" لسيد الوكيل، والوعي الفلسفي الكامل الذي يحاول الترميز كما فعل أحمد سمير، فهو يستنطق بعض مشاهد الصوفية في مجموعته صاحب "غيط الحمام" ، فكانت هذه عودة للأصول مرتبطة بالكتابة التي كانوا يدعون أنها تقليدية، فالقصة بذلك لها مبتدأ وتطور وتنامٍ، وتنتهي بمفارقة أو نهاية مفتوحة ولكن لم يستسلم هؤلاء الشباب لتقليعة التفرقة بين ما هي القصة وما هي الرواية.
وفي نهاية التسعينيات وبداية الألفية بدأت الرواية ترجع للشكل الطبيعي لها فبدأنا نفقد فكرة التجريب وجماليات القبح التي ترجع لبدايات فجر التاريخ حتى الرومانسيين في أعمالهم أشاروا لجماليات القبح تلك، وعند الشباب الجدد نجد فكرة الكتابة البينية بدون افتعال.
كما أكد أن الكتابات الجديدة عملت تراكما جيدا بعودتها للأصول محاولة التماس مع ما كتب قبلها ولكنها قفزت على مرحلة التسعينيات نوعا ما وهذه مرحلة التشويش المتعمد وهذا التشويش كان يرافقه التشويش السياسي وكأنها كانت أدوارا موزعة وكان الجيل بعد 2004 واعيا لهذه الإشكالية جيدا.
فيما عقبت الروائية صفاء عبد المنعم أنه للأسف عندما تخرج مقولة ما يتم الترويج لها لصالح شيء آخر ، فعندما قيل زمن الرواية على لسان جابر عصفور أصبح من يذهب لينشر قصة قصيرة لا تنشر له بحجة أننا في زمن الرواية، ومن هنا خرج جيل من كتاب الرواية ليس لهم علاقة بالأمر، وعندما ظهر مصطلح كتاب الحساسية الجديدة؛ بدأت أبحث عنهم لأقرأ لهم فالمسألة هنا أن الترويج لمفهوم ما مضر بالقصة القصيرة، والحقيقة أنه لم يحدث انقطاع كما ذكر البعض بل الأمر أن الشباب رجعوا لقراءة القديم.
واستطرد د. العسكري حديثه عن "البينية" بأنه في التسعينيات تكلموا عن الكتابة النوعية فكلما سألت واحدا ما لا يعرف حتى كيف يتكلم، يقول لك بأنها أن تقف أمام النص لا تعرف هل هو قصة أو رواية، وحقيقة الكتابة النوعية هي نوعية المنظور نفسه فـعمرو العادلي مثلا أو أحمد سمير وغيرهما مثل محمد أبو الدهب يحكي قصة في البار أو الأسانسير لا تستغرق 6 أو 7 سطور، لكن في وعيك أنت كقارئ من الممكن أن تأخذ زمناً طويلا، مثلما قال الأستاذ سيد الوكيل بأن القصة القصيرة من الممكن أن تختزل 30 إلى 40 سنة، فهنا تظهر بينية المنظور فلا أنت أمام عمل يتقيد بلحظة قصيرة ولا أنت أمام رواية فيها تطور شخصيات وأجيال إلى آخره، إضافة إلى بينية المنظور، توجد أيضا بينية اللغة، فهنا بينية بين منظورين، وهؤلاء الشباب الجدد ضربوا نماذج فاعلة وواضحة وتطبيقية فأنت تقرأ نوعا لا تستطيع أن تقول عنه قصة قصيرة أو غيرها وهذا شكل من أشكال البينية.
وأكد الكاتب أحمد الخميسي على أننا أمام جدل واقع؛ هل نحن في زمن الرواية أو القصة القصيرة، ويرى أن مصطلح زمن الرواية ليس دقيقاً، لأننا إذا قلنا زمن الرواية فلا توجد مؤشرات محددة على ذلك غير مؤشر واحد وهو اتساع السوق التجاري والطلب على الرواية ، وهذا ليس مؤشرا حقيقيا، ومن ناحية أخرى أن الرواية نشأت قبل القصة القصيرة بحوالي 150 سنة فمثلا روبنسون كروزو ظهرت 1719، فهنا سؤال أنه لولا الحاجة إلى القصة القصيرة لما ظهرت، فلا يظهر شكل وهناك شكل فني يسد الحاجة، فمثلا توجد سينما ثم الفيديو بعده فلو قامت السينما بنفس دور الفيديو لما ظهر الفيديو، ومن المعروف أن القصة القصيرة نشأت من الحكاية ومن قصص الفابولا والحيوانات لابن المقفع وغيرها ، وأيضا بنت النوفيلا التي اهتمت بحياة البشر وحياتهم الداخلية بشكل خاص، وعندما نتكلم عنها كنوع أدبي لا نتكلم عن ملامح تقنية فقط بل عن مادة مختلفة فهي منظور كما ذكر الأستاذ سيد الوكيل وأذكر في الخمسينيات والستينيات كان هناك نجمان في سماء الأدب؛ نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وكنت أتساءل حينها لماذا لا يكتب يوسف إدريس الرواية وهو كاتب كبير، وعندما سألته أجابني بأن هذا نَفَس، فهناك كاتب نفسه طويل وآخر نفسه قصير، وهذا معناه أن القصة القصيرة محكومة بالمادة، بمعنى أنه بجانب المنظور يوجد أيضا الموضوع، وهذا الموضوع لا يصلح أن يكتب رواية.
ومن خلال تجربته الشخصية تحدث القاص وجيه القاضي عن لحظة إبداع القصة القصيرة وميلادها، فذكر أن تكوين كاتب القصة لابد أن يشمل ثلاث خبرات: قرائية ، وحياتية ، وفنية ، فالقرائية وحدها ستعطينا عملا مكرورا، والحياتية وحدها ستكتب قصصا باهتة ليس لها مدلول أقرب للحكاية، والخبرة الفنية تأتي من خلال الكتابة المستمرة ، وهذه الخبرات الثلاث تشكل مخزون الكاتب ، والإبداع موطنه العقل الباطن وليس العقل الواعي، فبالتالي هذه الخبرات الثلاث تكون مخزون الكاتب في عقله الباطن، والعقل الباطن لغته مشفرة، فيأتي حافز معين يحدث فيطفو من العقل الباطن جزء سواء من الخبرة القرائية أو الحياتية أو الفنية، يطفو فيذهب للعقل الواعي فيترجمه فيكتب الكاتب ويبدع، وهذا يعتمد على قيمة الكاتب وقدره حيث يقوم العقل الواعي بترجمة وإصلاح وتنقيح ما يخرج إليه من العقل الباطن، وهذا ما يفعله الكاتب متوسط القيمة، أما الكاتب الأعلى موهبة فتخرج الضفيرة من العقل الباطن والواعي معا في كتابته، وهنا تتجسد المقولة الشهيرة التي تقول "إن الأدب يكتبنا ولا نكتبه" فبالتالي في لحظة الإبداع عندما تطفو هذه الأشياء يلهث الكاتب وراء قلمه تأكيدا لهذه المقولة. وأضاف القاضي أن القصة القصيرة يجب أن تحتوي على معادل موضوعي وإلا فقدت قيمة فنية كبيرة داخلها، فلو أخذنا بيت من لحم مثلا؛ نجد أن المعادل الموضوعي للرجل الأعمى فيها تضافر المجتمع كله على الفساد، ثمة شيء آخر في القصة القصيرة ألا وهو موضعة الذات وذاتية الموضوع، فنجد قراءات كثيرة تكتب عن يوم؛ فهذه ذاتية الموضوع ونفس الحكاية نكتب ذات المعادل الموضوعي فمن هنا تأتي موضعة الذات، إذن الذات تتحول لموضوع وليس العكس.
وفي مداخلتها أشارت د. نوران فؤاد إلى أن القصة القصيرة ليست كائنا هلاميا لنقول إنها بلا ملامح، فعندما تكلم سيجموند فرويد وانتشرت مدارس التحليل النفسي بدأوا يتكلمون عن كيفية خروج الأقصوصة من الأديب وما تأثيرها، وناتالي ساروت التي كانت طبيبة نفسية من أبرز رواد هذا الاتجاه. وأضافت أن هناك سؤالا يطرح نفسه: لماذا كان الفن دائما مرتبطا بالقصة القصيرة كصنف أدبي؟ ويكتب الفنانون مزاوجة لعملهم، فزكي نجيب محمود بقيمته الكبيرة كان له كتاب قصاصات زجاجية وهو كتاب فلسفي وأنا أعتبره أول مجموعة للقصة القصيرة به فصل اسمه "البرتقالة" وهي قصة تحاكي الأدب الروسي تمامًا حيث يصف البرتقالة بطريقة فلسفية وأيضا هناك يوسف عوف وهو كاتب ساخر له عمل قصصي اسمه أبو الكرامات.
وأحب أن أؤكد أن المدرسة الروسية وهي من أكثر المدارس التي اهتمت بالجانب النفسي، وأغلب الكتاب كتولستوي وغيره كانت لهم في البداية أفكار كتبوها بشكل مكثف فهي كانت تعبر عما بدواخلهم فأخرجوها شحنة مكتوبة.
وكان للناقد د. سامي السهم مداخلة عن الرمزية في القصة القصيرة فذكر أنها معيار فنية القصة القصيرة وأهم خصائصها، فعندما نحكم على أي قصة قصيرة ننظر لخصائصها، ثم مدى توفر تلك الخصائص فيها سواء كانت فنية أو غير فنية ، وكذلك تكثيف على اللحظة وثراء الكاتب ومدى إحكام قبضته على النص، والرمزية واحدة من معايير فنية القصة القصيرة وتختلف من قصة لأخرى إضافة لغيرها من المعايير الأخرى وهذا يفتح الباب لتعدد الأحكام على فنية القصة القصيرة ولكن لماذا الرمزية بالذات، لأن القصة القصيرة فن مراوغ غير ممسوك أو مقيد، ومن ثم تفسده المباشرة، ولذا يجب أن تعتمد القصة القصيرة على الرمز وإلا فقدت جزءا كبيرا من فنيتها، وإذا كان الشائع لجوء المبدع للرمز هربا من المساءلة مثلما في "كليلة ودمنة" وصار بذلك الرمز نوعا من التقية يلجأ إليها المبدع عندما يصطدم نصه بالمقدس الديني أو الاجتماعي أو المحرم الجنسي أو السياسي، لكن الرمز تطور ليصل لرمز فني خالص يعالج من خلاله المبدع قضايا فكرية ثورية وهذه نقلة فنية في مسألة الرمز، وقام د. السهم بتطبيق تلك النظرية على قصة "لهاث العقارب" للقاص وجيه القاضي.
وفي مداخلة رائعة للدكتورة صفية إسماعيل تكلمت عن القصة القصيرة في أدب الأطفال، فأشارت إلى أن أدب الطفل هو الابن الشرعي للحكاية، رغم عدم تناول النقاد لها بما يجب، والقصة القصيرة للطفل متماشية مع الأشكال الفنية الأخرى، فمثلا الرواية تستخدم قصة الطفل نفس تكنيك الرواية من حيث الحادثة والصراع والتشابك والأهداف والعقدة والانفراجة، فإذا نظرنا لهاري بوتر نراعي أنها أخذت نفس مراحل الرواية للكبار، لكن قصة الطفل لها ميزة الخصوصية المرتبطة بكل مرحلة عمرية على حدة، ففي مرحلة الصغر تكون نفس الفكرة ولكن لا تكون الأحداث كثيرة وذكرت مثالا بقصة "عيوني زرقاء" للكاتب حازم إسماعيل، وأشارت كذلك إلى تماهي قصة الطفل مع السينما؛ حيث الصورة والخيال، وقدمت مثالا بقصتها "حين يسقط المطر".
وتحدث الفنان التشكيلي والنحات محمد طاحون عن تجربته الشخصية كقارئ وليس ككاتب للقصة القصيرة، وأبدى استياءه مما وجده عند كبار الكتاب حيث لم تعد القصة تعبر عن القارئ، ولا يجد فيها قضيته ولم تؤثر فيه، وليس كما ذكر "كافكا" بأن القصة إن لم تكن ضربة على الجمجمة فتوقظها فلا داعي لقراءتها.
وفي نهاية الصالون تكلم القاص الشاب / أحمد سمير عن تجربته الذاتية في كتابة القصة.