رحم الصداقة

19/09/2016 - 11:22:53

حاتم الصكر

هي الصداقة: تتدرج من الزمالة لتقترب من درجة الأخوّة. بل هي ذاتها كما وصفتْها مأثوراتنا التي تتحدث مجازيا عن أخ لك لم تلده أمك. لكنها في الكتابة تكون حاضرة أي الأم. تصبح آصرة ليس بينها والقرابة فرق. وإذا حسب البعض أن الكتابة "كار" أو صنعة يتنافس متعاطوها بدافع المهنة ومنافعها فهم واهمون أو خاطئون في تصوراتهم. فقد وجدنا في أصدقاء الكتابة إنسانية وتفهما لا تتوفر في عاديات الصداقة ومستلزماتها اليومية بين سواهم. لي شخصيا تجارب مع أصدقاء كانوا عونا حقيقيا ومعنويا. في حصار العراق الطويل بعد غزو الكويت كانت كتبي ومراسلاتي ومشاركاتي في الأنشطة الثقافية ـ وكلها تتم بأيدي أصدقائي الكتاب والشعراء ـ تنتشلني حياتيا من ظروف لا إنسانية. كما كانت عونا نفسيا حين تعرضت لأحداث في حياتي أشعرتني بأنني انكسرت؛ فكانت مواقف الأصدقاء من الأدباء كمواقف الأسرة تعضد روحي وترمم انكساري. لم يكن أبو تمام مبالغا حين خاطب من الشام صديقه الشاعر العراقي علي بن الجهم بأنهما وإن افترق بهما النسب فثمة ما يؤلف بينهما، وهو الأدب الذي أقاماه (مقام الوالدِ).
تطهّر الكتابة أعماق عاشقيها وتجعل الفضاء حولهم مفعما بالمحبة والصدق، رغم وجود الاستثناء النادر. ثمة عدائيون يكتبون دوما بسخط واشتباك مع الزملاء. ولعل ذلك يفسر غياب التجمعات الثقافية أو الجماعات عندنا إلا ما ندر. وإذا كنا نحرث في أرض واحدة فيمكننا أن نلتم جماعة أو مدرسة كما حصل في الغرب، بل لدينا في القرن الماضي جماعات كالديوان وأبولو والرابطة القلمية وجماعة شعر، وجمعيات الكتاب المجددين في مصر، وتجمعات الفنانين العراقيين (جماعة بغداد للفن الحديث، جماعة الرواد..) فغياب هذه المظاهر يؤشر لضعف الصلة ليس بسبب التنافس أو التباغض أحيانا، بل لما يشوب العلاقات من اشتغال شخصي تسهم الحزبية والقطرية في تكريسه.