أكثر من ٣٠٠ فى عامين وأغلبها صناعة إخوانية معظم الأزمات من مستصغر الشائعات

18/09/2016 - 10:38:46

بقلم: أحمد أيوب

كما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فأغلب الأزمات فى مصر من مستصغر الشائعات، صغائر الشائعات تحولت خلال العامين الماضيين الى حرب قذرة ضد مصر، لا تترك فرصة الا وتستغلها لإشعال الأزمات


هذا الأسبوع وحده كان نصيبه شائعتان من العيار الثقيل ، الأولى كانت شائعة إهانة النساء المصريات والكشف على أثدائهن فى الشارع للتأكد من استحقاقهن للبن الأطفال،


استغل مروجوها خبرا من وزارة الصحة أكدت فيه الكشف على الأمهات للتأكد من عدم قدرتهن على الرضاعة الطبيعية وصرف لبن الأطفال لهم، لكن الشائعة زادت فى الفبركة أن الكشف يتم فى الشارع وليس فى غرف مخصصة بوحدات الرعاية الصحية،


كان الهدف من الشائعة ترويج إهانة الحكومة للمرأة المصرية واشعال غضب النساء


قبل أن تهدأ تلك الشائعة لحقتها الشائعة الأخرى عن ارتفاع أسعر الوقود بعد إقرار قانون ضريبة القيمة المضافة،


الشائعتان على حقارة من صنعهما وروجهما بقصد اشعال الغضب فى الشارع المصرى لم يكونا أول الشائعات فقد سبقهم خلال العامين الماضيين ما يزيد عن ٣٠٠ شائعة تقريبا ويصل بها بعض الخبراء الى حدود ال٣٥٠ شائعة، بعضها كانت تافهة أو قليلة التأثير ، وبعضها الأخر كان كما القنابل التى انفجرت فى وجه المصريين فزادت غضبهم ونالت من سمعة الحكومة والادارة كلها،


، أيا كان عدد الشائعات فما رصدته الحكومة وردت عليه بشكل رسمى من خلال مركز دعم وإتخاذ القرار بمجلس الوزراء نحو ٢٢٢ شائعة فقط خلال العامين، أعتبرها المركز هى الأكثر تأثيرا وإثارة للجدل كان أخرها شائعة ارتفاع اسعار الوقود التى اطلق عليها شائعة «نص الليل» لأنها اطلقت بعد منتصف الليل لتؤتى ثمارها ولا تستطيع الحكومة محاصرتها، بينما أهمل بقية الشائعات لأنها حسب تقديره لا ترقى للرد عليها أو الإهتمام بها حتى وإن لاقت قبولا عند بعض الفئات،


الرابط بين الشائعات التى اهتم بها المركز بل والحكومة كلها أنها تمس بشكل مباشر مصالح المواطنين وخاصة البسطاء والفقراء والمهمشين منهم وتركز على خلق غضب شعبى من الحكومة بل ورئيس الدولة والتشكيك فى مصداقية مؤسسات الدولة.


فى كل الأحوال فالشائعات على كثرتها، سواء ما رصده مركز مجلس الوزراء أو ما تجاهله ورصدته جهات ومراكز أخرى، بالتأكيد لم تكن مجرد أخبار عفوية تنشر بطريق الخطأ أو لقلة المعلومات، فرغم وجود ندرة فى المعلومات الرسمية فى بعض الملفات يمكن أن تتسبب فى خلق حالة من الإرتباك، لكن أغلب الشائعات التى ظهرت وانتشرت خلال العامين لم يكن سببها المباشر نقص المعلومات وإنما كانت شائعات مخططة سياسيا ولها أهداف واضحة وهى ضرب الاستقرار المجتمعى والارباك الاقتصادى والسياسى الذى يضع السلطة الحالية فى حرج أمام المواطنين . والدليل على ذلك أن كثير من تلك الشائعات كان يتم نفيها بمعلومات رسمية وبيانات واضحة لكن كل هذا لم يمنع تكرار الشائعة وبنفس المعلومات المغلوطة.


الدليل أيضا على أن أغلب هذه الشائعات مخططة وموجهة أنها بمجرد أن تظهر يتصدى عدد من المواقع والقنوات لترويجها والتضخيم منها بمعاونة صفحات الفيس بوك المسيطر عليها إخوانيا، فالفيس ومواقع التواصل الإجتماعى حسب الإحصائيات كانت مصدر وسيلة لنشر ٧٠ بالمائة من هذه الشائعات، والسبب كما هو معروف أن الإنترنت يسهل من خلاله الترويج بعيدا عن الرقابة أو المحاسبة كما أن الجماعة الإرهابية مسيطرة عليه بشكل كبير، فالميليشيات الإخوانية وراء أكثر الشائعات، أو على الأقل شريكة فيها أو فى خطة ترويجها


الشائعات لم تترك مجالا ولا ملفا ولا مناسبة ولا مؤسسة الا ونالت منها، لكن بجانب مؤسسة الرئاسة أكثر المؤسسات تعرضا للشائعات هى المؤسسة العسكرية التى لم ترحمها الأجهزة المفبركة للشائعات سواء بإدعاءات كاذبة حول صفقات السلاح التى تمت لمواصلة تحديث الجيش المصرى، أو الوصول الى حد ادعاء أزمات ىداخل القوات ىالمسلحة وخلافات ، لكن حائط الصد الأساسى الذى حمى الجيش من تأثير هذه الشائعات المتعمدة والمخططة مخابراتيا هو التماسك والصلابة لكتلة القوات المسلحة والثقة الكبيرة التى تتمتع بها شعبيا إضافة الى قدرتها على التصدى للشائعات بحرفية ، وتأتى من بعدها فى التعرض للشائعات المغرضة الداخلية، كما كان الملف الاقتصادى هو الأكثر تعرضا للشائعات لأنه يمس مصالح المواطنين بشكل مباشر


كل هذه الأرقام والمعلومات تؤكد أن الشائعات أحد أهم وأخطر الأسلحة المستخدمة فى مخطط هدم الدولة خلال العامين الماضيين، فبعد أن فشلت كل المحاولات العسكرية واللعب بالعناصر الإرهابية فى تحقيق المستهدف لم يعد من سبيل سوى الحصار الاقتصادى من الخارج لخنق مصر وتدمير شرعية الإدارة الحاكمة ثم إشعال نار الشائعات لتدمر المصداقية وتزيد حالات الغضب الداخلى طمعا فى الوصول إلى أحد أمرين، إما الخروج إلى الشارع مبكرا وإما إجبار الرئيس السيسى على عدم الترشح مجددا فى الإنتخابات الرئاسية المقبلة، فالسيسى هو المستهدف فى كل هذه الحملات، التى تشبه الطعنات المتتالية من أجل التخلص منه.


يؤكد هذا أن معدل الشائعات تزايد بشكل كبير فى الشهور الست الأخيرة وتحديدا مع بداية السنة الثالثة فى فترة الولاية الأولى، وركزت على أخطر ما يشغل المواطنين وخاصة الغلابة، منها مثلا شائعات وجود نقص فى السلع التموينية، والتى تبعتها أيضا شائعات عدم سلامة بعض المواد الغذائية وارتفاع أسعارها أو وجود نقص فى المواد البترولية ثم رفع أسعار الوقود ونظرا لهذا التزايد الواضح فى عدد الشائعات خلال الفترة الأخيرة اضطر مركز دعم واتخاذ القرار الى تغيير استراتيجته فى التعامل معها وبدلا من التقارير الشهريةاضطر الى اصدار تقارير اسبوعية واحيانا نصف الأسبوع ليساير السرعة فى اطلاق الشائعات والتى وضح تماما أن هدفها تفجير أزمات متلاحقة تضع الحكومة دائما فى مربع الدفاع وتصورها أنها فاشلة


يقينا لا يمكن إنكار أن هذا السلاح الحديث فى الحرب على الدول حقق بعض المستهدف منه، فعدد من الشائعات لاقت رواجا شعبيا وفشلت الحكومة والمؤسسات الرسمية فى القضاء عليها أو حتى حصارها، ومرجع ذلك إما أن تصرفات بعض المسئولين وتصريحاتهم جاءت غير مدروسة فأكدت وبدون قصد الشائعات, وإما لأن التعامل والرد كان متأخرا وليس بالقدر المناسب لإجهاض الشائعة.


فتحليل النسبة الأكبر من الشائعات التى انتشرت يؤكد أن تباطؤ المسئولين فى التعامل مع الشائعة منذ بدايتها وتركها تسعى بين الناس دون أى مواجهة، كان سببا فى تحولها من شائعة إلى واقع يصعب تغييره بينما المفترض أن كثير من الشائعات لو تم التعامل معها فى مهدها وبشكل علمى صحيح لماتت قبل أن تنتشر.


الدراسات اتى أجريت على الشائعات خلال العامين الماضيين والتى أكدت طريقة التعامل هى التى تحدد مدى انتشار الشائعة، فكلما كان التعامل بإستخفاف كلما كان ذلك سببا فى إنتشار الشائعة، وكلما كانت المعلومات وافية وكافية لإقناع الناس بالموقف الحكومى كلما كانت سلاح قاطع فى وأد الشائعات


لكن الواقع أن أغلب الشائعات لم يتم الرد عليها ، لا فى الوقت المناسب ولا بالشكل الأمثل.


وتكشف التجربة انه عندما كانت الردود حاسمة وسريعة كانت النتيجة إنتهاء الشائعة، حدث هذا فى شائعة تعاقد الرئاسة على طائرات خاصة بثلاث مليارات دولار، فعندما جاء الرد سريعا والنفى مقنعا انتهت الشائعة بلا رجعة.


حدث أيضا مع شائعة نقص المواد البترولية، فعندما تم الرد عمليا بتوفير مواد الوقود فى المحطات انتهت الشائعة.


وفى شائعة الاختفاء القسرى خير نموذج على تأثير التعامل الحكومى فى وأد الشائعات أو المساهمة فى ترويجها، ففى بداية الشائعة التى صنعت بحرفية وخبث وتم التخديم عليها ببلاغات متعمدة عن حالات إختفاء فضلت الداخلية الصمت وتعاملت بسوء تقدير، فكانت النتيجة أن تزايدت الشائعة وارتفع عدد البلاغات وانتقل التأثير من الداخل إلى الخارج وبدأت منظمات دولية تتحرك لاستغلالها لضرب الدولة المصرية وتشويه الإدارة الحالية.


لكن عندما تحركت الداخلية بالتنسيق مع المجلس القومى لحقوق الإنسان وتعاملت مع حالات الاختفاء المدعاة بشكل قانونى وردت على كل حالة ووضحت حقيقتها كان هذا قاطعا لألسنة الشائعات بل وخلقت الداخلية مدافع أخر عن موقفها هو المجلس القومى لحقوق الإنسان نفسه.


وفى المقابل وعندما انطلقت شائعة زيادة أسعار بعض السلع وخرجت تصريحات النفى من مسئولى الحكومة مبهمة وتحمل أكثر من معنى كان ذلك سببا فى إعادة انتاج الشائعة ورواجها بشكل أكبر،


بل أحيانا يتسبب الرد الحكومى فى تأكيد الشائعة وليس ردها أو نفيها، كما حدث فى شائعات زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات.


مشكلة المشاكل أيضا فى الشائعات هو سوء تعامل الإعلام معها، وعلى الأخص الإعلام الحكومى الذى لم يجيد حتى الآن التعامل أو اللعب مع الشائعات التى تستهدف الدولة، بل أحيانا كثيرة كان التعامل الاعلامى سببااضافيا فى الترويج للشائعة، لأنه تناولها دون الرد الحقيقى والكافى عليها.


وربما لهذا السبب كانت أهمية الدور الذى تلعبه جهة مثل مركز معلومات مجلس الوزراء لأنه لا يكتفى برصد الشائعات وتتبعها، وإنما يرد عليها بشكل كامل ونافى تماما لها من خلال المصادر الرسمية المختصة والمعتمدة، فهو لا يلجأ لمجرد أن يقول أن هذه شائعة كاذبة ، وإنما يقدم المعلومات التى تدحضها وتكشف كذبها


الدكتور حسن عماد أستاذ الإعلام والعميد السابق لكلية الإعلام يرى أن هذا العدد من الشائعات التى استهدفت الشارع المصرى وإن كان كبيرا بشكل واضح ويضع مصر ضمن الدول الأكثر فى انتشار الشائعات على مستوى العالم، إلا أنه يرى الأخطر هو مغزى الشائعات وتركيزها على كيان الدولة وتشويه مؤسساتها.


حسب الدكتور عماد فإن الأجواء التى تعيشها مصر تمثل بيئة صالحة لنشر الشائعات لأنه كلما كان هناك عدم استقرار سواء بسبب البطالة أو المشكلات الاجتماعية المختلفة أو تزايد فى نسبة الفقر كلما كان المناخ صالح وبقوة للعب بالشائعات، وكلما زاد عدد المحبطين كلما وجدت الشائعات من يروجها، وكلما زادت حالة الغموض الحكومى وحجب المعلومات كلما كانت الساحة متاحة لصانعى الشائعات أن يتحركوا ويفبركوا شائعات كما يريدون.


عماد يرى أن الشائعة غالبا تعتمد على جزء من الحقيقة ولتنسج حولنا مجموعة من الأكاذيب ، وهذا ما يحدث فى مصر، فصانعو الشائعات يستغلون بعض الأخبار والأوضاع الحالية مثل إرتفاع الإسعار ونقص الدولار ويصنعون شائعات تضخم من الأمر وتستهدف شعال الغضب الجماهيرى،


عماد يؤكد أيضا أن المستهدف فى المقام الأول من تلك الشائعات هو رئيس الدولة لتشويهه والتأثير على شعبيته والنيل من مصداقيته فى الشارع، والدليل على ذلك أن أغلب الشائعات تظهر بعد كل قرار أو إجراء يتخذه الرئيس بهدف التشكيك فيه، كما نلاحظ أنه كلما سافر الرئيس إلى الخارج فى جولات هدفها جذب استثمارات أو تحسين صورة مصر أو توقيع اتفاقيات تجارية أو عسكرية أو سياسية تنطلق شائعات لتشكيك المواطنين فى أهمية الزيارة وإجهاض محاولاته لبناء الدولة.


الدكتورة هويدا مصطفى أستاذ الإعلام وعميد المعهد الدولى للإعلام بالشروق تؤكد نفس المعنى ولكنها أكثر ميلا الى أن كثير من تلك الشائعات موجهة وتقف وراءها جهات تستهدف الاستقرار الداخلى للضغط على القيادة المصرية، وتستغل فى هذا الظروف الصعبة التى تمر بها مصر واستعداد المواطنين نتيجة هذه الظروف للتعاطى وتقبل الأخبار السلبية.


هويدا تؤكد أن صناعة الشائعات وترويجها لم يعد معضلة لأن مواقع التواصل الاجتماعى أو ما يطلقون عليها الإعلام البديل سهلت المهمة، وأصبحت الجهات الرسمية لا تسيطر وحدها على المعلومة وإنما هناك وسائل وطرق مختلفة، كما أصبح هذا الإعلام البديل لاعب رئيسى وشريك قوى فى نشر الأخبار وأكثر سرعة فى الوصول إلى الناس واللعب على مشاكلهم وترويج بعض الأفكار بهدف تحويلها إلى قناعة شعبية، فمثلا نجد بعد صدور كل قرار وقبل أن يتم تفسيره تخرج مواقع التواصل الاجتماعى لمهاجمته وتصويره على أنه ضد الطبقات الأكثر احتياجا، لأن هذه الطبقات هى الأكثر استعدادا للغضب والاستفزاز . هنا الأمر بالتأكيد ليس عشوائيا وإنما غالبا مخطط لتشويه القرار، نفس الأمر يحدث مع أى توجهات أو قوانين تصدر، أيضا بعض الشائعات تروج أنه لم يحدث أى تقدم فى البلد وأن الأحوال تزداد سوءا، ويساعد على نجاح هذه الشائعات البطء الحكومى وعدم قدرتها على إستباق الشائعات وكذلك عدم القدرة الحكومية على التواصل المباشر مع المواطنين بل واحيانا صانعوا الشائعات يستغلون التصريحات غير المنضبطة للوزراء والمسئولين لخلق شائعات يصدقها الناس وتحدث بلبلة


لكن رغم كل هذا ما يطمئن الدكتورة هويدا أن هذه الشائعات دائما ما تنتشر وتزداد فى مراحل التحول، وغالبا ما تختفى هذه الظاهرة مع استقرارالأوضاع. وتيقن صانعوها أن الشارع لم يعد يستجيب لها لكن هذا نفسه يتطلب حسن ادارة من الحكومة للملفات المختلفة واغلاق كل الابواب التى يستغلها المتراصدون.