عدم وجود حرية لتداولها يؤدى إلى كوارث سياسية ومجتمعية السوق السوداء للمعلومات

18/09/2016 - 10:24:32

بقلم - د. أيمن منصور ندا أستاذ الإعلام والرأى العام جامعة القاهرة

لعل أكبر شائعة يمكن أن تصدقها وأنت تقرأ هذا المقال عن الشائعات هو أن تعتقد أن هناك تعريفاً متفقاً عليه للشائعات .. فمن الباحثين من عرَّف الشائعة على أنها «أخبار ملفقة تتولد من نقاش جماعي»، ومنهم من عرَّفها على أنها « خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع وتُتداول بين العامة ظناً منهم على صحتها»، والمؤكد أن الباحثين قد حاولوا «وصفها» أكثر من محاولتهم «تعريفها»، فجاءت «التوصيفات» شبيهة بأصحابها، ومتفقة مع تصوراتهم عنها أكثر من كونها «تعريفات» حقيقية تلخص الظاهرة نفسها، وتحدد جوهرها الحقيقى


واتساقاً مع هذا الاتجاه التوصيفى، يمكننا أن نشير إلى أن الشائعة هى «خبر غير صحيح»، وإن كان له ظل من الحقيقة، وبلا مصدر معروف أو موثوق، ينتشر على نطاق واسع بين الجمهور، بحكم جاذبيته الظاهرة، وحجم التشويق الذى يحمله، ومقدار الإثارة التى يتسبب فيها، وحجم الغموض الذى يحيط به، وحجم الضرر المترتب عليه لقطاعات واسعة من الجمهور»، وإن كان هناك من الباحثين من يرون أن الشائعة يمكن أن تتناول أخباراً إيجابية، فإن ذلك يدخل فى عداد الاستثناءات التى لا تشكل القاعدة، فنادراً ما تتعلق الشائعات بأخبار إيجابية ..


ولعله من الأهمية أن نفرق بين نوعين متشابهين من الأحاديث: «الشائعات»، و»النميمة»، فكلتاهما تتعلق بأشياء سلبية، وكلتاهما تنتقل من «الفم إلى الأذن» أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ووسائل الإعلام الجماهيرية، وكلتاهما تنتقل بسرعة وفقاً لإثارتها، و»غموضها»، غير أن الشائعة تتعلق بأمر عام على نطاق واسع، والنميمة تتعلق بأمور شخصية على نطاق ضيق .. على هذا، فإن ما تنشره الصحف الصفراء، وما يشبهها من مواقع التواصل الاجتماعى، من موضوعات تتعلق بزواج بعض الفنانات، وخناقات بعض الشخصيات العامة، وسيديهات بعض المشاهير، ووفيات بعض نجوم المجتمع، هى أحاديث نميمة، أكثر منها شائعات .. وهىّ موضوعات شخصية تدغدغ مشاعر الجمهور العام بموضوعات لا ناقة له فيها أو جمل .. تماماً مثلما كان الحال مع الإعلان الشهير «بودى فرقع سوسو»..


وقد حاول بعض الباحثين وضع أوزان كمية للشائعات، وتقدير حجمها .. وأشاروا إلى أن «شدة الإشاعة = الأهمية × الغموض» ..فعلى قدر أهمية الموضوع، وحجم الغموض الذى يحيط به، (ويمكن أن نضيف هنا حجم الجمهور الذى يمكن أن يتأثر بالموضوع)، يمكننا أن نتوقع شدة الشائعة، ومقدار انتشارها، وسرعة تداولها .. موضوع تنازل مصر عن «جزيرة تشيوس « لليونان، هو نموذج لهذا الموضوع .. فالموضوع مهم، والمعلومات التى تم تداولها عن هذا الموضوع قليلة .. إذن هناك فرصة لانتشار الشائعة، وهناك بيئة تسمح بانتقالها، خاصة مع وجود حالة سابقة تتمثل فى قضية «جزيرتى تيران وصنافير»، فما ينطبق على هاتين الجزيرتين يمكن أن ينطبق على هذه الجزيرة .. قيام الحكومة بالتفاوض سراً حول جزيرتى تيران وصنافير، وقيامها بالتوقيع دون استشارة الشعب أو الإعلان عن تفاصيل الاتفاق، جعلت الناس يتوقعون الأمر نفسه فى جزيرة تشيوس ..


ويشير البعض إلى أن «الشائعات هى السوق السوداء للمعلومات»، فعندما يعجز البنك المركزى للمعلومات فى الدولة عن الوفاء باحتياجات الجمهور من المعلومات الصحيحة لتغطية الحاجة المتزايدة إلى المعرفة، وإلى الإحاطة بخلفيات الموضوعات المختلفة، والأهم، عندما لا يثق الجمهور فى مصادر المعلومات الطبيعية، يلجأ الجمهور، طواعية واختياراً أو فرضاً وإجباراً، إلى سوق المعلومات الموازية، أو إلى «السوق السوداء» المتمثلة فى الشائعات، وفى أحاديث النميمة .. الشائعة التى تم تداولها خلال الأيام الماضية عن فرض ضرائب على المصريين العاملين فى الخارج، وإجبارهم على تحويل مبالغ معينة بالدولار إلى الدولة سنوياً، نموذج لهذا .. فقد انتشرت هذه الشائعة، دون أن يكون لوسائل الإعلام الرسمية دور أو موقف لتفنيدها .. الأمر الذى أدى إلى انتشارها بشكل كبير .. والشائعة التى انتشرت أيضاً بوجود عبوات لبن مسممة موجودة فى الأسواق، جاءت متسقة مع غياب الحقائق حول طبيعة أزمة عبوات لبن الأطفال، من حيث الأسباب والنتائج..


وإذا كان المثل الشائع يشير إلى أنه «مفيش دخان من غير نار»، فالمؤكد أنه لا توجد شائعة ليس لها أساس، أو ليس لها ظل من الحقيقة .. ما يثار حالياً عن ارتفاع أسعار البنزين هى إشاعة كذبتها الحكومة مراراً، غير أن لها ظلاً من الحقيقة، ولها أساس يجعلها قابلة للتصديق .. فقد أشارت الحكومة مراراً إلى أنها لن تقترب من أسعار الكهرباء لعدة سنوات قادمة مراعاة للظروف الاقتصادية السيئة للناس، ورفعتها مرات، آخرها الشهر الماضى .. ووعدت الحكومة بعدم رفع أسعار المترو، وهاهى تقترب من زيادتها خلال الفترة القادمة .. إذن، ليس غريباً أن تنتشر الشائعة الخاصة بارتفاع أسعار البنزين .. هنا الشائعة تدخل فى إطار «التوقعات المنطقية» أكثر منها الرغبة فى نشر أخبار سلبية ..


إضافة إلى هذا، فهناك ظاهرة يشير إليها الباحثون فى العلوم الاجتماعية هى «فرضية التحقق الذاتى للظاهرة» .. وبشكل مبسط، يشير الباحثون إلى أنه فى بعض الأحيان، قد تنتشر شائعة تتعلق بالتنبؤ بظاهرة معينة، ونتيجة لهذا الانتشار يتحقق التنبؤ الذى تم توقعه .. على سبيل المثال، على الرغم من أن « بنك أوف أمريكا « لم يكن يعانى من أى ضائقة مادية فى الثلاثينيّات من القرن الماضى، فقد انتشرت شائعة تشير إلى أن هذا البنك على حافة الإفلاس، وأنه سوف يشهر إفلاسه فى غضون أيام .. ولم تكن هذه الشائعة لها أى نصيب من الصحة .. غير أن نشر هذه الشائعة، أدى إلى قيام المودعين بسحب أرصدتهم من البنك، مما أدى إلى إفلاس البنك بالفعل!!! ولعلنا نتذكر الفيلم المصرى «دكتوراه مع مرتبة الشرف» الذى أنتجه التليفزيون المصرى فى التسعينيّات، بطولة معالى زايد وعبد العزيز مخيون .. والتى تدور أحداثه حول فكرة مماثلة .. حيث تم اختلاق «شائعة» أو «كذبة»، وتم نشرها بين عدد كبير من الناس، ثم صدقها أصحابها بالفعل، وأدت إلى النتائج ذاتها..


وقد يتم استغلال الشائعات فى تحقيق أهداف اقتصادية لجهة ما، وهنا تكون الشائعة مخططة، ومقصودة .. فعلى سبيل المثال، انتشرت فى المملكة العربية السعودية، فى عام ٢٠٠٩، شائعة تفيد بأن ماكينات الخياطة «سينجر» (لا سيما القديمة منها) تحتوى على مادة «الزئبق الأحمر» (والذى يستخدم وفق مزاعم البعض فى إنتاج الطاقة النووية وفى استحضار الجن واستخلاص الذهب واكتشاف مواقع الكنوز المدفونة) ونتيجة لانتشار هذه الشائعة، ارتفعت أسعار هذه الماكينات، خاصة القديمة منها، والتى تعتبر «خردة»، إلى أسعار خيالية، وصلت فى بعض الأحيان إلى نصف مليون ريال ثمناً للواحدة منها (التى هى أساسا خردة لا تصلح لشيء)..


وأحياناً يتم استخدام الشائعات فى السخرية من بعض القرارات أو التوجهات .. صحيح أنه يكون لهذه الشائعات بعض التأثيرات فى إثارة السخط على الجهة موضع الشائعة، ولكنه سخط ممزوج بالفكاهة والمرح .. على سبيل المثال، فقد سرت شائعة على نطاق واسع تفيد بأن وزارة الأوقاف المصرية أصدرت قراراً بأن يتحمل المصلون فى المساجد تكلفة «فواتير الكهرباء» فى المساجد .. وبالتالى فقد أشيع أن هناك مساجد «مكيفة» حددت سعر الصلاة فيها بعشرين جنيهاً، وهناك مساجد ذات «مراوح» ستكون الصلاة فيها بعشرة جنيهات !!وأيضاً، فقد أشيع أن الدولة قد قررت فرض ضرائب على قاعات الأفراح، وكذلك على سرادقات العزاء .. فمن يريد أن يتزوج عليه أن يدفع ضرائب للدولة، ومن مات، على ورثته وعلى المعزين أن يدفعوا ضرائب عن العزاء !!!


وهناك إضافة إلى ذلك، الشائعات الموسمية .. أى تلك الشائعات التى ترتبط بفترات زمنية معينة .. كالأعياد مثلاً .. مثلما انتشر خلال هذا الأسبوع شائعة عن أزمة نقص فى أسطوانات البوتاجاز مع حلول عيد الأضحى .. وهى شائعة تحدث مع كل عيد، ومع كل إجازة للمصريين .. الأمر الذى يؤدى إلى وجود المشكلة، وتفاقمها.. وكذلك، فقد سرت شائعات عديدة عن وجود أسماك القرش فى شواطئ شرم الشيخ والغردقة خلال شهرى أكتوبر ونوفمبر الماضيين، وهما شهرا الذروة فى هذه المنتجعات .. ثم انتقلت هذه الشائعات إلى «الساحل الشمالى» وإلى دمياط، وبلطيم خلال الشهرين الماضيين .. وشبيه بتلك الشائعات أيضاً، ما تتم إشاعته فى بداية كل عام دراسى من نية الحكومة تأجيل الدراسة لمدة شهر .. وهو ما تقوم الحكومة بنفيه فى بداية كل موسم دراسى!


وهناك شائعات، تنبع من سوء إدارة معلومات، أو خطأ فى نوعية المعلومات التى يتم ترويجها، وتؤدى إلى نتائج خطيرة .. ولعلنا هنا نتذكر الشائعة التى سرت فى عام ١٩٨٦، والمتعلقة بمد سنوات خدمة جنود الأمن المركزى من ثلاث إلى خمس سنوات، الأمر الذى أدى إلى خروج هؤلاء الجنود فى مظاهرات، حطموا خلالها كثيراً من معالم القاهرة، وكانت هذه المظاهرات من الخطورة بحيث استدعت تدخل الجيش لإحباطها، ولإنقاذ حكم مبارك فى بدايته من الانهيار.. وكذلك، ما أشيع عن بعض الأحداث فى أسوان، وتقديم تفسيرات لها، جعل الأقباط فى القاهرة يخرجون فى مظاهرات حاشدة، نتج عنها أحداث ماسبيرو ٢٠١١، وتداعياتها المختلفة..


وقد أشار الباحثون إلى عوامل عديدة تجعل الناس يصدقون الشائعات، ويقتنعون بها .. بعض هذه العوامل تتعلق بالشائعة نفسها، وبعضها تتعلق بطبيعة الأفراد .. فعلى سبيل المثال، كلما كانت الشائعة «قابلة للتصديق»، أو تبدو «معقولة»، أو «منطقية»، كان ذلك أدعى إلى تصديقها .. على سبيل المثال : انتشرت شائعة خلال الأيام التى أعقبت استقالة الدكتور خالد حنفى وزير التموين تشير إلى وجود خلل فى منظومتى الخبز والتموين، وأن هناك طوابير طويلة أمام المحلات والمجمعات الاستهلاكية، وهناك صعوبة فى صرف هذه المقررات التموينية.. ومصدر معقوليتها أنها جاءت فى أعقاب اتهامات بالفساد للوزارة، وطبيعى أن المنظومة القائمة على فساد يمكن أن تنهار ويحدث بها خلل بمجرد رحيل المسئول عنها، وهو ما جعل الأفراد يصدقونها .. وكذلك، فقد كان لسرعة إعلان وزير الصحة عن قيام الجيش بصرف علب اللبن للأطفال (٣٠ مليون علبة) فى اليوم التالى لحدوث أزمة نقص هذه الألبان، دوره فى اعتقاد الناس أن الأزمة كانت مقصودة!! وهو ما نفاه بيان الجيش المصرى، وشرح كثيراً من المعلومات الناقصة والمغلوطة حول هذا الموضوع.. كذلك، فقد سرت شائعة خلال الشهر الماضى تشير إلى «تسريح ٣ ملايين موظف فى الجهاز الإدارى للدولة تلبية لشروط صندوق النقد الدولى»، فمعلوماتنا عن شروط صندوق النقد الدولى السابقة، وخبرتنا معه، وحديث البعض عن ترهل الجهاز الإدارى للدولة، كل ذلك يجعل الناس يميلون إلى تصديق هذه الشائعة «المنطقية» بالنسبة لهم.. واتصالا بالشائعة السابقة، فقد سرت شائعة أخرى تفيد بخفض مرتبات العاملين بالدولة الذين ينطبق عليهم قانون الخدمة المدنية الذى تم إقراره من خلال مجلس النواب خلال هذا الشهر.


 


ومن العوامل المتصلة بالأفراد هى «الرغبة فى التصديق»، ففى كثير من الأحوال، نكون فى حاجة إلى أن نصدق، ونميل إلى التصديق لأن ذلك يريحنا، ويجعلنا أكثر اتساقاً مع أنفسنا، وأكثر قدرة على تبرير الغموض، والتناقض الذى يحيط بنا .. على سبيل المثال: سرت شائعة فى الأسبوع الماضى حول ارتفاع أسعار تذاكر القطارات .. وهو ما يبرر الشعور بالسخط على الحكومة، وعلى الإجراءات التى تقوم بها.. وسرت شائعة خلال شهر مايو الماضى تشير إلى خروج السد العالى من الخدمة فى الإنتاج الكهربائى، وذلك لما يعتقده الناس فى فشل مواجهتنا مع أثيوبيا، ونجاح سد النهضة فى التضييق على مصر مائياً وكهربياً.. ولعلَّ من الشائعات التى وجدت صدى واسعاً، وبررت للمصريين قيامهم بثورة يناير، ذلك التصديق الممزوج بالسعادة للشائعة التى أطلقتها الجارديان عن أن ثروة مبارك تتجاوز السبعين مليار دولار!!! وهو ما يبرر للمصريين القيام بهذه الثورة، ويجعلهم متسقين مع أنفسهم..


ومن العوامل أيضاً التى تجعلنا نميل أحياناً إلى تصديق الشائعات أو الاعتقاد فى صحتها، عامل التكرار .. فإذا كان «التكرار أمر من السحر» كما يدعى البعض، و»التكرار يعلم الشطار» كما تشير إليه الأمثال الشعبية، فإن التكرار أيضاً يؤدى إلى تحويل الشائعة إلى حقيقة راسخة، والادعاءات إلى وقائع ماثلة أمام الأعين، حتى إن كانت منافية للمنطق، ومجافية للواقع ..التكرار هو المفتاح السحرى لجعل الناس يصدقون ما يقال، حتى إن كان غير منطقى فى كثير من الأحيان..


ولعلَّ «حرية تداول المعلومات»، و»الشفافية»، و»المصداقية» أن تكون المتطلبات الأساسية لمواجهة التأثيرات السلبية للشائعات، ولانتشارها فى المجتمع المصرى .. الشائعات لا توجد فى «النور» .. الشائعات تنمو فى «الظلام»، وتتغذى على «مصادرة حق الأفراد فى أن يعلموا، وفى أن يعرفوا الحقيقة كاملة» .. هناك حق للأفراد فى أن يعلموا تفاصيل الموضوعات التى تتعلق بهم .. كتمان الأمور، ووضعها جميعاً تحت الشعار الخالد «أسرار عليا للدولة» لم يعد مفيداً، ولا عملياً خلال هذه الفترة، التى من أهم ملامحها الانفجار المعرفى، وثورة وسائل الاتصال .. نحتاج إلى إعادة نظر لحق الشعب فى المعرفة الكاملة، وغير المنقوصة، حتى نقضى على الشائعات..