٥٧ عاما على رحيله طلعت حرب.. الرجل الأمة

15/09/2016 - 2:10:53

بقلم: محمد حبيب

لأسباب معروفة، هناك أشخاص قليلون جداً من طبقة رجال الأعمال والليبراليين في مصر يستحقون الاحترام، يأتى على رأس هؤلاء المحترمين طلعت باشا حرب مؤسس الاقتصاد المصري الذي تحل الذكري الخامسة والسبعون على رحيله هذه الأيام ، وبهذه المناسبة تصدر “المصور” ملحقا تذكاريا عنه، فالرجل ليس فقط مؤسس بنك مصر، أول بنك مصري ١٠٠ ٪ بأموال مصرية وعمالة مصرية ١٠٠ ٪، وإنما هو صاحب مشروع اقتصادى وطنى كبير، ونجح من خلال بنك مصر في إنشاء مجموعة من الشركات العملاقة ساهمت في إحداث نهضة اقتصادية شاملة في البلاد، وهذا وحده يكفى لكتابة اسمه في سجلات التاريخ بما يمثله من فكر وجهد وكفاح ومواجهات في ظروف تاريخية غير موائمة، كما أن طلعت حرب كان مفكرا وأديبا، له العديد من المؤلفات في الموضوعات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هذا بالإضافة إلى خطبة ومقالاته في المناسبات المختلفة.


طلعت باشا حرب كان رجلا فريدا في صفاته التى جمعت بين العلم والفكر والموهبة والإرادة مما جعلته في طليعة جيل الرواد الذين صنعوا تاريخ مصر الاقتصادى وستظل بصماتهم مضيئة على مر العصور.


ولد طلعت حرب عام ١٨٦٧ بقصر الشوق بحي الجمالية، والده حسن بك محمد حرب من قرية ميت أبو علي في محافظة الشرقية، كان يعمل موظفاً في هيئة السكك الحديد.


تخرج طلعت حرب في مدرسة الحقوق الخديوية عام ١٨٨٩، و كان من رفاقه في المدرسة مصطفي كامل و محمد فريد، عمل مترجماً بقلم قضايا الدائرة السنية ( أراضي ملك الدولة) عام ١٨٨٨، ثم مديراً لمكتب حل النزاعات عام ١٩٠١ حتي ١٩٠٥.


ثم انتقل من الدائرة السنية إلي العمل في شركة كوم أمبو لاستصلاح الأراضي، حيث عين مديرا تنفيذيا لها. و تعد شركة كوم أمبو واحدة من أكبر شركتين للأراضي في مصر في مطلع القرن العشرين، كما أحيلت عليه في الوقت ذاته إدارة الشركة العقارية المصرية التى عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها في يد المصريين .


عكف طلعت حرب على دراسة المشاكل الاقتصادية في مصر وآليات الخروج منها والتى وضعها فى كتابه (علاج مصر الاقتصادى الصادر عام١٩١٣)، والذي أشار فيه إلى ضرورة إنشاء بنك وطني مصري برءوس أموال مصرية وموجه لخدمة مشروعات وطنية، فطلعت حرب هو أول من نادى بإنشاء بنك صناعى يكون عونا لأصحاب الصناعات فيقرضهم حتى لا يتوقف دولاب أعمالهم .


وبعد أن شارك في ثورة ١٩١٩ بدأ طلعت حرب تنفيذ فكرة إنشاء بنك مصري ، حيث ساهم في إنشاء «شركة التعاون المالي» بهدف الإقراض المالي للمصريين، ومع انتشار دعوته التف حوله الكثيرون ونجحوا في تأسيس «بنك مصر»، وكان من المساهمين الأوائل في بنك مصر الذي افتتح عام ١٩٢٠ لكسر احتكار الأجانب للبنوك ولتوجيه الاستثمارات في مشاريع تستفيد منها مصر، ويعتبر إنشاء بنك مصر برأس مال وطني خالص وخبرة وطنية خالصة ، من المعالم الكبري في تاريخ مصر الاقتصادي، وذلك لأن إنشاء هذا البنك لم يكن الهدف منه أن يكون بنكا تجاريا فحسب، بل إن الهدف الرئيسى كان إنشاء كيان قوى يعد كشركة قابضة للمؤسسات المصرية وأن يكون القوة المحركة لقطاع صناعى حديث، ولهذا أنشأ مجموعة من الشركات وتحديدا ١٤ شركة فى مجالات عديدة كالغزل والنسيج والنقل والتأمين والسينما.


كان طلعت حرب شديد العداء للهيمنة الاقتصادية الأجنبية، فرأي مساوئ احتكار الأجانب للصناعة والاقتصاد المصري، وعمل على تحرير الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية ، عمل بإخلاص من أجل الوطن فنجح.


في أواخر أبريل ١٩٣١ ذهب محرر الهلال إلى طلعت باشا حرب ليسأله عن سبب نجاحه، ونشر هذا الحوار في عدد المجلة الذي صدر في أول مايو، فقال حرب معظم السر في نجاح بنك مصر يرجع الى الدعوة الى تأسيسه لم تقم على فكرة المصلحة لشخص أو أشخاص معينين، بل قامت على فكرة عامة تقضي بتأسيس مساهمين مصريين وبرءوس أموال مصرية وبإدارة مصرية محضة ، فالصفة القومية التى بنى عليها البنك لا الصفة الشخصية هى سر النجاح».


هكذا هو طلعت حرب .. مصري حتى النخاع لا يبغى مما يقوم به سوى مصلحة الوطن ، عندما ذهب إلى أحد أثرياء المنيا ليقنعه بالمساهمة في بنك مصر وانفق ساعتين كاملتين يشرح وظيفة البنك وأغراضه ، وأرباح المساهمين فيه ، وفي نهاية الجلسة قال له الثري : « يا بنى الله يحنن عليك ، أنا لا أفهم في هذه الاشياء ولكن خذ عشرين جنيها تساعدك وابتسم طلعت حرب ولم يفقد أعصابه ، بل أخذ العشرين جنيها وأرسل بها أسهما إلى الثري الكبير.


كان طلعت حرب يعلم أن أصحاب رءوس الأموال يخشون على أموالهم من هذه التجربة وأنهم يفضلون شراء الأطيان ومراكمة أموالهم في الأراضي لكنه لم يفتر أو ييأس فعمد إلى شباب ثورة ١٩١٩ وكان هؤلاء الشباب يجمعون الاكتتاب للبنك ابتداء من ربع سهم قيمته جنيه واحد وانضم المؤرخ عبدالرحمن الرافعى إلى طلعت حرب مؤيدا لمشروعه فكتب عدة مقالات في “الأخبار” يشجع الناس للإقبال على أسهم البنك والتخلص من سيطرة البنوك الأجنبية.


أول شركة قام بنك مصر بتأسيسها « مطبعة مصر» في أغسطس ١٩٢٢ برأس مال قدره ٥ آلاف جنيه، ثم بعدها أسس شركة مصر لحليج الأقطان ولها ٨ محالج تحلج سنويا حوالى مليون قنطار، وأصبح البنك الممول الأول لعمليات شراء القطن وتسويقه وتصنيعه، ثم أسس البنك شركة مصر للنقل والملاحة كى تنقل القطن الذي تحتاجه شركة مصر لحليج الأقطان إلى الأسواق، وهناك شركات مهمة مثل شركة مصر لمصايد الأسماك عام ١٩٢٧ وشركة مصر لنسج الحرير وشركة مصر لتصدير الأقطان وشركة مصر للتأمينات ومصر للسياحة ومصر لأسمنت المسلح وشركة مصر للمستحضرات الطبية لكن أعظم شركات البنك هى شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة التى قامت عام ١٩٣١، أسس طلعت حرب وأصدقاؤه من أعيان المحلة هذه الشركة رغم أنف النفوذ البريطانى. وكان يطلق عليها « لانكشير مصر» في إشارة إلى منتجات لانكشير البريطانية وعندما كانت منتجاتها رمزا لجودة القطن المصري وكانت فخرا لمصر في العالم أجمع.


ونجح طلعت حرب فى أن يدحض كل الدعايات لفكرة أن مصر لا تصلح ان تكون بلدا صناعيا وخاصة صناعة الغزل والنسيج إذا قيل في يوم ما أن جو مصر لا يلائم هذه الصناعة وأن ماء النيل لا يصلح لصباغة وتبييض الأقمشة وبالرغم من كل أساليب تثبيط الهمم التى صادفها طلعت حرب فأنه أقدم على تنفيذه حتى نجح المشروع وأفاد البلاد فائدة عظيمة .


وكان لطلعت حرب دور كبير في الاهتمام بالثقافة والسينما فكان يعلم قيمة السينما وأهميتها للناس كوسيلة تثقيف ومعرفة ومن هنا أنشأ شركة مصر للتمثيل والسينما عام ١٩٢٥ وأنشأ استديو مصر، كما أقام مسرح الأزبكية .


في عام ١٩٣٠ قدمت شركة قناة السويس طلبا إلى الحكومة برئاسة بطرس باشا غالى، بمد امتيازها مقابل ٤ ملايين جنيه، لكن طلعت حرب وقف مدافعا عن حقوق مصر في القناة وأصدر كتابا موثقا بالحقائق التى تجسد الأخطار جراء الموافقة على هذا الطلب وفند كل الأصوات التى تطالب بالموافقة على هذا القرار ونجح بالفعل في خلق رأى عام مصري رافض لهذا الطلب الإنجليزى، لدرجة أن بعض المؤرخين اعتبروا أن رفض مد امتياز قناة السويس من أهم الأحداث العظمى خلال الستين سنة الأولى فى القرن الماضى بفضل طلعت حرب الذي كان صامدا فى وجه الأجانب ومدافعا شرسا عن مصالح وطنه.


كان طلعت حرب خيرا أفاض على بعض البيوت الكبيرة بره وعطفه ونجدته فأنقذها من الخراب، وتم استهداف البنك من أجلها استهدافا لم تقره القواعد الفنية والأصول المصرفية .. فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية في منتصف عام ١٩٣٩ زادت الاضطرابات في العالم وانعكست على مصر وزاد القلق والفزع وأدى ذلك إلى سحب الودائع من بنك مصر وتعرض البنك لحصار آخر من البنك الأهلى فقد امتنع محافظ البنك وكان وقتها إنجليزى الجنسية امتنع عن تقديم المساعدة لبنك مصر ورفض منحه قروضا بضمان محفظة الأوراق المالية، وعندما لجأ طلعت حرب لوزير المالية حسين باشا سري وكان ولاؤه للإنجليز اشترط وقتها أن يترك طلعت حرب منصبه لعلاج الأزمة، مما أضطره على الاستقالة من البنك عام ١٩٣٩ في موقف نبيل فقد آثر الرجل أن يتخلى عن إدارة البنك في مقابل أن يستمر البنك ويتم إنقاذه من عثرته، وبعد فترة قصيرة توفي طلعت حرب عام ١٩٤١ عن عمر يناهز ٧٤ عاماً.


لم ينجب طلعت حرب أولادا، مات ابنه الوحيد حسن وعمره ٢٠ عاما ، وعاش يفتخر ببناته الأربع، فاطمة وعائشة وخديجة وهدى. وهؤلاء أنجبن أحفاد طلعت حرب من الأولاد والبنات، وهدى أصغر بنات طلعت حرب ماتت عام ١٩٩٦.


رحم الله طلعت حرب صاحب الشجاعة التى لا مثيل لها وإقدام لا نظير له وقلب قد من حديد ، وسنده في ذلك إيمانه بالله وإيمانه بأن مهمته أن يفتتح وينشىء ويتوسع ومهمة الحكومة بعد ذلك أن تجد نفسها أمام الأمر الواقع فتؤيد أو تدعم أو تنفذ أو لا تهتم مثلما يحدث الآن.