القضية ليست فى أزمة الدولار

15/09/2016 - 2:05:41

د . حسيـــن عيســـى

تابعت العديد من المقالات والدراسات التى تتحدث عن أزمة الدولار فى مصر خلال الفترة الحالية مع إجراء العديد من المقارنات بين أسعار صرف الدولار عبر فترات زمنية مختلفة والتى توضح الاتجاه التصاعدى لسعر الصرف وما يترتب عليه من آثار سلبية على الاقتصاد المصرى ... وقد وصل الأمر إلى تغيير محافظ البنك المركزى السيد/ هشام رامز وتعيين السيد/ طارق عامر، وقيل إن أحد أهم أسباب هذا التغيير هو اتخاذه للعديد من الإجراءات والسياسات التى تسببت فى هز استقرار أسواق العملة وارتفاع سعر صرف الدولار بشكل مضطرب ومستمر.


ومع كل التقدير لكل ما كتب فى هذا الشأن فإننى أرى أن القضية أعمق من ذلك بكثير .. فهىّ ترتبط بالمقومات الكلية للاقتصاد المصرى ومصادر الحصول على العملات الصعبة وقدرة الدولة على زيادة الإيرادات وخفض المصروفات، وكذلك القدرة على جذب الاستثمارات والإدارة الواعية لتحويلات المصريين العاملين فى الخارج وكذلك القدرة على رسم صورة سياحية جديدة لمصر.


بخصوص المقومات الكلية للاقتصاد المصرى فمن الواضح أنه لابد من إعادة هيكلة هذا الاقتصاد ليصبح أكثر تنوعاً ولا يعتمد فقط على مصادر تقليدية لجلب العملات الحرة بل لابد من إعادة رسم استراتيجيات جديدة لصناعات معينة وكذلك هناك ميزة نسبية لزراعة نوعيات معينة من المحاصيل، كما أننا نفتقد بشدة إلى فهم وتحليل صناعة الخدمات والتى أصبحت معيار التقدم الاقتصادى لأى دولة (٨٠٪ من الدخل القومى الأمريكى يتحقق من الخدمات بأنواعها المختلفة).


ويلاحظ أن زيادة إيرادات الدولة والقدرة على تغطية المصروفات لا تغنى عن ضرورة إعداد الموازنة العامة للدولة على أساس استخدام أسلوب موازنة البرامج والأداء التى تقوم على تحديد برامج وأنشطة محددة تقوم بها الوحدة التنظيمية مع تخصيص الأموال اللازمة لهذه البرامج، على أن يتم استخدام مجموعة متكاملة من المقاييس التى تساعد على قياس وتقييم الأداء وبيان ما تحقق من أهداف.


وقضية جذب وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية تحتاج إلى نقاش طويل ..... ولكن فى هذا المجال نريد التأكيد على ضرورة وجود قانون واضح محدد للاستثمار ذى لائحة تنفيذية تضع النقاط على الحروف وتحقق تبسيط الإجراءات والتطبيق الفعلى لسياسة الشباك الواحد وخفض عدد الموافقات والتدخلات الحكومية، ووجود سياسات حكومية واضحة تجاه التعامل مع أراضى المشروعات والضرائب وتحويل الأرباح، وتوافر مصادر الطاقة، وتنظيم حقوق وواجبات العمالة المحلية والأجنبية .. مع الاقتناع بأن حل مشكلات الاستثمار المحلى سوف تكون الباب الكبير لدخول الاستثمارات الأجنبية على مختلف المستويات فمعظم التقارير اليومية تشير إلى أن أموالاً دولية كثيرة مازالت تبحث عن أفضل فرص الاستثمار، وعلينا أن نتذكر أن مصر كانت أول دولة فى المنطقة أصدرت قانوناً مميزا لتشجيع رأس المال العربى والأجنبى وهو قانون ٤٣ لعام ١٩٧٤ والذى كان مسئولاً عن إقامة المئات من المشروعات والمصانع خلال الفترة من ١٩٧٤ حتى ١٩٩٠.


ومما لاشك فيه أن وجود اقتصاد مصرى متنوع وتبنى سياسات تشجع على زيادة الاستثمارات، سوف يساعد على دعم الصادرات المصرية من السلع والخدمات، مما يؤدى إلى زيادة الحصيلة من العملات الحرة وهنا نريد التأكيد على أهمية وجود خطط تسويقية متكاملة تساعد على تحديد نوع المنتج المطلوب تصديره ولأى الأسواق وتحديد أسعار البيع وقنوات التوزيع مع التخطيط الواعى لحملات الترويج والإعلان.


ونأتى إلى قضية الإدارة الواعية لتحويلات العاملين المصريين فى الخارج والتى تحتاج إلى تغيير جذرى فى المفاهيم والسياسات والإجراءات ... فمن غير المعقول أن تنخفض هذه التحويلات هذا العام مع وجود ما يقرب من ٩ ملايين مصرى يعملون فى مختلف دول العالم، وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية النظر بشكل متكامل إلى هذه التحويلات ليس فقط كأرقام نقدية، ولكن دورها كمساهمات فى المشروعات العملاقة الاقتصادية الجديدة، وكذلك تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بحيث تفتح رافداً جديداً لتدفق العملات الأجنبية.


وتظل قضية السياحة المصرية لغزاً يبحث عن حل منذ أكثر من عشرين عاماً ... فعلى الرغم من كافة الإمكانيات السياحية والطبيعية التى تتمتع بها مصر والتى تبهر الجميع، إلا اننا مازلنا نفتقد إلى فن إدارة الخدمات السياحية وله ما له من أساليب وطرق ومداخل ... وعلى الرغم من الظروف غير الطبيعية التى بدأت مع حادثة الطائرة الروسية إلا أننا مازلنا أمام كنز لم يفتح بعد اسمه السياحة المصرية بشرط أن نجتهد فى الحصول على مفتاح هذا الكنز وهذا يتطلب تضافر قوى المجتمع جميعاً من أجل تسويق مصر سياحياً بصورة جديدة غير تقليدية تعتمد على الإبداع والأفكار الجديدة والتى نراها فى دول أقل من مصر بكثير يوماً بعد يوم، مع الأخذ فى الحسبان أن السياحة فى مصر ليست فقط السياحة الشاطئية بل هناك سياحة ثقافية ودينية وتعليمية وطبية وسياحة الاستكشاف، ولكل نوع من أنواع السياحة أسواقه وعملاؤه وأساليبه الترويجية والتسويقية.


المقصود من الأفكار السابقة هو التأكيد أن القضية ليست سعر صرف الدولار وليست فى مسئولية البنك المركزى، ولكنها تتسع لتشمل عملية إعادة هيكلة مقومات الاقتصاد المصرى والذى إذا تمت بوعى وفهم وإدارة رشيدة سوف تؤدى تلقائياً إلى زيادة التدفقات النقدية من العملات الحرة وعلى رأسها الدولار واليورو.