تغيير العقل البيروقراطى هل يمكن أن ينشأ معهد جديد لتخريج قيادات للمؤسسات العامة؟

15/09/2016 - 2:02:08

د. سامح فوزى

هناك حديث تعززه شواهد الواقع مفاده أن هناك نقصا فى القيادات، خاصة الشباب، القادرين على إدارة المؤسسات العامة، ونعنى دائما بالإدارة: وضع الخطط، تنظيم الميزانية، قيادة فريق عمل، المتابعة والتقييم، القدرة على التفاعل مع المواطنين المستفيدين، وأخيرا المساءلة.. وتتحقق خطط التنمية من خلال سياسات عامة كفء، وقيادات قادرة على تطبيقها، ثم يأتى توفر الموارد المالية بالمناسبة فى مرتبة ثالثة، على عكس الشائع الذى يرجع دائما مشكلات عدم القدرة إلى عدم توفر الموارد المادية.. التجربة تثبت ذلك، وهناك على الأقل مثالان بارزان:


الأول: عشية استقلال العديد من الدول النامية كان هناك شعور جارف لدى نخبتها أن الاستعمار نهب ثروات الشعوب، وهذا صحيح، وإن رحيل الاستعمار، وتولى حكومات من أبنائها كفيل بتحقيق تقدم فى هذه الدول، وهذا غير صحيح.. والسبب يعود إلى عدم وجود قيادات تتولى مقاليد الأمور، تدير دولاب المؤسسات العامة بنفس الكفاءة، فضلا عن أن النخب الحاكمة افتقرت كذلك إلى المهارات، ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يمض سوى عقد من الزمن حتى بدأت الأحوال العامة فى الدول تحررت من الاستعمار تسوء، وتتدهور ربما أكثر مما كانت عليه فى أوج الاستعمار..


الثانى: تجربة النمور الأسيوية، أو التقدم فى جنوب شرق آسيا، وقد درس المفكر الأمريكى الشهير فرنسيس فوكوياما التجربة وخلص إلى أن التقدم فى هذه الدول لم يكن فقط بفعل عوامل مادية، ولكن أيضًا نتيجة سياسات عامة كفء، ووجود قيادات تولت مقاليد الأمور استطاعت أن تعبئ وتحفز وتدفع إلى العمل الجاد.


تكشف هذه التجارب أهمية ما نطلق عليه رأس المال البشرى، العنصر البشرى المتعلم المدرب الكفء، القادر على المنافسة، والذى يستطيع أن ينهض بالعمل، ناهيك عن تولى مواقع قيادية.. لا يتعامل بشكل بيروقراطى عقيم، أسير الشكليات والأوراق والرسميات، ولكن لديه انفتاح وقدرة على تحفيز فريق العمل الذى يعمل معه، ويحقق إنجازات، تتراكم بفعل العمل الجاد.


من هنا فإن امتلاك المال وحده لا يكفى لنجاح أى تجربة، ولنا فى تجارب كثيرة العبرة، حيث انفقت الدولة أموالا طائلة، بينما العائد الذى تحقق محدود للغاية.. إذن المهم تحقيق أمرين آخرين هما الخطط الجادةن التى توضع بناء على معلومات، وتقدير صحيح للموارد، والأهداف.. هذا من ناحية، ووجود قيادات كفء قادرة على تطبيق هذه الخطط، والتعامل المستمر مع تداعياتها.


الهند مثال جيد للدول التى تخلصت من الاستعمار، وكان لديها بعد نظر فى البحث عن القيادات الجادة التى تتولى مقاليد العمل.. فقد وجدت أن لديها مشكلة فى توفر القيادات الكفء، ومن هنا قررت منذ وقت مبكر تأسيس معهد دراسات الإدارة فى الخمسينيات لتوفير مديرين مناسبين لتولى مواقع القيادة فى المؤسسات العامة فى عهد رئيس الوزراء جواهر آل نهرو، ثم ما لبث أن كثرت فروع المعهد، وتوسعت لتشمل كل أرجاء الهند.. وتجمع معاهد الإدارة لجنة عليا تتمتع بالإدارة الذاتية، تضع البرامج، وتتابع تنفيذها، وتطور من أدائها.. وفى غضون فترة وجيزة صار معهد دراسات الإدارة واحدا من أهم المعاهد على مستوى العالم فى تخريج قيادات إدارية على مستوى رفيع للعمل فى المجالين الحكومى والخاص.. نفس الأمر ينطبق على خبرة حديثة فى إسبانيا من خلال معهد إدارة الأعمال فى مدريد، الذى تأسس عام ٢٠٠٩م، وفى غضون سنوات قليلة صار أهم معهد لدراسات إدارة الأعمال فى أوروبا، يفد إليه طلاب من نحو تسعين دولة، للدراسات العليا والبرامج الخاصة فى مجالات عديدة منها الإدارة التنفيذية.. ويٌعد خريجو هذا المعهد من الكفاءات الإدارية المهمة التى يٌستعان بها فى الحكومة وعالم المال والأعمال على السواء..


نحتاج فى مصر إلى استلهام هاتين التجربتين، وتجارب أخرى مماثلة، بهدف تخريج قيادات تفكر بشكل غير بيروقراطى، والرغبة فى الخدمة العامة، والحاجة ليس إلى استيفاء أوراق، أو العمل بالحد الأدنى، ولكن السعى الدؤوب لتحقيق نتائج جادة.. تتقدم الدول نتيجة توفر هذه القيادات، ولكن تحتاج دائما إلى خبرة التعلم.. الإشكالية أن النظام التعليمى لا يفرز قيادات مؤهلة للمنافسة، أو اتخاذ قرار فى المؤسسات، وتحتاج دائمًا إلى التعلم المستمر، والتدريب، وهو ما يمكن أن يوفره معهد متخصص للإدارة العامة، يقدم خدماته للأجيال الشابة التى نسعى لتأهيلها للعب دور قيادى، ويساعدها أولا على: التخطيط، والتفكير فى المستقبل، وكيفية وضع الخطط والبرامج وتقسيمها إلى وحدات زمنية، مرتبطة بتحقيق أهداف يمكن قياسها، والتعامل مع المشكلات، التى تحدث دون توتر أو تراجع، ولكن بأفق متسع، ونظرة متفائلة، وقيادة فريق عمل بروح التحفيز والمبادرة، والخروج من أسر العلاقات البيروقراطية التقليدية التى تقوم على خطوط الاتصال الجامدة بين رئيس ومرؤوس، وتصدير المشكلات من المستويات الأقل إلى المستويات العليا.. المطلوب هو تمكين المستويات الأقل فى السلم الوظيفى من اتخاذ قرارات، ومتابعة تنفيذها، وتحمل المسئولية، وحل المشكلات دون الرغبة المستمرة فى العرض على المستوى الأعلى، والإحجام القصدى عن المبادرة واتخاذ القرار، وكذلك، العمل مع الناس، واعتبارهم شركاء فى التنمية، وليسوا متلقين سلبيين لها، وأخيرا التقييم والمتابعة والمساءلة، وتوثيق التجربة ثم البناء عليها..


ثقافة إدارية جديدة نحن بحاجة إليها، لن تأتى بالوعظ والإرشاد، أو بالأحاديث المثالية الفضفاضة، ولكن من خلال تدريب وتأهيل جيل من القيادات، الكفء المدربة، مسألة ليست سهلة فى بلد تقوم على إرث بيروقراطى ضخم، لكن هذه مهمة أساسية إذا أردنا أن نحقق التنمية..


بالطبع يمكن أن ينشأ معهد للإدارة، ويتحول بعد فترة إلى جهاز بيروقراطى يقضى فيه الطالب بضع ساعات، يتلقى فيها معارف تلقينية، لا يطبقها فى عمله اليومى، هذا ما لا نريده، وليس هذا بالطبع هدف ما أقوله.. المرجو هو معهد للإدارة يعلم الطلاب، ويدربهم، ويعطيهم مساحة لتطبيق الخبرة، والتعلم المستمر، ووجود البيئة الإدارية الملائمة لتطبيق ما تعلمه.


إذن هى ليست فقط معهدًا، ولكن ثورة فى العقل البيروقراطى.