هل عبَّر البرلمان عن إرادة الجماهير؟!

15/09/2016 - 1:59:22

بقلم: جمال أسعد

السلطة التشريعية هى إحدى أهم السلطات الثلاث التى نظمها الفكر السياسى والتى أقرتها الدساتير، فالسلطة التشريعية هى السلطة التى يتم انتخابها من الشعب مباشرة؛ لكى تكون هى سلطة الجماهير وصوت الشعب والمعبر عن إرادة الأمة، وذلك من خلال اقتراح وإقرار مشاريع القوانين التى يحتاجها المجتمع، والتى يفرزها الواقع وذلك لحل قضايا جماهيرية لا تحسم بغير القانون، وذلك لأن نواب الشعب والمختارين منه والمرتبطين به هم الذين يرصدون المشكلة ويقترحون الحل؛ خاصة إذا كان هذا الحل يتمثل فى هذا التشريع.


كما أن البرلمان هو أيضاً عين الشعب فى مراقبة السلطة التنفيذية ورصد الأخطاء واقتراح الحلول واستعمال الأدوات البرلمانية من سؤال وطلب إحاطة واستجواب وطلب تشكيل لجنة تقصى حقائق للبحث الشامل فى قضية من القضايا، التى تمثل أهمية للشعب وللجماهير ولصالحية وشفافية نظام الحكم، إضافة إلى مناقشة مشروع الموازنة العامة ليس من باب ما هو مقدم من الحكومة، ولكن لمناقشة مصادر الإيرادات واستغلالها وتنميتها الاستغلال الأمثل، ومناقشة المصروفات، والتحقق من أن تلك المصروفات فى وضعها السليم بعيدا عن الإسراف.


والمناقشة هنا تعنى طرح الاقتراحات بزيادة وتنمية الإيرادات وتقليص المصروفات بعيداً عن الإسراف والسفه، إضافة إلى اعتماد الحساب الختامى للعام المنتهى ومراقبة ومطابقة الحساب الختامى بقانون الموازنة العامة لتحديد نسب الزيادة والنقص التى نتجت عن تحقيق أرقام الموازنة وتحويلها إلى ميزانية. حيث إن تجاوز النسب المقدرة قانونا يعنى عدم صحة وواقعية المقترح من أرقام للإيرادات والمصروفات الواردة فى الموازنة، أو أن يكون هذا الخلل وذاك التجاوز هو إهدار للمال العام ودليلاً على عدم جدية الحكومة وأجهزتها وغياباً حقيقيا للأجهزة الرقابية. هذا وبالطبع وطبقا للدستور الجديد الذى أعطى صلاحيات غير مسبوقة للبرلمان فقد أصبح البرلمان الآن هو الذى يوافق على طرح اسم رئيس الوزراء والوزراء، بل هو الذى يوافق على أى تعديل أو تغيير وزارى، وهذا يعنى أن البرلمان هو الذى يعطى الثقة لأى حكومة بناء على موافقته أو رفضه لبرنامجها المعروض عليه. ناهيك عن حق البرلمان فى إقرار المعاهدات والاتفاقيات والمعونات والقروض الخارجية.


هذه وغيرها من المهام الهامة والرئيسية للبرلمان سلطة الشعب والمعبر عنه. فماذا كانت حصيلة الانعقاد الأول من هذا الفصل التشريعى؟ خاصة أن هذا البرلمان جاء بلا شك فى ظروف استثنائية وبعد هبتين جماهيريتين أسقطتا حاكمين ولم تسقط نظامين فى ظل ظروف وتحديات أمنية فى مواجهة الإرهاب، وتحديات اقتصادية لمواجهة مشكلة اقتصادية متراكمة ومستحكمة ومتشابكة، وتحديات سياسية فى مواجهة نظام ٣٠ يونيه سواء كانت هذه التحديات فى الداخل أو الخارج خاصة من يريدون إسقاط الوطن وإفشال الدولة وليس معارضة الحكومة أو النظام.


هنا وجدنا السيد على عبدالعال رئيس البرلمان يقول لا فضّ فوه إن هذا البرلمان الذى يرأسه هو أعظم برلمان مر على مصر، وأن إنجازاته قد فاقت كل الحدود، حيث إن العالم أجمع يشهد بذلك، وقد تفوق بمراحل عن سابقيه، وأن هذا مثبت بالدليل القاطع. وهنا نحن لا نعلم ما هى المعايير العلمية والبرلمانية والجماهيرية والسياسية، التى تجعل لهذا الكلام أى مصداقية، غير أنه كلام مرسل لا علاقة له بأى تقييم علمى ولا أى رؤية سياسية أو أى مصداقية جماهيرية، غير أنه قد ينطبق عليه المثل «مين يشهد لأم العروسة” غير عبد العال.


وهنا أريد أن أتحدث ليس من منطلق التقييم العلمى والسياسى والموضوعى، ولكن إضافة إلى ذلك من منطلق تجاربى البرلمانية حيث كنت عضوا فى برلمان ١٩٨٧ مع القدير د.رفعت المحجوب ومع د. فتحى سرور، وهنا نريد أن نبدأ بممارسات وسلوكيات وكفاءة رئيس هذا البرلمان. لأن حظر إذاعة جلسات البرلمان على الجماهير حسب الدستور غير الجلسات السرية، يعنى عدم التحقق من كفاءة البرلمان وأعضائه ورئيسه لإدارة وممارسة العملية والتمثيل البرلمانى. خاصة أن طريقة تشكيل البرلمان وظروف انتخاباته، جعلت الجانب المقدر من نسبة الأعضاء قد جاءوا عن طريق القوائم أو قل عن طريق التعيين، بما سمى بقائمة حب مصر، التى أرادت منذ البداية طوعاً أن تكون بديلا للحزب الوطنى سابقاً، أو بديلا لحزب الأغلبية مع الفارق الكبير بين حزب الأغلبية الذى له برنامج ورؤية حتى لو لم يكن جميع المنضمين إليه يؤمنون بهذا غير الانضمام لحزب السلطة. ولكن هذا الائتلاف المسمى بدعم مصر هو تشكيلة من كل لون بلا رؤية سياسية حقيقية واضحة ولا برنامج سياسى معلوم ولا إجماع حول قضايا مصيرية وسياسية هامة غير مساندة وتعضيد الحكومة أى حكومة. ناهيك عن أن الأغلبية فى هذا البرلمان هم من المستقلين الذين لا علاقة لهم بالعملية السياسية، وهذا غير اللعب باسم الجماهير للحصول على مقعد للوجاهة أو الاستفادة، وهنا لا يفرق التعبير عن الرأى أو وجود رؤية أو الالتزام ببرنامج؛ خصوصا أنه حتى الأحزاب الممثلة فى البرلمان لا علاقة لها بالعمل الحزبى، فهى أقرب إلى جمعيات دفن الموتى. وهذا يعنى غياب الخبرة البرلمانية الصحيحة لأغلب الأعضاء خاصة الرئيس الذى لم يمارس عملا سياسياً أو حزبيا طوال حياته غير العمل الجامعى والاستشارى فى الكويت، والغريب الاستشارى فترة من الزمن فى البرلمان ذاته كمستشار دستورى، وهذا غير السياسى، أى أن الملخص كما يقول خبرته فى القانون الدستورى.


والغريب والأغرب حتى على مستوى هذه الخبرة الدستورية لم نرَ أى ملمح للدكتور جعله مرتبطاً أو ملتزماً بالدستور وأى دستور. ناهيك عن الأخطاء اللغوية والنحوية التى لا نجدها لدى أهل القانون وخبراء الدستور تحديداً، مع العلم أن الإدارة والقدرة عليها، لا تبررها خبرة الدستور الدراسية والجامعية فقط، فالدكتور لا علاقة له بإدارة وما أدراك ما إدارة البرلمان. فلم نجد أى مظاهر لفن أو خبرة أو حنكة الإدارة التى لم يصل إلى ضعفها أى من السابقين. فقد رأينا صويتاً وعلو صوت وتهديداً ووعيداً والأهم الطرد.


وأعتقد أنه هو الحاصل وحده على جائزة الرئيس الذى طرد أكبر عدد من الأعضاء خارج الجلسة، كذلك تحويل من لم يخضع لتعليماته الخاصة التى لا علاقة لها بدستور أو لائحة إلى لجنة القيم. وهذا بلا شك ليس دليل قوة وخبرة ولكن دليل ضعف وعدم قدرة على الإدارة فالبرلمان ليس مدرسة، الأعضاء تلاميذ والرئيس ناظر، ولكن رئيس البرلمان هو المدرسة بالفعل الذى يعى الدستور ويلتزم به ويعرف اللائحة ويتمسك بها وهو الحارس لها.. هو بعلمه يوجه وبخبرته يساعد وبحنكته يدير لا يبدى رأيه على المنصة ويفرضه ولكن ينزل إلى القاعة فهو عضو برلمان مثل أى عضو تم اختياره لقيادة الجلسات ولتمثيل البرلمان.. ولذا شاهدنا الانحياز لأعضاء غير أعضاء.. فهناك من تحدى الدستور وسب الأعضاء واعتدى على كرامة المجلس، ووجه اتهامات للنواب ولم يستطع الدكتور فتح فمه أو توجيه تهديد أو طرد لهذا النائب سليط اللسان.. وجدنا الدكتور يتصور أن موافقته على كل ما يرد من الحكومة هو أمر مسلم به تحت بند الترصد فى ظل الظروف الحالية.. فهذا غير الممارسة البرلمانية الصحيحة التى تصب لصالح الشعب والوطن والنظام والحكومة وبغير ذلك لا يكون هناك طريق لمواجهة التحديات.


فـ ٢٥/٣٠ هذا الإنجاز يجعلنا نصبو إلى خلق نظام سياسى رشيد يضع الجماهير فى مكانها الصحيح، ويعطى البرلمان دوره الدستورى المقدر، وهذا لا يعتبر تقصيراً فى حق النظام حتى يعرف ويعلم أى نظام وأى سلطة حدودها الدستورية، وكل هذا لصالح الشعب، فكيف يكون البرلمان منفذاً لما تريد الحكومة ويكون هذا تحت بند التوحد؟ فكيف يكون المجلس التشريعى الذى يضم ستمائة عضو وخمسا وعشرين لجنة لا يتقدم ولا يناقش سوى ٣٨ قانوناً، مع العلم أن حصيلة الأعضاء من هذه الحزمة قانونيون فقط لا غير، والباقى من الحكومة برؤيتها وسعياً لما تريد.. فهل هذا دور برلمان التشريع؟ وهل الحكومة قد أصبحت هى البديل للتشريع؟ ناهيك عن موافقة البرلمان على أكثر من ثلاثمائة قانون أخذت فى عهد منصور والسيسى وتمت الموافقة خلال ٤٨ ساعة فقط.. كما أن الموازنة وهى العمل الأهم قد تمت الموافقة عليها أيضاً خلال ٤٨ ساعة.. فهل هذا إنجاز أم سلق للقوانين؟ وأين مناقشة الحساب الختامى الذى لم يناقش خلال هذه الدورة وكيف سيرحل إلى الثانية؟ وأين الرقابة المالية للحكومة بعد ذلك؟ والغريب أن رئيس البرلمان حسب توجهاته وقناعاته السياسية، وهى لا تتسق مع حق البرلمان الدستورى، يعتبر أن معارضة النائب أو عدم موافقته على مشروع أو إثارة قضية لا يتوافق معها عبدالعال يكون هذا النائب عميلاً لجهات أجنبية، ويريد إسقاط البرلمان وهدم الدولة! فما هو المطلوب وكيف تمارس المعارضة دورها بل كيف يكون من حق العضو ممارسة دوره أياً كان تأييداً أو معارضة؟ وما علاقة هذا بالعمل البرلمانى؟ وكيف يحول عبدالعال البرلمان إلى أداة لتصفية حساباته الشخصية أو لإقرار رؤيته الذاتية؟ فلما لم تعجبه صورته وهو يرسل قبلته إلى الأعضاء.. طرد الصحافة! ولما هاجمه أحد مقدمى البرامج هدد الصحافة والإعلام بأن هذا سيكون حيث القانون قادم.. وكأن القوانين جاءت لتصفية الحسابات.. الكلام والممارسة فى البرلمان مسجلة للتاريخ، فكيف سيواجه البرلمان ورئيسه تلك الممارسات تاريخياً، حتى يجزم عبدالعال أن هذا البرلمان هو أعظم برلمان؟ وإذا كان خبيراً دستورياً حيث إنه قد شارك فى صنع الدستور وكأن الدستور هو المشروع المبدئى من متخصصين وليس الأهم هو المناقشة وموافقة الشعب ومع ذلك لماذا مرر بيان الحكومة وهو مخالف للدستور فى مخصصات الصحة والتعليم والبحث العلمى؟ ولماذا لم ينفذ كلام الدستور، ولم يشرع البرلمان القوانين المكملة للدستور غير قانون الكنائس الذى تم إقراره حسب رؤية وطلب الحكومة؟ فهذا وغيره كثير؛ ولذا لا يمكن يا رئيس البرلمان أن يكون هذا الإنجاز وتلك السلوكيات هى أعظم إنجاز لم تشاهده برلمانات مصر من قبل، فلا أحد يرى أن البرلمان الذى يفعل ذلك برلماناً ديمقراطياً ناجحاً.. فالبرلمان الحالى وبما مارس وبالورقة والقلم هو أضعف برلمان مر على مصر من إسماعيل راغب أول رئيس مجلس شورى النواب ١٨٦٦ فى عهد الخديو إسماعيل وحتى الآن، مع العلم أننا وغيرنا ومن يقتنع بهذه الرؤية هم وطنيون ويحبون هذا الوطن ويسعون لرفعته وتقدمه، ويدركون التحديات التى تواجهه ويقدرون الدور الوطنى للسيسى.. وفى ذات الوقت يعلمون أن تلك الممارسات التى تمت فى دورتكم الأولى لا تصب فى صالح هذا الوطن، ولا تساعد على تدشين دولة مدنية ديمقراطية حديثة طبقاً للدستور، فهذا لن يكون طالما برلمانكم هو صورة من برلمانات ما قبل ٢٥ يناير، بل لم يصل إلى تلك البرلمانات.. نتمنى أن يمارس البرلمان ويصحح فى الدورات القادمة.. حفظ الله مصر وشعبها العظيم.