أطفال المنيا الأقباط هل تعيد الحكومة النظر فى قانون إزدراء الأديان ؟

15/09/2016 - 1:50:42

بقلم: د. صفوت حاتم

خرجت علينا الأخبار فى الأيام الأخيرة بخبر هروب الأطفال الأقباط المحكوم عليهم فى قضية ازدراء الأديان فى المنيا..ووصولهم إلى سويسرا..وطلبهم اللجوء السياسي.


ورغم أن القضية تعود لشهور فائتة..وأنها أثارت استنكارا شديدا لدى كل المصريين المتمسكين بوطنيتهم  ووحدتهم الوطنية .. إلا أن القضية كانت محل تجاهل من الحكومة والسلطة التشريعية.. التى لم تعطِ قانون ازدراء الأديان الاهتمام الكافى وما يسببه .. عمليا  من تخريب لسمعة مصر وصورتها فى الخارج. أعادنى هذا الخبر لذكريات الأيام الكئيبة التى تلت ثورة يناير وصعود تيار التأسلم السياسى إلى قمة المشهد السياسي.


 فى تلك الأيام السوداء ..ع اد لمصر كل الإرهابيين  المحكوم عليهم فى قضايا العنف والإرهاب: من أفغانستان والشيشان وإيران وباكستان.. وكل بقاع العالم.


وعادت ذاكرتى التى وقع  فيها ميدان التحرير فى قبضة الإرهابيين المحترفين والهواة  من كل  حدب وصوب.. وهم يسيطرون على  المظاهرات من خلال شعاراتهم وإعلامهم ومنصاتهم الإعلامية.


وكانت «جمعة قندهار « أكبر تجلِ  لقدرة عناصر التيار السلفى والإخوانجى على الحشد والتنظيم.. حيث رفعت.. خلالها..  أعلام وشارات تنظيم داعش السوداء. 
لقد  عشنا وعاش المصريون لحظات صعبة من الخوف والترقب  وهم يشاهدون على مواقع التواصل الاجتماعى فيديوهات لعربات الدفع الرباعى وهى تجوب شوارع العريش والشيخ زايد..تحمل شراذم من الإرهابيين يستعرضون قوتهم وسلاحهم وشاراتهم السوداء  فى شوارع تلك المدن. 
وخلال أسابيع قليلة تحولت حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية إلى «غربال مثقوب» فى كل الاتجاهات.. ينتهكه المهربون والإرهابيون لكل أنواع التهريب للممنوعات والأسلحة ..خصوصا بعد سقوط نظام القذافى فى الغرب وانهيار الجيش الليبى والاستيلاء على أسلحته الثقيلة والخفيفة.


لقد  كشفت ثورة يناير بوضوح  مدى التشوه الأخلاقى الكامن لدى بعض فئات المجتمع المصري..خصوصا من تيار التأسلم السياسي..وما يحمله  عناصر  هذا  التيار  من نزعة تعالٍ بغيضة تجاه المختلفين معهم سياسيا ودينيا. 
وكان  أحد  تجليات  هذا  التشوه  الأخلاقي،


التزايد  الكبير  فى حالات الهجوم على الكنائس وبيوت الأقباط فى الصعيد والقاهرة والإسكندرية.
ومازالت ذاكرتى تحمل مشاهد الدعاة السلفيين وهم  يهددون الجيش والمجلس العسكرى بالتصرف منفردين والتعامل مع الأقباط فيما لو لم تظهر «السيدة القبطية» التى ادعوا اختطاف الكنيسة لها بسبب إسلامها !!


كانوا يحتشدون فى الميادين..ويصرخون فى الفضائيات..  وتعلو  أصواتهم بخطاب طائفى بغيض.. ونبرة كراهية مقززة.


كانت لديهم قناعة داخلية أن الدولة المصرية قد انهارت..وأن أمور الحكم والسلطة قد آلت لهم..وأن المجلس  العسكرى يخشاهم.. وأن  زمنهم قد أزف.. ودولتهم  قد حان وقتها. 


وفى ظل هذه الأجواء المسمومة،  تصاعدت  ظاهرة   أخرى  غريبة على المجتمع المصري وهى ظاهرة تقدم أفراد تيار التأسلم السياسى ببلاغات للنيابة ضد عدد من  المواطنين الأقباط تتهمهم بازدراء الدين الإسلامى وإهانته.  على سبيل المثال:


نشر موقع اليوم السابع يوم ٤ أبريل ٢٠١٢ .. أى بعد أيام قليلة من الاستفتاء على التعديلات الدستورية..  خبرا  نصه: «أيدت محكمة استئناف أسيوط برئاسة.......الحكم على المدرس» مكارم دياب سعيد « سكرتير مدرسة الدير الجبراوى بأبنوب.. ٦ سنوات..لاتهامه بازدراء الأديان وسب الرسول..(صلى الله عليه وسلم).. وكانت محكمة أبنوب الجزئية برئاسة.....قد قضت بالسجن ٦ سنوات على مكارم دياب سعيد.....”.


٢. وفى يوم ١ يونيه ٢٠١٣ نشر موقع صدى البلد خبرا نصه: «قضت محكمة جنح بندر ثانٍ أسيوط برئاسة........ بحبس «رومانى مراد.س» بالحبس سنة وغرامة عشرة آﻻف جنيه.. بتهمة ازدراء الأديان والتعرض للذات الإلهية والقرآن الكريم بالإهانة داخل مقر نقابة المحامين بأسيوط...»


٣. وفى يوم ١٨ يونيه  ٢٠١٣، نشرت بوابة الفجر، نماذج من قضايا مرفوعة ضد عدد من الأقباط فى صعيد مصر..  كان منها:


• قضية الطفل المسيحى «جمال عبده مسعود» البالغ من العمر ١٧ عاما.. والحكم عليه بالسجن ٣ سنوات بتهمة نشر رسوم مسيئة للإسلام على صفحته بالفيس بوك ( !!).


• قضية «بيشوى كميل جرجس»..مدرس مسيحي..والحكم عليه بالسجن ٦ سنوات بتهمة إهانة الإسلام (!!).


• قضية «ألبير صابر» الذى حكم عليه بالسجن ٣ سنوات بتهمة الإساءة للإسلام ونشر فيلم معادٍ للإسلام على الفيس بوك ( !! ).
* اتهام طفلين من الأقباط بمحافظة بنى سويف..يبلغ عمرهما ١٠ و ٩ سنوات بتهمة إهانة القرآن ( !! ).


• قضية  القبطية «دميانة عبيد « المدرسة بمدرسة نجع الشيخ سلطان بالأقصر.. بتهمة إهانة الاسلام...وإحالتها لمحكمة جنح الأقصر..على الرغم من التحقيق الإدارى معها بمدرستها  أثبت براءتها.
ورغم  أن النيابة الإدارية كانت قد أدانت عددا من الموظفين فى الإدارة التعليمية بالأقصر بتهمة الكذب فى شهاداتهم وعاقبتهم بالخصم.. فقد أصدرت محكمة جنح مستأنف الأقصر..فى جلستها المنعقدة يوم ١٥ يونيه ٢٠١٤.. حكما نهائيا بمعاقبة «دميانة عبيد عبد النور» بالحبس ٦ أشهر ( !! ).


وهكذا تعددت حالات الحكم على أقباط  المحكوم بتهم يعاقب عليها  قانون ازدراء الأديان  العجيب الغريب. 
وكان طبيعيا..والحال هكذا.. أن تستغل الصحافة الغربية هذه الوقائع فى اتهام مصر بالتمييز الطائفى مع الأقباط. 


فعلى سبيل المثال، رصدت مجلة «الساينس مونيتور» الأمريكية فى مقالها لها   نوهت فيه إلى الزيادة الملحوظة فى أعداد المتهمين المحكوم عليهم فى قضايا «ازدراء الأديان» فى مصر بعد صعود الإخوان المسلمين والسلفيين إلى الحكم فى مصر.


ودون  أن نعلق على الأحكام القضائية.. نود  أن نبدى مجموعة من الملاحظات العامة: 
١. إن معظم هذه القضايا كانت بصعيد مصر.. حيث تتركز التيارات المتطرفة من السلفية والإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية.


٢. إن هذه الأحكام طالت أطفالا غير مسئولين أو واعين بأفعالهم وأقوالهم.


٣. إن معظم هذه القضايا كان نتيجة اصطناع شهادات كاذبة من بعض الأفراد مدفوعين بدوافعهم الطائفية والمذهبية.


٤. إن أعداد المتهمين بازدراء الأديان من الأقباط يفوق بكثير عدد المتهمين بنفس التهمة من المسلمين.


٥. إن المتهمين بهذا القانون من المسلمين..يأتى أغلبيتهم من المشاهير والإعلاميين كإسلام بحيرى وفاطمة ناعوت ويوسف زيدان وسيد القمني. 
والملاحظ أن القضايا التى تخص هؤلاء المشاهير تثير ضجة واستنكارا من الجمهور..بينما تمر القضايا الخاصة باﻷقباط وسط صمت شبه كامل وتجاهل من النخبة السياسية والثقافية.


الخلاصة: إن هروب أطفال المنيا الأقباط ولجوئهم لسويسرا هو فرصة لتجديد مناشدتنا للرئيس عبد الفتاح السيسى للتدخل بالعفو عن الأقباط المحكوم عليهم فى هذه القضايا التى تهدد وحدتنا الوطنية..وتضرب مشاعرنا الوطنية كمصريين : أقباطا ومسلمين.. وتعرض سمعة وصورة بلدنا للتشويه.. وتسىء لصورة النظام السياسى الحاكم فى المحافل الدولية.. وهى الصورة التى نجح الرئيس فى تغييرها بتقديم نفسه كرجل حريص على بناء دولة مدنية حديثة.


إن الصمت أو تجاهل الأخطار التى يمثلها قانون ازدراء الأديان..واتساع مفهوم «الازدراء «يعطى الفرصة للمتطرفين والعملاء ببث بذور الفتنة والكراهية الطائفية.


فهل تستجيب الحكومة ونواب الشعب  لنداء الواجب وإعادة النظر فى قانون «ازدراء الأديان «؟؟ 
وهل يستجيب الرئيس عبد الفتاح السيسى لمطلب شعبى بالعفو عن المحكوم عنهم..ظلما..فى قضايا ازدراء الأديان.. خصوصا الأطفال ؟؟


نتمنى ذلك من كل قلوبنا !!