العلاقات المصرية الروسية .. إلى أين؟

15/09/2016 - 1:41:36

بقلم: لواء. نصر سالم

جزى الله الشدائد كل خيرٍ


عرفت بها عدوى من صديقى


ما أشبه اليوم بالبارحة.. اليوم الذى أقصده، هو الذى جاء بعد ٣٠ يونيه ٢٠١٣ يوم كشرت لنا الولايات المتحدة الأمريكية عن أنيابها ومعها أوربا وأفريقيا وأوقفت كل تعاملاتها معنا وأولها صفقات التسليح المتعاقد عليها.


حتى الطائرات التى كانت متواجدة فى الولايات المتحدة لإجراء العَمرة أو الصيانة الدورية حظرت الولايات المتحدة عودتها إلينا بعد انتهاء عمرتها والهدف هو إملاء شروطها علينا والتحكم فى قرارنا..


وكانت وقفة صديق الأمس (روسيا الاتحادية) خير عونٍ وسندٍ لنا فى مواجهة تلك العواصف الجامحة التى تريد أن تتحكم فى مقدراتنا وتتلاعب بها، وقتها توجه وزير الدفاع المصرى الفريق أول/عبدالفتاح السيسى مباشرة إلى روسيا فى زيارة خاطفة، ملأت شراع مركبنا برياح الاطمئنان والثقة..


لم نعد وحدنا وفى وسط تلك العواصف والأنواء التى كادت أن تعصف بها.


ما أشبه اليوم بالبارحة.. يوم أن كنا نفاوض الاستعمار البريطانى على الرحيل عن أرضنا، بعد احتلال دام أكثر من سبعين عامًا كانت له اليد العليا فى التحكم فى مقدراتنا وشئوننا.. كان الإنجليز يماطلون ويملون علينا من الشروط ما لا يقبله سيدٌ فوق أرضه، ولم لا؟! وهو المتحكم فى تسليح جيشنا، يستطيع أن يمنع كما يعطي.


كان علينا البحث عن مصدر جديد لتسليح جيشنا وكسر احتكار هؤلاء المحتلين لسلاحنا.


كانت الدول الغربية تطبق علينا ما عرف وقتها بالتصريح الثلاثى الصادر عن أمريكا وفرنسا وإنجلترا، والذى كان يقضى بحظر تصدير السلاح إلى دول الشرق الأوسط فى الوقت الذى كانت فيه إسرائيل لديها كل الأسلحة التى حصلت عليها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بانضمام الفيلق اليهودى الذى كان يحارب فى صفوف الحلفاء بعد أن تم تسليحه بأحدث الأسلحة فى الترسانة الإنجليزية وقتها.. وأصبح نواة للجيش الدفاع الإسرائيلى منذ انتهاء الحرب، ثم كانت، أيضًا الأسلحة الإنجليزية التى تركها الإنجليز للجيش الإسرائيلى بعد إعلانهم إنهاء الانتداب البريطانى على فلسطين فى١٥ مايو ١٩٤٨ وفوق هذا كله فإن إسرائيل كانت مستثناه من ذلك بحكم الحال وليس المقال.


وهذا ما جنت إسرائيل ثماره يوم تفوقت على جيوش خمس دول عربية وحققت أهدافها بالاستيلاء على الأرض العربية الفلسطينية عام ١٩٤٨ وفرضت معها اتفاقية الهدنة على الدول العربية عام ١٩٤٩.. وصالت وجالت خارج حدودها لتشن إغارات معربدة على قطاع غزة، بل على الأراضى المصرية فى منطقة الصابحة على الحدود المصرية - فى ذلك الوقت.. تمكنت القيادة المصرية من كسر الاحتكار الإنجليزى لتسليح جيش مصر والخروج من هذا الحظر المفروض عليه عرف بالحصول على صفقه أسلحة من الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفيتى آنذاك فيما «بصفقة الأسلحة التشيكية».


وأحست إسرائيل بالخطر فكان التوجيه السياسى من رئيس الوزراء الإسرائيلى “ديفيد بن جوريون” إلى وزير دفاعه «موشيه ديان» أن يستعد لدخول حرب مع مصر لتدمير جيشها قبل أن يستطيع استيعاب الأسلحة الجديدة ويكون قادرًا على استخدامها.


ويتغير كل شيء فى المنطقة ليدفع فى الاتجاه الذى تريده إسرائيل ويؤمم الزعيم الخالد/جمال عبدالناصر قناة السويس، وتقرر كل من بريطانيا وفرنسا الهجوم على مصر للاستيلاء على قناة السويس ويجدان فى إسرائيل ضالتهما فتشاركهما الهجوم الثلاثى على مصر فى أكتوبر. ١٩٥٦


ويعلن الاتحاد السوفيتى وقوفه إلى جانب مصر فى حربها ضد العدوان الثلاثى وينتصر الحق وتعود الجيوش المعتدية مدحورة إلى حيث كانت.


وتبدأ صفحة جديدة مع الاتحاد السوفيتي.. يسطرها تعاون فى جميع المجالات السياسية والاقتصادى والعسكرية.. إلخ.


كانت أبرز سطورها وقفته إلى جوار مصر فى بناء السد العالى صمام الخير والنماء للأرض المصرية.. ومساعداته لمصر فى بناء نهضتها الصناعية الكبرى من إنشاء مجمع الحديد والصلب فى حلوان إلى مجمع الألمونيوم فى نجع حمادى إلى تحديث وتطوير معظم المصانع المصرية فى الغزل والنسيج ومجالات أخرى بقروض ميسرة يتم سدادها من إنتاج هذه المصانع.


ولتشجيع الإنتاج المصرى الصناعى والزراعي.. قبلت حكومة الاتحاد السوفيتى تسديد جزء كبير من ديوننا فى صورة منتجات زراعية وصناعية تقوم مصر بتصديرها إلى دول الاتحاد السوفيتي.


وكانت هذه الوقفة خير داعم لمصر فى تنفيذ خططها الخمسية للتنمية.


ويوم أن حاولت دول الغرب تشديد ضغوطاتها على مصر، وحظرت توريد القمح إليها.. كانت وقفة الزعيم السوفييتى (نكيتا خروشوف) مثالا للصداقة والتعاون.. فأعطى أوامره لبعض السفن الروسية التى كانت تنقل القمح إلى أحد الأسواق العالمية، بتغيير وجهتها إلى مصر وهى فى عرض البحر، ليمنع مصر من الوقوع تحت ضغط هذه الدول التى تحاول خنقها.


ومع ازدهار مصر واستغنائها عن الغرب، ثم تدبير المؤامرة الكبرى لإيقاف مسيرة مصر والتخلص من زعيمها جمال عبدالناصر بما عرف بخطة (اصطياد الديك الرومى) التى نفذتها إسرائيل بتنسيق وتخطيط كامل مع الولايات المتحدة فى يونيه ١٩٦٧.. وخسرت مصر معظم أسلحتها..


ويظهر الصديق الحق فى وقت المحن ويعيد الاتحاد السوفييتى تسليح الجيش المصرى من جديد ويقوم باستعواض جميع الأسلحة التى تم تدميرها، مع إرسال المدربين والمستشارين العسكريين للمشاركة فى تدريب قواتنا على الأسلحة الجديدة.. كما يستقبل أعدادًا أخرى من الضباط والطيارين المصريين لتحصيل أرقى وأحدث ما وصل إليه العلم العسكرى فى المعاهد والكليات العسكرية السوفييتية.


وباستخدام الأسلحة والمعدات السوفييتية بالأيدى والعقول المصرية ينجح الجيش المصرى فى تحقيق انتصار عسكرى يشهد له العالم ويعطى مثالا رائعا لاستخدام الأسلحة السوفييتية فى مواجهة الأسلحة الأمريكية التى لم تبخل بها الولايات المتحدة الأمريكية على إسرائيل وخاصة الحديثة منها لتضمن تفوقها على السلاح السوفييتى ولكن المصريين يثبتون أن السلاح بمن يستخدمه ويحققون معدلات أعلى بكثير مما حددها مصنعو السلاح أنفسهم.. ويعترف السوفييت أن المصريين هم خير من وفر الدعاية لسلاحهم.


وبعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية.. وقرار الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم مساعدات عسكرية لمصر أسوة بما تقدمه لإسرائيل - وإن كانت أقل بكثير - تعرضت العلاقات المصرية السوفييتية ثم الروسية - بعد تفكك الاتحاد السوفييتى - لمرحلة من الفتور، وإن ظلت قواتنا المسلحة محافظة على ما لديها من أسلحة روسية والعمل على رفع كفاءتها باستمرار فى أفرعها المختلفة برية وبحرية وجوية ودفاع جوى. إلى أن كانت ثورة الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ جرس إنذار مدويًا بضرورة تنويع مصادر التسليح وعدم الاكتفاء بمصدر واحد، فانطلقنا نعدد مصادرنا شرقا وغربا.. مع الاحتفاظ بعلاقات متوازنة بكل القوى العالمية وفتحت روسيا أبوابها لمصر بلا تحفظات وأخذت العلاقات الروسية المصرية أشكالا من التقارب اتسمت بالتعاون الوثيق فى المجالين العسكرى والسياسى، إضافة إلى المجال الاقتصادى تخللها العديد من زيارات المسئولين على كل المستويات، بدءا بالمسئولين فى المجالات المختلفة حتى لقاءات القمة بين الرئيسين بوتين والسيسى..


ويتلقف الحاسدون أى حدث مهما صغر أو كبر لينسجوا حوله التحليلات والتكهنات.. حول وجود خلافات أو اختلافات بين الدولتين وخاصة بعد سقوط الطائرة الروسية «إيرباص إيه «٣٢١ فى سيناء ومقتل ٢٢٤ شخصًا كانوا على متنها وتنطلق تقارير إعلامية تتحدث عن وجود أزمة وتوترات فى العلاقات بين البلدين تتعلق بالاتفاق على تنفيد محطة الضبعة النووية التى ستضم أربعة مفاعلات، ستتولى روسيا إنشائها بتمويل ٪٨٥ من قيمتها، بقرض ٢٥ مليار دولار ثم يتكلمون عن كثرة زيارات المسئولين المصريين وأولهم وزير الكهرباء إلى موسكو للقاء نظرائهم الروس ومسئولى شركة «روساتوم» والكثير من التكهنات عن شروط روسية جديدة واحتمالات التراجع عن تنفيد المشروع أو تجميده، إضافة إلى التبعات التى يمكن أن تحدث فى العلاقات الثنائية بين البلدين.


ومقارنات هنا وهناك، بين موقف الحكومة الروسية من تركيا التى أسقطت عمدا المقاتلة الروسية فى تحد سافر لروسيا.. وبين مصر التى لا دخل لها بسقوط طائرة الركاب الروسية. وكيف تعيد روسيا سياحتها مع الأولى تتغاضى عن أخطائها وتعيد ما كان بينهما من علاقات.. وتستمر فى موقفها مع الثانية من عدم السماح بعودة السائحين الروس إليها.


ويجىء لقاء الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى بالرئيس الروسى بوتين فى الصين على هامش مؤتمر «العشرين» وزيارة وزير الدفاع المصرى ومعه وزير الدولة للإنتاج الحربى إلى روسيا لتؤكد عمق العلاقات وسلاماتها. فهناك على الأراضى الروسية تجرى زيارة الوزيرين المصريين لتنمية وتعزيز التعاون العسكرى بين البلدين من صفقات تسليح إلى تدريبات مشتركة إلى مجالات أخرى متعددة لصالح كليهما وإلى أرض مصر يصل وفد روسى عالى المستوى لينهى الإجراءات النهائية لعودة السياح الروس إلى مصر.


أما عن إجابة السؤال لماذا استبق الروس إلى تركيا قبل مصر؟


فالإجابة ببساطة هى نفس الإجابة على سؤال:


إذا قذف فى اتجاهين تفاحة وحجر فأيهما تتقيها أولا بيدك؟