آخرها موقعة «دوتيرتى» و«أوباما»: شتائم الرؤســــــاء

15/09/2016 - 1:38:40

بقلم - أحمد النجمى

«سليط اللسان»: بذىء فاحش، و»سليط»: فاعل من سَلِطَ، وسلُط الشخص: طال لسانه بالكلام وصار جارحًا. هكذا فى «المعجم الوسيط»، يأتيك التعريف التفصيلى لسلاطة اللسان، أو الانفلات اللفظى للناس، ومن الممكن أن يكون الإنسان طويل اللسان، لاسيما فى هذه الأيام وظروفها الصعبة التى تخرج الناس عن أطوارهم.. لكن ماذا لو كان سليط اللسان هذا رئيسًا لدولة أو ملكًا عليها؟ يقال أيضًا- فى السياسة- إن الرد القاسى من رئيس على رئيس آخر يكون مطلوبًا فى بعض الأحيان، حفاظًا من (الأول) على كرامة دولته التى انتهكها (الثانى)..!


كل هذا- وغيره- يحيلنا إليه ما كان من أمر الرئيس الفلبينى «رودريجو دوتيرتى» والرئيس الأمريكى «أوباما» الأسبوع الماضى..!


قبل نحو عشرة أيام، سُئل رئيس الفلبين «رودريجو دوتيرتى» فى مؤتمر صحفى عقده قبل مغادرته إلى «لاوس» لحضور قمة مجموعة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، عن موقفه من (أوباما) حال سأله الأخير فى القمة المرتقبة- الآسيان- عن الحرب التى يشنها فى بلاده- الفلبين- على منظمات الجريمة والمخدرات، والتى دخلت شهرها الثالث، وأوقعت ٢٤٠٠ قتيل إلى الآن..!


فبماذا رد السيد (دوتيرتى)؟ قال حرفيًا موجهًا كلامه لأوباما: عليك أن تحترم الآخرين ولا تلقى فقط بالأسئلة والتصريحات، يا «ابن العاهرة» سألعنك خلال منتدى آسيان، وسنتمرغ فى الوحل معًا مثل خنزيرين إذا فعلت ذلك معى!


وانهمكت الصحف العالمية ومواقع الإنترنت فى فحص الانفلات اللفظى الذى عرف به رودريجو دوتيرتى، فالرئيس الفلبينى له سقطات لفظية كثيرة، لا تقتصر فقط على موقفه من أوباما.. وإن كان الرئىس الأمريكى رد على موقف دوتيرتى ردًا عمليًا بإلغاء اجتماعه الثنائى معه، والذى كان مقررًا عقده على هامش القمة الآسيوية.. هذا برغم أن دوتيرتى أصدر اعتذارًا رسميًا لأوباما عن هذه السقطة اللفظية، وتحديدًا: (ابن العاهرة)!


لكن أوباما لم يكن يواجه هذا الموقف لأول مرة!


لقد شتمه الإعلام فى «كوريا الشمالية» كثيرًا.. آخر ألقابه فى إعلام «بيونج يانج»: القرد الماكر..!


أما «روبرت موجابى» رئيس زيمبابوى، فقد قال لأوباما قبل نحو سنة: إذا كنت تصر على أن توافق على زواج الشواذ، فلتوافق على أن أتزوجك، لنكون معًا مثالًا عمليًا! من قبل كل هذه الشتائم بحق أوباما، شتم الزعيم الفنزويلى «شافيز» الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش الابن واصفًا إياه بالحمار!.


وفى مجلس الشيوخ البرازيلى- ٢٦ أغسطس الماضى- علق المجلس جلسة له كانت مخصصة لإجراءات إقالة «ديلما روسيف» إثر تبادل شتائم قذرة بين مؤيدى السيدة «روسيف»- الرئيسة- ومعارضيها!.


وحين كان «ساركوزى» رئيسًا لفرنسا، زار «المعرض السنوى للفلاحة»، وهو معرض شهير بفرنسا يزوره رؤساء فرنسا كل سنة، ومن تقاليد المعرض العتيدة، أن يصافح الرئيس الفرنسى الزوار- زائرًا زائرًا- بنفسه، لكن أحد هؤلاء الزوار رفض أن يمد يده لساركوزى مصافحًا إياه، وقال له: «لا تلمسنى» لأنك سوف تلطخنى»!. انفعل ساركوزى وصرخ فى الرجل: بل انصرف أنت أيها الأبله الوضيع!.


تستدعى شتائم الرئيس الفلبينى «رودريجو دوتيرتي» - إذن - شتائم سائر الرؤساء، وهى تختلف عن بعضها البعض فى أمرين: أولًا: هناك الشتائم الصريحة، والهجوم المباشر المقصود.. وهناك «السقطات اللفظية» أو اللسانية وهذه الأخيرة غالبًا ما تكون غير مقصودة. ثانيًا.. هناك هجوم وشائم يقصد بها هدف عام ويأتى كدفاع عن كرامة الدولة ذاتها!.


لا يفوتنا نموذج الزعيم الخالد «جمال عبدالناصر» مجسدًا الأمر الثاني.. فهو ذكر فى خطاب شهد له، أن رئيس الوزراء البريطانى - زمن العدوان الثلاثى - «إيدن»، وصفه - أى ناصر - بأنه «كلب»، فرد عليه ناصر فى هذا الخطاب بعدها بسنوات: طيب انت ابن ستين كلب.!


أعداء جمال عبدالناصر يصورونها بوصفها سبًا وضيعًا وانفلاتًا لفظيًا وعصبيًا من ناصر، بينما الحقيقة أن ناصر كان يجب أن يرد هكذا، لأن من جرى وصفه بـ«الكلب» من قِبل إيدن، هو رئيس الدولة المصرية، لقد كانت إهانة للدولة كاملة ومواطنيها بالكامل..! لذا، استوجب الأمر هذا الرد من عبدالناصر..! وكل الاشتباكات اللفظية لناصر يمكن وضعها فى هذا السياق ذاته.!


يختلف هذا الموقف - الذى يطابق الأمر الثانى كما ذكرنا - عن مواقف تجسد الأمر الأول، وهو «الهجوم المباشر المقصود».!


مثلًا.. الرئيس الراحل السادات حين وصف اليسار والمثقفين المصريين فى أكثر من خطاب بـ»الأفنديات»، ليحط منزلتهم فى عيون الناس.. وملاسنته الشهيرة عام ١٩٧٧ مع «حمدين صباحي»، الذى كان فى ذلك التوقيت رئيسًا لاتحاد طلاب جامعات مصر.. تكلم صباحى أمام السادات عن استشراء الفساد.. فثار السادات ثورته العارمة وقال له: «انت بتكلم رئيس جمهورية يا ولد.. أقعد.. انت من الأرذال»!


وهناك) خناقات) سرية بين الرؤساء أيضًا، وهى تتخطى الشتائم إلى مواقف حادة بين دولتين!.


كشفت وثائق «ويكيليكس» مدى التوتر فى العلاقات الذى كان بين الرئيس المخلوع مبارك والرئيس السورى بشار الأسد.. إحدى وثائق ويكيليكس، تكشف أن تحليق طائرة للعدو الإسرائيل فوق دمشق، تزامن مع اتصال تليفونى بين مبارك وبشار، وفى اللحظة التى كان مبارك يقول فيها لبشار: ستدفع ثمنًا كبيرًا إذا استمر إيواؤك لرئيس المكتب السياسى لحماس (خالد مشعل) فى مكان سرى بدمشق.. فظن بشار أن الغارة الإسرائيلية جزء من تهديد مبارك، وهو ما اجتهد مبارك فى نفيه لبشار ولوسطاء أيضًا مع دمشق، لكن بشار لم يقتنع.!


ومن سوريا ومصر.. إلى العراق ومصر.. فى زمن مبارك أيضًا!


وثائق ويكيليكس أيضًا تكشف عن موقف جرى فى ١٩٨٩، وبعد أن انتصر العراق على إيران نهائيًا فى حربهما الطويلة.. إذ إن ثمة لقاء جمع بين صدام ومبارك والراحل المشير أبو غزالة، وإذ بصدام يشكر مبارك على الدور الذى لعبه «أبو غزالة» والقوات المسلحة المصرية لصالح الجيش العراقي، فى حربه الطويلة مع إيران.. وذكر وقائع تفصيلية، ونظر صدام إلى وجه مبارك جيدًا، فأدرك أنه يسمع هذه التفاصيل لأول مرة.. فقال الراحل صدام حسين لمبارك: إنت رئيس الجمهورية ولاّ أبو غزالة؟


ولم تمض شهور حتى كان أبو غزالة قد غادر منصبه!


فى ليبيا.. من ينسى كلمات الراحل الرئيس القذافى بشأن الثورة والثوار، كان يهاجمهم ويشتمهم ليل نهار.. قال عنهم: ليسوا سوى جرذان تتقافز من شارع إلى شارع فى الظلام ويتناولون حبوب الهلوسة لتخريب البلاد! وأثبتت الأيام صحة كلمات القذافى الذى تشهد ليبيا من بعده مآسيها التى نعرفها جميعًا!.


ولو شئنا لضربنا مائة مثل آخر على الاشتباكات اللفظية الحادة والدقيقة، البذيئة وغير البذيئة، القديمة والجديدة.. المعروفة والمجهولة، لكننا نكتفى بهذا الذى ذكرناه، لأن هذه السطور ليس هدفها إحصاء شتائم الرؤساء.!


ما نريد أن نقوله.. إن القاموس اللفظى لأى رئيس يأتى من تجاربه التى خاضها فى الحياة، ومن قبلها من انتمائه الاجتماعى - الاقتصادي.. مضافًا إلى هاتين، مشروعه السياسى وما يستهدفه.!


كان جمال عبدالناصر مثلًا قد خاض تجارب حياتية رهيبة، يصل بعضها إلى مواجهة طويلة جدًا مع الموت - مثل حصاره وقوته فى حرب ١٩٤٨ فى «الفالوجا» - وتعامله مع كل فئات المجتمع خلال تجنيده للضباط فى تنظيم «الضباط الأحرار» فى السنوات الثلاث السابقة على ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ المجيدة، فضلا عن نشأته فى أوساط شعبية بين (الجمالية) فى القاهرة وأحياء الإسكندرية الشعبية، إلى جانب صراعاته الرهيبة فى الشهور الأولى من ١٩٥٤، لكى لاتنهزم الثورة مع «محمد نجيب» و”الإخوان».. كل هذه التجارب - إذا أضفنا إليها أن ناصر ابن شريحة عليا من الطبقة الفقيرة - ثم تجاوزها إلى «الوسطى» بعد دخوله السلك العسكرى، وأضفنا إليها أن نضع فى الحسبان مشروعه لاستقلال مصر وتعظيم دورها الإقليمى والدولى، وصلنا إلى ما يكفى جدًا لتبرير رده على شتائم (إيدن) أو انفعاله أحيانًا على بعض الحكام العرب، كل هذا - أيضا - كان مطلوبًا لاعتبار «الكرامة الوطنية»!


لكن هذا المنطق يعجز عند واقعة (ساركوزى)، ابن الطبقة الوسطى الفرنسية، والذى أثرى ثراء ضخمًا.) . يقال أن وراءه فسادًا)، لماذا انفعل كل هذا الانفعال على الرجال الفرنسى الذى رفض مصافحته؟ الرجل قال له «سوف تلطخنى».. ألم يكن ممكنًا أن يرد عليه ردًا يخجله ويجعله هو المخطىء؟


نفس الموقف ينطبق على «السادات» فهو حين شتم صباحى لم يشتمه بصورة نابية بل بلغة مثقفى الأربعينيات (أنت من الأرذال)، لعل وراء هذا أن السادات كان قد أمضى سبع سنوات فى الحكم، وتمكن من الكرسى تماما.. وأعيد تشكيل شخصيته، وأعتقد أن السادات كان معنيًا بهذه النواحى.. لكن الغريب هو السؤال.. لماذا لم يرد على اتهام صباحى للدولة بالفساد..؟ كان من السهل الرد وفورًا بأنه لا أحد فوق الفساد وسوف نلاحق الفاسدين و.. و.. و....، حتى ولو بصورة خطابية على طريقة «عصا موسى»، لكن السادات حوّلها إلى موقف أشبه بخناقة .!


أما جنون العظمة فهو الذى يفسر شتيمة القذافى للثوار.. وهو - وإن كان محقًا كما أثبتت الأيام - كان من الممكن أن يتعاطى مع الموقف بصورة أخرى، غير هذه الصورة التى تحولت إلى كليب كوميدى متداول على «يوتيوب» !


يبقى السؤال: متى يضطر رئيس الجمهورية - أى رئيس - إلى استخدام قاموسه فى الشتائم؟ وهل يجوز هذا أصلا؟


أما الجواب على (متى).. فهو أن الرئيس مضطر إلى ذلك حال الهجوم على دولته، قد يأتى الهجوم اللفظى على شخصه بألفاظ نابية، فى هذه الحالة هو مضطر إلى أن يرد بالمثل، كما فعل ناصر مع إيدن، لكنه قد لا يضطر إلى مبادلة الشتائم بمثيلاتها.. وهو الموقف الذى اتخذه باراك أوباما مع الرئيس الفلبينى (دوتيرتى)، فما الرد على تعبير (ابن العاهرة)؟ لابد أن يبادله أوباما السب بنفس الألفاظ، أو أن يتخذ إجراء مهنيًا لمن سبه، وهو ما فعله أوباما بإلغاء لقائه مع دويترتى؟


الأمر «يجوز» إذن فى حالات بعينها.. لكن تبقى الحالة اللغز - حقا - هى حالة (دوتيرتى)، الذى بدأ بسبب أوباما بلا مقدمات تذكر، كان ممكنًا لدوتيرتى أن يرد ردًا عنيفًا دون شتائم، وكان سيحظى بتعاطف دولى ولو محدود لو تكلم مثلا عن (ضرورات الأمن القومى لبلاده) وأن الكرامة الوطنية تأبى تدخل الولايات المتحدة، إلى آخر هذه التعبيرات السياسية، فلماذا لم يستخدمها وآثر الشتائم؟!.. الله أعلم، من المؤكد أن البحث فى تكوينه الاجتماعى والثقافى يجيب على هذا السؤال .!