قال: تكريم روسيا «رد اعتبار لوالدى» جمال عبد الحكيم عامر: قضيتنا إعلان «مقتل» المشير!

15/09/2016 - 1:34:01

  جمال عامر أثناء حواره مع سليمان عبد العظيم    عدسة : مصطفى سمك جمال عامر أثناء حواره مع سليمان عبد العظيم عدسة : مصطفى سمك

أجرى الحوار : سليمان عبد العظيم

الحوار مع جمال عبد الحكيم عامر نجل النائب الأول للرئيس عبدالناصر، قد يحتاج لساعات وساعات، ليبوح فيها بتفاصيل اللحظات الأخيرة قبل رحيل والده «الغامض».


أسرة المشير منذ ٤٦ عاما وهى تُحاول أن تُثبت أن المشير مات مقتولاً وليس منتحراً بالسم، وما زال لديها أمل فى القضاء أن ينصف المشير الآن.


الأسرة رغم ما مر بها من ظروف قاسية فى حياة المشير وبعد رحيله، لدرجة طردهم من منزلهم فى الجيزة؛ إلا أنها لا تُفكر فى مُحاكمة الجُناة إذا تم الاعتراف بمقتل المشير.


منزل جمال ابن المشير الذى استضاف فيه «المصور» تشعر داخله أنك تعيش مع المشير فى كل تفاصيل حياته، فصوره فى كل مكان، تحكى تفاصيل حياته كقائد، وتسطر بطولات، وهزائم، ودموعا، وفرحا، وصداقة جمعت بين المشير وصديق العمر جمال عبد الناصر.


فى حوار نجل المشير حاولنا بقدر الإمكان تنميق كلامه عن عبد الناصر والناصريين قدر الإمكان، لأن أزمة المشير وعبد الناصر هى أزمة «حياة» لدى عائلة المشير. وكان الحوار بمُناسبة تكريم المشير من قبل روسيا، بعد حصوله على وسام «بطل الاتحاد السوفيتي» فى منتصف ستينيات القرن الماضى. لكن الحديث تطرق بطبيعة الحال إلى لحظات قاسية عاشتها أسرة المشير، عقب موته، وتفاصيل دقيقة، قد نسردها لأول مرة، وبعضها قد سُرد من قبل.


جمال قال إن «قضيتنا الأساسية إعلان مقتل المشير وليس انتحاره ولن نطالب بمحاكمة الجناة»، لافتا إلى أن «تكريم روسيا رد اعتبار للمشير.. وعمى حسن عامر حكى لى أن الرئيس خروتشوف قال لعبد الناصر «خد جنرالاتى وأعطنى عبد الحكيم عامر»!


«جمال» كشف عن أن والده استقال عقب هزيمة ١٩٦٧ من منصبه كنائب للقائد الأعلى للقوات المسلحة جمال عبدالناصر، وجلس فى البيت لأنه كان لا يريد أن يُهاجم عبد الناصر، وأن آخر مرة ذهب لعبد الناصر فى منشية البكرى قال له: «أستودعك .. هروح أجلس فى البلد منعا للقيل والقال»، رد عليه ناصر : «إزاى تسيبنى وإحنا فى أزمة».. تفاصيل كثيرة وأسرار مُثيرة رواها نجل المشير الراحل فى السطور التالية، فإلى الحوار.


فى بداية حوارنا كيف عرفت أسرة المشير بخبر التكريم من روسيا؟


حدثنى أحد العاملين بالسفارة الروسية، ونقل لى تحيات الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وإصداره قراراً بتكريم المشير عامر، ضمن جنرالات العالم الذين سبق حصولهم على وسام «بطل الاتحاد السوفيتي»، وهو أعلى وسام يُمنح للمتميزين عسكرياً وعلمياً على مستوى العالم. وحصل المشير على الوسام منذ أكثر من ٦٠ عاماً، خلال حكم الرئيس السوفيتى الأسبق نيكيتا خروتشوف، وهذا الوسام لا يحصل عليه أى شخص، فالحاصلون عليه فى الشرق الأوسط، ثلاث شخصيات فقط.


ومن هم؟


حصل عليه من الدول العربية فقط عبد الناصر، والمشير، وهوارى بومدين (الرئيس الجزائرى الأسبق)، ومصدرى فى هذه المعلومة هو عمى حسن عامر، ومعلوماتى أن «خروتشوف» كان يُريد منح المشير الوسام قبل عبد الناصر، ولكن قالوا له وقتها: «لا يصح ذلك لأن عبد الناصر رئيس الجمهورية»، والمشير عامر كان نائباً لعبد الناصر وقتها، وكانت هُناك علاقة خاصة جداً بين «خروتشوف» ووالدي.. والصور التى جمعتهما فى روسيا تدل على ذلك، حفاوة ومحبة لا تحدث مع أى شخص، غير أنه عندما حضر «خروتشوف» لمصر، بروتوكولياً أن من يقابله رئيس الدولة؛ لكن «خروتشوف» وزوجته وابنته وزوجها حضروا إلينا فى منزلنا بحلمية الزيتون، وعبد الناصر حضر معهم أيضاً هو وزوجته وأولاده.. وهذا يُدلل على مدى عمق العلاقة، فضلاً عن أن اللقاءات غير الرسمية كنت تجد دائماً المشير عامر بجوار «خروتشوف» وهما يضحكان، وتشعر من هذه المشاهد أن هُناك حميمية، ورغم أن عبد الناصر كان له ثقله فى ذلك الوقت؛ إلا أن «خروتشوف» كان يرتاح للمشير. وعمى المهندس حسن عامر شقيق المشير حكى لى ذات مرة عن هذه اللقاءات، أن «خروتشوف» قال لعبد الناصر «خد جنرالاتى وأعطنى عبد الحكيم عامر».. وأنا لا أقول هذا الكلام «لأن محدش هيصدقه».. ومسئول السفارة قال ثلاث كلمات إن «الرئيس بوتين يريد تكريم المشير».. ورددت عليه «إننا نرحب جداً بذلك ونشكر الرئيس بوتين وروسيا».


هذا الحديث كان تليفونياً؟


نعم، هم بادروا بالتكريم ونحن مُستعدون.


وماذا طلبوا؟


قالوا نُريد تصوير المقابر، وأنا قلت: «إننا ريفيون ولا نحب ذلك، ولا نُفضله؛ لكن أى شىء آخر نُحن تحت أمركم».. عقب ذلك بخمسة أيام فوجئنا بـ١٠ أشخاص دخلوا المقابر بدون أن يحدثونا، وأنا عرفت من البلد إن فيه أشخاص سوف يحضرون، واتصلت بأكثر من مسئول وقلت لهم المفروض أن يتم تبليغنا قبل ذلك.


وما الغرض من الزيارة هل أمنى؟


لا أمنى ولا شىء، مسألة أنه لو حضر أحد من روسيا يصور «يبقى عارفين المكان فين وهكذا».. «طبعاً أنا زعلت وحاولت الاتصال على أعلى مستوى «ومحدش استجاب طبعاً».


حاولت أن تمنع الزيارة؟


أه، حاولت منعها.


لماذا؟


لأنها مقبرة والدي، ولا يجوز دخولها لأحد «هُناك أصول فى التعامل مع حرمة الموتى!».


وهل حضر أحد من الروس مع هؤلاء الأشخاص؟


لا، طبعاً، الزيارة كان سببها معرفة أين المقابر، «فرضاً الروس أتوا هل سيظلون يبحثون عن هذه المقابر»، كُنت أفضل اللياقة أن يتصل بى أحد ولى الحق وقتها أن أوافق أو أرفض، والدى قتل ودفن تحت السلاح وفى جنازته مُنع أهل البلد من المُشاركة فيها، لم يمش فيها غير أنا وخمسة أشخاص، ولم نقم له عزاء.


وهل قرار عدم إقامة عزاء كان منكم؟


نعم، فيه شخص يُدفن بهذا الشكل ونعمل له عزاء، وهى جريمة قتل.. نحن مررنا بظروف صعبة جداً، ولا حد سأل فينا أو رد لنا الاعتبار، وكان يجب أن يأخذ المشير حقه على الأقل فى قضيته.


قضية ماذا؟


قضية إن «أبويا ما انتحرش».


وهل أنت سعيد وأفراد الأسرة بتكريم بوتين وتعتبره رد اعتبار لوالدك الراحل؟


سعيد بتقدير روسيا، ونعتبر التكريم رد اعتبار للمشير، وتقديرا من الرئيس بوتين، ونتمنى أن تكرمه مصر كما كرمته روسيا.


تقصد رد الاعتبار على مستوى مصر؟


طبعاً، بلده أجدر به، وهو الشىء الذى نتمناه والذى يجب أن يحدث، وقبل ذلك كله القضية الأساسية هى قضية إعلان قتل المشير عامر، وهذا ما يهمنى أكثر من أى مُقابل مادي، ونحن لم نطلب أى شىء.


كُنت فى الثانوية العامة وقت أن توفى المشير؟


كنت فى الثانوية وقتها، وأنا أكبر إخوتى الأولاد.


ومن هم أولاد المشير؟


من الأصغر صلاح، وسوسن، ونوال، ونصر، وجمال، ونجيبة، وآمال، وعمرو من مواليد ١٩٦٧ وهو أصغر ابن.. كنا ٨ أبناء.


وأين كان يعيش المشير قبل عام ١٩٦٧؟


فى فيلا الجيزة، وفى حلمية الزيتون كان مكتبه، وانتقل من بيت الحلمية إلى بيت الجيزة كان ذلك فى عام ١٩٦٣، وكانت إقامة دائمة لجميع أفراد الأسرة.. وبيت الحلمية «كُنا بنروح هُناك لوالدى لكن دون مبيت»، وكانت مدارسنا فى مصر الجديدة، لم ننتقل من مدارسنا عندما ذهبنا للجيزة، و«كنا نروح كل يوم ونرجع».


أنت الكبير فى الأولاد.. هل كان يتعامل معك المشير الراحل؟


أختى آمال لأنها أكبرنا سناً، كانت قريبة من قلب والدي، وهى الوحيدة التى كان مسموحا لها أن تحدثه فى أى شيء، وكان يوجهنى دائماً.


«مفيش مرة وبخك»؟


طبعاً وبخنى كثيراً، وكان غضبه صعبا رغم «حنيته»، وكُنا نجلس فى وجوده وكأننا نتحسس، وكان لديه نوع من الحزم لأنه يُحب أن نكون مُنضبطين، وكان يجمع أفراد عائلته حوله كل يوم جمعة.


كُنت فى الابتدائي، عندما قال لى والدى وكان يوم جمعة، «إنت وأخوك تخدوا العسكرى اللى معاكم وتخرجوا من المعسكر من الباب اللى وراء، على بوابة حلمية الزيتون، وتخدوا الأتوبيس وتروحوا حديقة الحيوان، ولا تركبوا تاكسى أو حتى تروحوا مشي، وقال للعسكرى ذلك»، قُلت فى سري وقتها هذا طلب غريب ولم أفهم معناه إلا عندما كبرت، أنا كنت أول مرة أركب «أتوبيس»، وهو كان يريد أن يجعلنا نتعود على الحياة الطبيعية، والناس التى تركب الأتوبيس ازاى بتتعب، وهو ده الدرس الذى كان يريد أن يفهمه لنا.


والدى ضربنى بالقلم.. هل والدك ضربك وليه؟


ضربنى من أجل المُذاكرة، هو كان يريد أبناءه أن يكونوا متفوقين، وأنا كنت من الطلبة المُتوسطين فى المستوى، لأن أخوتى كانوا نُبغاء ووالدى كان متفوقاً وكان الثانى على دفعته ويجيد الإنجليزية ويقرأ فى الفلسفة، وكان رجلا مُثقفا، وكلية أركان حرب «خدها» وهو ملازم أول ، وطلع هو الثانى وصلاح سالم الأول.. فالضباط الأحرار لم يكن أى واحد فيهم «مش قوي» كانوا أقوياء.


فى بيت الحلمية استراحة القائد العام التى من المُفترض أنها «استراحة ميرى» هل الأثاث الشخصى الذى جاء به المشير للوالدة كان هُناك؟


نعم، ولذلك عندما تم إخلاء البيت بعد حرب ٦٧ محمد أحمد سكرتير عبد الناصر، «بعت أفراد لموا العفش ووصلوه للجيزة، فتحوا البيت وأخدوا الحاجة اللى راح راح واللى اتكسر اتكسر، فقدت والدتى حاجات كثيرة منها «النياشين»، وإحنا لم نكن واعين لأى شىء.


كم كان معاش المشير؟


كان ٢٢٠ جنيها، «ولا شفنا أى حاجة تانية لا مكافأة نهاية خدمة، ولا أى شىء يخرج عن هذا الرقم».


آسف فى التعبير.. تقصد تقول إن هذا هو مرتب المشير؟


المعاش بعدما توفى، عندما استقال، «كنا لا نعرف ماهو  الذى يقبضه، واللى أعرفه عن أبويا إن الفلوس التى كان يأخذها من الدولة لا تكفيه بشىء، ويكفى أنه باع الأرض التى ورثها عن أبيه، جزء منها، حتى يجابه مسئوليات حياته، ويزوج ابنته، واستبدل معاشه وهو فى عز مجده.


استبدل معاشه «مثل» أى مواطن مصري؟


استبدل معاشه وهو النائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حتى يُزوج نجيبة أختى.. والدى ازداد فقراً ولم يملك منزلاً، وشقيقه حسن عامر ظل يقول له «خد بيت»، يرد عليه «إن شاء الله».


بعد وفاة المشير كم مرة تقدمتم ببلاغات للنيابة.. اعتقد أنك استلمت هذه المسألة من عمك حسن عامر؟


أولاً ما حدث فى التحقيق الأول أن عبد الناصر كلف محمد حسنين هيكل بملف القضية، بمعنى أنه «اتشال» من وزير الإعلام وكان وقتها محمد فايق، وكان المفروض إعلاميا أن «فايق» يدير هذا الموضوع، وأى ورقة تُمرر للصحف كان لابد أن تمر على هيكل، وهذا الكلام كتبه المستشار وزير العدل عصام حسونة فى مذكراته حيث كان يُحقق فى القضية.


«حسونة» قال إن «هيكل كان بيستعجلني» أن أنهى التحقيقات بسرعة، وكنت أقول له «لازم آخذ وقتي»، فضلًا عن إصرار «هيكل» على شطب أقوالنا من النيابة، وتم بالفعل شطب أشياء من التقرير، ويكفى أنه كتب فى ثانى يوم الوفاة فى الأهرام «انتحار عبد الحكيم عامر بسم السيانور»، وتبدل الحال بعد ذلك إلى «سم الإكنوتين»، رغم أن تحليل السموم كان فى هذا الحين يستغرق شهرا وليس يوما واحدا.


أقدر أقول إنك وعمك طلبتما فتح قضية موت المشير عامر ٣ مرات أو ٤ طوال الـ٤٦ سنة الماضية؟


عمى حسن فتح التحقيق، فى عهد الرئيس السادات بمجرد توليه الحكم؛ لكن تم التعتيم عليه، وبعد ذلك الموضوع دخل فى التقادم وكنا وقتها نريد فتحه؛ لكن لا نملك الوسيلة القانونية أننا نفتح هذا التحقيق، وعندما وجدت الوسيلة فتحناها.


وهل أنت «شايف» أنه سوف تحصلون بعد نصف قرن من الزمن على شهادة من الدولة تقول إن المشير مات مقتولاً؟


احتمال، نتمنى هذا منذ ٤٥ سنة، أنا بحارب دولة، بحارب الناصريين «كُل ما نطلع نتكلم يقولوا صدعتوا دماغنا».. من حقنا نتكلم حتى نحصل على حقنا.


إذا حصلت على قرار بأنه مات مقتولاً.. هل ستطالب بُمحاكمة الجناة؟


لن نُطالب بذلك، أُحاكم منَّ، «كُلهم ماتوا فاضل واحد أو اثنين»، المُشكلة «إنك تتكلم فى مُعادلة صعبة، وعلشان تقول إن المشير قُتل، يبقى من الذى قتله، واتقتل ليه.. وهنرجع نقول ٦٧ هى سبب مقتل المشير أم لا».


عمك حسن عامر كم مرة تقدم ببلاغات للنائب العام؟


طوال الظروف التى كان موجودا فيها جمال عبد الناصر لم نكن نقدر نفعل أى شيء، حتى الردود لم تكن تُنشر فى الصحف، أبى استقال ولم يُقل، وأبى كلم القيادة العسكرية كلها أنا هقدم استقالتى، القيادة كلها تقدم استقالتها، وحصل بالفعل، ما عدا محمد فوزى الذى عُين بعد ذلك قائداً عاماً ووزيرا للحربية، وبعد أن استقال أبى وجلس فى البيت، بدأت هُناك اتصالات من أطراف عديدة للتوفيق بينهما ، والجميع لا يعرف حجم الخلاف الحقيقى بين عبد الناصر ووالدي، لأن والدى لم يكن يتحدث، هم يريدون له أن يعود وهو لديه أسبابه، أنه لا يريد أن يضع المسئولية على عبد الناصر أو يهاجم عبد الناصر.


ومن الذين كانوا يريدونه أن يعود؟


الضُباط وغيرهم.


هيكل كان يذهب لوالدك فى البيت؟


كان يأتى ليُمسك العصا من النصف، وكان الحضور يطلبون من والدى أن يطرده خارج البيت، وأتذكر حادثة أنه عندما حدث ضرب نار فى الشارع كان وقتها هيكل عند والدى فى المكتب ومعه ضابطان، فسمعوا ضرب النار، هيكل جلس على الأرض وأخذ يصرخ من الرعب.


نسترجع قصة جلال هريدى وضرب النار؟


اللى حدث أن جلال خرج يتنزه وقت الظهر، وذهب ليشرب حاجة ساقعة من أحد الأكشاك، ولسه بيرجع جاءت سيارة مرسيدس بها ضباط فى ملابس مدنية ونزلوا واعترضوه بالأسلحة وبمدفع، وطلبوا منه أن يركب معهم، تقدم جلال ناحيتهم على أساس أنه سوف يركب السيارة، وقتها بدأوا فى الرجوع للخلف، فقام وجرى فى اتجاه البيت وضربوا عليه نار، وكنا داخل البيت، سمعنا الرصاص.. فجلال جرى ودخل البيت وسحب بندقية من واحد من قرايبنا فى أسطال، وعندما خرج كان الضباط خرجوا للسيارة فضرب عليهم جلال دفعة رشاش، وكسر زجاج السيارة، وكان والدى نزل ولقاهم مشيوا راح مكلم صلاح نصر وصوته كان جايب آخر الدنيا، وصلاح نصر قال له «مش أنا»، ومسكوا واحد تانى ضابط بيراقب وأحضروه جوه البيت، وصلاح نصر لا يُمكن أن يفعل ذلك. واتضح أنهم من المباحث العامة مكلفون بمراقبة بيت المشير.  


مكلفون  ممَّن؟     


من شعراوى جمعة، وأمين هويدي، بابا كان «جالس» فى البيت وكان هُناك من يحاول التوفيق، وتدخل عباس رضوان، وصلاح نصر الذى كانت علاقته قوية جداً بعبد الناصر.


هل شعراوى وهريدى كانا مُتضايقين من العلاقة الحميمة بين الرئيس والمشير؟


العلاقة كانت قوية، فالرئيس كان يأتى لنا للبيت فى وجود هؤلاء الناس جلال هريدى وشمس بدران، كيف يقول عبدالناصر إنهم يفكرون فى انقلاب، وبعدما استقال والدي، كان بابا يذهب لعبد الناصر فى منشية البكري، وعبد الناصر يكلمه ويقول له تعال.. آخر مرة ذهب والدى لعبد الناصر فى منشية البكري، قال له أستودعك.. «هروح أجلس فى البلد منعا للقيل والقال»، رد عليه عبد الناصر «إزاى تسيبنى وإحنا فى أزمة»، وكان شمس بدران موجوداً، وقال عبد الناصر إحنا «دلوقتى نشوف مين اللى ييجى يمسك البلد».


ومن الذى رشح شمس بدران؟


قال له عبد الناصر شمس، رد عليه والدى شمس «مين»، قال له عبد الناصر: «شمس ده»، رد عليه المشير «شمس إيه اللى هتجيبوه» القيادة استقالت كلها، وشمس ذهب مع والدى المنيا فعلاً، المهم قال والدى لعبدالناصر: «أنا راجع البلد أنا مش عايز اشترك معاك فى حاجة أنا دورى انتهى، وأنت كمل مشوارك، وفعلا ركبوا العربية وراحوا البلد أسطال، وفضل يرسل له عباس رضوان وصلاح نصر وهيكل».. ويقولوا «مش معقول الرئيس عمال يكلمك، وهو يريدك جانبه، فضلوا يتنططوا لحد ما جابوه من أسطال».


وماذا جرى بعد ذلك؟


تطورت الأحداث بعد ذلك، حتى آخر مرة ذهب إليه فى البيت وهو العشاء الأخير، والحقيقة كل الناس حذروه، إنك لو رحت هُناك سوف يعتقلك، وأمى قالت له وأعمامى وشمس، وقال لهم والدي: هذا لا يُمكن أن يحدث أبداً، وأنا لا أخاف، هو كان لا يتصور أن ذلك يحدث وحدثت مُشادة جامدة، وقتها، دخل وقال له «قاعدين بربطة المعلم».


لقى مين؟


حسين الشافعي، وزكريا، محيى الدين والسادات، وهذه الجلسة كانت مُسجلة صوتا وصورة عند سامى شرف، ومن كلام أمين هويدى الذى كان حاضراً إن المشير كان مُتسيد الجلسة، رغم كُل الكلام الذى قيل، وكُتب فى الوصية، التى منحها بابا لى فى بيت الجيزة وسلمتها لصلاح نصر ليرسلها للخارج وقت أن كانت إقامته مُحددة، وكان لنا واحد صاحبنا ساكن تحت صلاح نصر، بابا قال لي: إنت لديك واحد صحبك خد اختك كأنك رايحين لصاحبكم، وادخل أنت عند صاحبك، وخلى نوال تطلع تدى الظرف ده لصلاح نصر، وبالفعل نفذنا تعليماته، وهى طلعت لصلاح نصر».


وأنت عندك ١٧ عاماً؟


نعم، وإحنا خرجنا من البيت والسيارة وراءنا وكنا مُتراقبين، وكان لديهم شكوك، وطلعت نوال شقيقتى لصلاح نصر لأنها صديقة أخت صديقى وكانت المسألة طبيعية.. وبعدها عُدنا للبيت، هذا الوصية التى نشرت فى «لايف» بخطه وتوقيعه، وتم منع نشرها فى أى مكان، وهى الوصية التى حكى فيها هذه الجلسة، وأنه تعرض للخيانة، وأن عبد الناصر اتهمه بأنه يُخطط لانقلاب ضده، وقال له المشير: «أنا لا أفعل ذلك»، قال له عبد الناصر «يبقى لازم أحدد إقامتك، وتسكت ولا تتحدث»، فقال له المشير: «أنا لا أقدر أن أخون شرفى العسكري.. أنا هقول اللى أنا عايزه، ولو عايز تحاكمنى حاكمني، أنا مستعد لمُحاكمة عسكرية علنية».


المشير كان يريد مُحاكمة عسكرية؟


مُحاكمة علنية عسكرية، ورفض عبد الناصر، وقال له اسمى مُرتبط باسمك ولن أعمل ذلك، وصلوا لطريق مسدود، وقال له عبد الناصر إن «لم تخف على نفسك خاف على أولادك».


نعود للقضية.. كم مرة قدمت طلبا للنيابة لفتح ملفها؟


عمى حسن عامر أيام الرئيس السادات، قال له نريد أن نفتح الملف، قال له السادات: «روح أعمل اللى إنت عايزه»، وذهب عمى إلى النائب العام وطلب منه أن يُعيد استجواب الشهود، لأنهم سئلوا فى ظروف غير طبيعية، وطلب تقريرا طبيا مُحايدا غير القديم، والحقيقة النائب العام كان محترما جداً، وذهب للمركز القومى للسموم وكلف الدكتور محمد على دياب رئيس قسم السموم بالمركز الذى كتب تقريره للنائب العام، وقال فيه المشير قُتل والوفاة جنائية.


ومتى كان ذلك وبعد كم سنة من موت المشير؟


سنة ١٩٧٢ تقريباً؛ لكن قبل أن أتحدث فى ذلك، أقول كان هُناك تقرير للطب الشرعى وتم تشريح جثمان المشير، وكانت هُناك صلة بين عبد الغنى البشرى رئيس مصلحة الطب الشرعى وعمى حسن، ذهب لعمى فى بيته وسلمه أصل تقرير الطب الشرعى الموجود فى القضية، وقال له «هديلك هذا هينفعك فى المستقبل».


كيف أخذوا المشير من بيت الجيزة؟


عندما أخذوا المشير من البيت طلع عبد المنعم رياض ومحمد فوزى وسعد زغلول عبد الكريم وجلسوا، وفوزى كان تحت فى الجنينة.


ليه؟


رفض يطلع، وأنا من الصبح بطلع بره بيت الجيزة أبص، ومشيت لحد كوبرى الجامعة، وشاهدت سيارة وأخرى إسعاف، قلت لوالدى «فيه كذا وكذا»، قال لى نادى العميد سعيد الماحى قائد قوة الحراسة الخاصة بتحديد الإقامة، ولكن الماحى سوَّف الموضوع، شوية ووجدت الفريق عبد المنعم رياض قال لى والدى «خليه يطلع.. دخل على المشير».


وهل قدم للمشير التحية؟


طبعاً، ودخل بمفرده، وباقى الأفراد كانوا متواجدين خارج البيت، مفيش حد إلا الماحي.. رياض قعد معاه، قلت له محمد فوزى يجلس فى المكتب اللى فى الجنينة، قال والدي: «روح يا نصر (أخى الصغير) نادى فوزي»، نصر راح «ما رجعش».. «روحى يا نوال شوفى أخوكى فين»، شعر والدى أن العيال اتأخرت، قال لى «روح يا واد شوف اخواتك فين»، نزلت مكتب السكرتارية فى الجنينة، ببص لقيت الفريق محمد فوزى جالس بياكل مانجة قطفها من الجنينة وصوت أختى ونصر على الباب وبيصرخوا، وكان حابسهم، حاولت أن أدفع الباب، قام دفعني.. وأدخلنا إحنا الثلاثة، والباب أصلاً «مش مقفول»، فتحت الباب وجريت إلى البيت، من سلم الخدم، لقيت واحد عسكرى بيقابلنى وهددنى بمدفع رشاش، وقال لى أقف، وكان مهزوزاً، سابنى وطلعت وجرى على فوق، دخلت البيت وجدت الطرقة مليئة بضباط فى ملابس مدنية يحملون البنادق الآلية، «رحت فاتح الصالون لقيت أبويا جالس»، قلت له: «دول دخلوا البيت» وكان باب الصالون مُغلقا.. فتح والدى باب الصالون وقال لضابط عريض الجسم، إنت يا ولد بترفع السلاح علي، رد عليه الفريق رياض مهدئا: «معلش يا فندم»، بعد ذلك دخلوا الحجرة وعايزين يأخذوا والدى بالقوة، ابتدى أخوتى وأمى يصرخون، واختى نجيبة ماسكة فى بنطلون والدي.


عبد المنعم رياض قال لأختى «المشير واخد حاجة ما تخافيش إحنا هنوديه المستشفى»، وأنا ابتديت أحوش عنه، وأمى دفعوها  على الأرض»، وعشرة رجال مسكوه، حاولوا أن يدخلوه سيارة الإسعاف؛ لكن والدى رفض بشدة، فعبد المنعم رياض قال لهم «هاتوا السيارة المرسيدس». أخى نصر كانت معه عصاية رماها على زجاج السيارة، وكان والدى يجلس وسط اثنين فى المقعد الخلفى، نظر للخلف وكانت آخر مرة أشوفه فيها، وأثناء القبض عليه كان يقول «الولاد الولاد.. عايز أشوف الولاد»..


هل كانت الاتصالات وقتها مفتوحة بين الرئيس والمشير؟


لا، الاتصالات مقطوعة؛ لكن أختى آمال كانت مع زوجها حسين عبد الناصر فى المنيل، وقالت لعبد الناصر بعد حوالى ربع ساعة: «إزاى تعملوا مع بابا كدة»، واحتدت عليه، قال لها «دا هيعمل مؤامرة صدقيني»، قالت له «أنا أُصدق أبى ولا أصدقك»، وأغلق الهاتف فى وجهها، وجاءت على البيت أخذت أخى نصر وذهبوا إلى مستشفى المعادي، وعندما ذهب أبى لمستشفى المعادى الطبيب كشف عليه، وقال: «المشير واخد حاجة، نعمله غسيل معدة»، المشير قال لهم «أنا واخد إسبرين».. فوزى قال لهم «دى تمثيلية من المشير»، وتم إعطاء والدى مقيئا وكانت النتيجة سلبية وليس بها سمً، فوزى وقتها قال لازم نتحرك حالاً، قائد المستشفى اللواء طبيب عبد الحميد مرتجى قال له لابد أن يظل المشير فى المستشفى لباكر ليكون تحت المُراقبة، قال له «لازم يمشى عندى تعليمات» وذهبوا إلى استراحة المريوطية الساعة الخامسة وثانى يوم الساعة ٦ وعشر دقائق حدثت الوفاة.


لقد قرأت نص التحقيق الذى أجرى مع عبد المنعم رياض، قال أنا قلت إن المشير واخد حاجة علشان بنته تسيبه.. وذهلت بهذه الشهادة».


من هو مُحاميك فى القضية؟


عماد الدين فصيح، رحنا لمحامين كثيرين فى عام ٢٠١٠ قالوا القتل يسقط بالتقادم وحتى تفتح التحقيق لازم يكون عندك دليل.. شكلت أنا وطارق حسن عامر وأمين أخوه الكبير مجموعة عمل وكنا متضايقين، «بنام ونصحى كل يوم لازم آخد حقى»، طارق عامر قال لى عندى محامي، رحنا له وقال سيبونى شهراً وجايز نفتح القضية، وذلك قبل ثورة «٢٥ يناير» بأشهر، طلبنا عماد الدين فصيح بعد ذلك، وقال مُمكن نفتح القضية، قلنا كيف؟، قال أنور السادات عمل تشريع أن التعذيب لا يسقط بالتقادم، والمشير وقع عليه تعذيب بدنى ونفسى ، ولقوا دم هُناك فى المريوطية، «قُلنا نعمل إيه»؟، قال «هعمل» مُذكرة للنائب العام عبد المجيد محمود، وذهبت له فى المكتب، وقال له المحامى إحنا جايين علشان قضية قتل المشير، رد المستشار عبد المجيد المشير مين!، قلت له عبد الحكيم عامر، راح راجع لورا، قال لى ده بقاله ٣٠ سنة، قلت له بقاله ٤٥ عاماً، ونظر فى مُذكرة المحامي، وقال «هنلاقى الورق ده فين»، قلت له: «موجود عندكو.. راح مأشر بفتح باب التحقيق وكنا فى رمضان»، رجعت البيت قبل الإفطار لقيت زكريا عزمى بيكلمنى..


وهل كُنت تعرف زكريا عزمى قبل لك؟


أعرفه من زمان، قال لي: «الموضوع دا بلاش منه»، قُلت له موضوع إيه: قال «موضوع المشير»، قلت له: «يعنى إيه يا فندم». قال لي: «قُلت لك بلاش». «بلاش تفتح الموضوع ده تانى»؟


 قلت له: «لا مش هينفع».. رد على: «الرئيس مبارك مش عايز»، قلت له: «ليه الرئيس مش عايز»، قال «الموضوع هيقلب الدنيا علينا وعليكم»، وكان عصبياً، قلت له: «يا فندم الموضوع مش هينفع فى التليفون أجيلك إمتى»، بعدها طلبت مكتبه لتحديد موعد، ولم يردوا عليَّ وكملنا المشوار، وعرفت إن زكريا عزمى كان «بيهوش»، ومشينا فى القضية، وعبد المجيد محمود قال الموضوع يُدار فى سرية تامة «مفيش» إعلام، وقلت له موافق، عين لنا وكيل نيابة عنده فى نفس المبني، وأحضرنا الشهود، وحضر شريف عبد الفتاح وهو ضابط طبيب فى مستشفى المعادى، وكان أيام والدى رائدا أو مقدما.


من هو شريف عبد الفتاح؟


الساعة ٦ يوم الوفاة، فوزى كلم مدير مستشفى المعادي، وقال له ابعت لى دكتور باطنة، وسوف أرسل لك سيارة، راحت السيارة المستشفى وشريف ركب ومعاه مُمرض وذهبا إلى استراحة المريوطية.. وعلى حسب وصف شريف إن الحراسة كانت مُشددة على أبواب الاستراحة من جانب قوات الحرس الجمهورى، ومحمد فوزى كان يقف وهو يأكل مانجة قطفها من الجنينة، دخل شريف عبد الفتاح حجرة المشير، قابله الدكتور بطاطا وقال له: المشير حدث له تدهور مفاجئ وقئ، ووقع فى الحمام وحدثت الوفاة سريعاً.


شريف قال أنا كدكتور وجدت الحجرة مُرتبة والبيجامة مكوية، وليس هُناك آثار لرائحة القئ، المشير نائم وكتبه بجواره، فدخل فوزى وقتها وقال لشريف: «أعمل التقرير». رد عليه شريف: تقرير إيه، أنا طبيب باطنة والطب الشرعى هذا هو دوره وليس دورى.. فوزى قال له: «أنا باقولك أكتب تقرير»، رد عليه شريف لا، راح فوزى قبض على شريف، وتركوه على جنب حتى مجىء الليثى ناصف، والليثى يعرف شريف، قال له «إيه يا دكتور شريف»، سرد له ما حدث، أخذه وذهب لفوزى، قال الليثى ناصف، لفوزى: الدكتور شريف جاء من مستشفى المعادى وفيه مرضى منتظرينه ويعرفون أنه هنا، سيادتك عايزه، قال له «يمشى بس لو فتح بقه هوديه فى داهية»، وراح شريف ماشي، وعندما فتحنا التحقيق حاولت أكلمه ولكنه تهرب منا، قلت لوكيل النيابة استدعيه رسميا وجاء وشهد.. 


التحقيق الأول كان فى أى عام؟


عام ١٩٦٧، الذى قالوا فيه انتحار، ووكيل النيابة قال لى وقتها، لماذا لا تتكلم؟، قلت له لأنكم «هاطرمخوها»، واقترحنا عمل تقرير طبى جديد، وجئنا بدكتورة مُتخصصة فى الطب الشرعى والسموم وهى رئيسة قسم السموم والطب الشرعى بجامعة عين شمس، وأخذت الورق وكانت خائفة؛ لكنها وافقت، وعملت تقريرا أشطر من تقرير ذ. محمد على دياب، وشهدت بذلك فى النيابة ووضعت التقرير مع تقرير دياب، وأصبح هُناك تقريران يقولان إن «المشير قُتل»، عبد المجيد محمود حول التقريرين والأوراق لهيئة الطب الشرعى لإبداء الرأي، ورئيس هيئة الطب الشرعى أيد التقريرين بأن الوفاة قتل وليس انتحاراً.. كلمت المستشار عبد المجيد وقلت له: خلصنا التقرير والشهود شهدوا وهيئة الطب الشرعى قالت كلمتها، وليس لنا طلبات، لا أنا عايز أتهم حد أو أقاضى حد، أريد منك بيانا أن هذا الرجل قُتل نعمل العزاء ونقول «سلامو عليكم».


تعملوا العزاء ولن تطالبوا بمحاكمة من القتلة؟


«مش عايزين حاجة» هدف أسرة المشير الوحيد أن يتم الاعتراف بأنه مات مقتولاً وليس منتحراً.


إحنا لا بنصفى عداوة مع أحد، ولا إحنا نريد مُهاجمة أحد، نريد الانتهاء من موضوع أبونا ويأخذ حقه.


وهل ساءت علاقة عبد الناصر بشقيقه حسين عبد الناصر؟


حسين عبدالناصر «شاف المر»، وسامى شرف ولع الدنيا بين حسين وعبدالناصر، «دا مع المشير ودا ضدك، وبيقعدوا مع الطيارين» «وهذا لم يحدث، وحسين لم يكن يأتى بأى سيرة للرئيس جمال معنا، وإحنا كُنا بنعمل حسابنا أننا لا نسىء لعبد الناصر فى وجود شقيقه.. وحسين كان أحسن واحد فى عائلة عبد الناصر وأخيه منحه إجازة مفتوحة وكان ضابطا فى القوات المسلحة، وانخفض راتبه، جاب تاكسى وشغل عليه واحد، وفضل جالس معنا فى البيت، وبعد ٨ أشهر حسين قال: «هتمشوا إزاي، كدة فلوسكم خلصت، لازم حد يقابل عبد الناصر لحل الموضوع»، أنا قلت له: لن أقابله.


حسين قال لزوجته اذهبى للرئيس لحل الموضوع، وتحدثت مع آمال، وقالت لى هروح وأنا كنت كاره ذلك، طلبت محمد أحمد وكان سكرتير الرئيس، وكان يحب بابا كثيراً، قلت له أنا وآمال عايزين نقابل الرئيس، وحدد ثانى يوم، رحنا منشية البكرى، ودخل عبد الناصر علينا وسلم، وآمال طبعاً واخدة عليه وكان ذلك فى عام ١٩٦٨.


آمال زوجة حسين عبد الناصر؟


نعم، وتحدثت معه عن العنف الذى حدث فى اعتقال المشير، وهو مندهش رغم أنه يعرف دبة النملة فى البلد، قلت له: يا فندم الراجل دة خدم البلد وكان ضابطا فى القوات المسلحة وكان يستحق معاشا، لو شايف أنه يستحق امنحنا وإن كان لا يستحق بلاش، وقال لى عبد الناصر: إيه تانى، قلت له السيارة الملاكى الخاصة به التى أخذتوها عايزينها، وهُناك سيارة أخرى خاصة بأبى وهو كان يركبها وتم التحفظ عليها «ماركتها كاديلاك»، وقال لى أى عربية، قلت له نفس شكل العربية التى كانت تركبها «طنط تحية».


قُلت له «طنط تحية» ولم تقل له يا عمى؟


ولا عمرى أقولها له، هما أولاده كانوا يدلعوا على بابا أكثر من أبوهم، وأولاده قالوا «لما كنا بنعوز حاجة كنا بنطلبها من المشير».


وبماذا رد عليك؟


قال لى طيب، انتوا زى أولادى بصيت له ولم أرد عليه، بعدها بعتوا السيارة و٣ عربيات و٢ سواقين والمعاش إتعمل»، وهى المرة الوحيدة والأخيرة التى التقيته فيها.


عندما مات «مشيت» فى جنازته؟


لا، أمشى فى جنازته إزاى؟.


أليس لك علاقات بعبد الحكيم وعبد الحميد و خالد جمال عبد الناصر؟


تربينا مع بعض طول عمرنا، وهما منغلقون لحد بعيد، وكنا أصحاب.


ومن أصحابك منهم؟


خالد فى عمرى وميدو (عبد الحميد) الأقرب لى.


ولماذا عبد الحميد مُختف؟


هو مريض، وميدو كان يحدثنى كثيراً فى الهاتف، دون لقاءات ويُحاول أن يتواصل معى دائماً، وأنا أحبه لأنه قريب مني.


وعبد الحكيم وهدى؟


عبد الحكيم كان «عيل» وقتها، وهدى كانت صديقة آمال.


وهل ما زالت تتصل بآمال؟


أحياناً تتصل بها.


وهل يوجد تزاور اجتماعى بينهن؟


لا، وأنا فى موضوع القضية، قلت لأخواتى إن «فيه قضية وأبونا قُتل وإحنا مصاحبين أبناء عبد الناصر ونتصل بهم.. أنا هقطع صلتى بهم نهائياً حتى لو بالتليفون»، وكانوا يزورونا ويأتون للعزاء عندما يكون لدينا حالة وفاة.


لكن متىالعلاقات قطعت؟


عندما توفى خالد لم أحضر العزاء، وقطعت صلتى بهم، و«ميدو» كان زعلان، وقلت له مش ممكن ينفع.. وأصلا العلاقة انتهت وبها شرخ، لكن هم كانوا يحاولون أن يتقاربوا.


وماذا عن اللجنة التى أمر بها السادات وكان مبارك رئيسها؟


السادات شكل لجنة لعمل تاريخ الثورة وأسباب هزيمة ١٩٦٧، رئيس اللجنة مبارك النائب، كان بها ٣ لواءات ماسكينها، اللجنة بحثت كان فى حاجتين إن عبد الناصر قال إن فى يوم ٥ يونيه سيكون فيه ضرب، بحثوا فى «الحتة دي، مكنش فيه لأن الرسائل مشفرة»، اتصلوا بالخارجية الفرنسية، وقالوا «مفيش ورقة بتقول هذا الكلام»، وهذه المحادثة غير مثبتة عندنا، بحثوا فى كل الرسائل المشفرة، لم يجدوا أن هذا الكلام قيل، لم يحدث، الأمر الثانى الإنذار الوحيد ورفع درجة الاستعداد للدرجة القصوي، كان من المشير نفسه أنه هيحصل هجوم على مصر، وحكاية ٥ يونيه، أُفسرها ببساطة، كيف كان عبد الناصر يعرف إننا سوف ننضرب يوم ٥، ويأمر القائد العام والقيادة يذهبوا للجبهة؟، كيف حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء العراقى طاهر يحيى «طالعين» الجبهة فى نفس اليوم للزيارة؟، ورئيس الجمهورية مبلغ القيادة بأن الهجوم يوم ٥.. حلها أنت، فيه واحد كذاب.


وماذا قالت اللجنة؟


أخلت ذمة المشير عامر تماماً، وأنه رفع درجة الإنذار للدرجة القصوى، ومحدش عمل أى إجراء غيره.


ولماذا هذا لم يُعلن؟


اتقفل، لكن خرج اللواء مصطفى ماهر وكتب فى الوفد هذا الكلام، أنه فى يوم ١٢ مايو فى أبو صوير لما دخل عبد الناصر القاعدة ودخل المطار ووجد الطائرات «مستفة» ودخل وجلس مع الطيارين، وكان معه المشير عامر وهيكل، والباقى ضباط، عبد الناصر كلم الطيارين وقال لهم نتحمل الضربة الأولى، الضباط «هاجت وقالوا له دى «مُقامرة» والناس بدأت تخرج عن الانضباط، طبعاً المشير قال لهم بس، فهيكل وهو خارج قال لأبي: «شوف صاحبك بيقول إيه.. ما كنش عاجبه كلام عبد الناصر»!


ومين قال لك هذا الكلام؟


الضباط الذين كانوا موجودين، المهم والدى قال للضباط إن يسكتوا، وخرج هيكل وكتب ثانى يوم فى الأهرام علينا أن نتلقى الضربة الأولى، وكلم والدى عبد الناصر وقال له: أنت جايب الراجل دا ليه ؟ .. هل هذا كلام يقال فى جريدة، قال له عبد الناصر إنتا فاكر إن اليهود بريالة هيصدقوا هذا الكلام، قال له «هيصدقوا ما يصدقوش ليه واحتد معه».


وفى ١٦ مايو ١٩٦٧يوم «خطة فجر» وكان هُناك حالة استنفار من الدرجة الأولى والطيارون ركبوا الطائرات مع أول ضوء حتى يضربون الطائرات الإسرائيلية، وقوة مُدرعة تدخل النقب وتحتل إيلات، وهذا كان السيناريو الذى يُنفذ، جونسون كلم رئيس الاتحاد السوفيتى وقال له الجيش المصرى هيضرب الفجر، مع أول ضوء، امنع الضربة، السفير السوفيتى الساعة ٣ صباحا دخل السفير على سامى شرف، وقال «عايز الرئيس»، دخل قال له الجيش المصرى هيضرب مع أول ضوء، الرئيس كان يعرف، أنا بقول لكم لازم نلغى الضربة لأن الاتحاد السوفيتى هيحل الموقف، عبد الناصر أمسك التليفون كلم والدى وقال له إلغى الضربة، قال له: «إزاى مش ممكن»، ناصر قال له: «باقولك الغيها وحدث صدام قوى بينهما»، وقال له ناصر: أوعى تعمل حاجة من وراء ظهري.. إلغى الضربة أنا المسئول.


ناصر قال للمشير أوعى تعمل حاجة من وراء ظهري؟


نعم، وتم إلغاء الخطة فجر.


آسف فى التعبير من أخرجكم من بيت الجيزة؟


خرجنا بعدما توفيت والدتي..


فى التسعينيات بعد العزاء قالوا لنا «عايزين بيت الدولة»، كُنت أنا وصلاح وسوسن ونجيبة مقيمين فى البيت، ورحت قابلت المشير أبو غزالة، وكان أيامها مساعد رئيس الجمهورية فى منزله، قال لي: إنت جاى علشان موضوع البيت، قلت له: أيوه، قال: أنا كلمت الرئيس مبارك وهو رفض، قلت له: يافندم إحنا مش عايزين نقعد فى البيت، البيت بقى أسوأ ذكرى فى حياتنا، كل اللى عايزينه إننا متزوجون وليس معنا أموال لنؤجر شققا محتاجين شوية وقت، ومعندناش بيوت، ولدينا عائلات، أنا وصلاح، قال: طيب بص باكر كلمني، وأنا هحل لكما موضوع الشقق، ثانى يوم كلمته أخلى شقتين لى ولصلاح من عمارات الضباط فى الجيزة، الشقة صغيرة ١٠٠ متر، نقلنا فيهما وسبنا البيت.


والدك تولى لجنة تصفية الإقطاع.. لماذا؟


لأن عبد الناصر كان يُريد أن يشغله عن الجيش»، وقال له عبد الناصر تمسك الاتحاد الاشتراكي، بابا رفض، وقال له: انت عايزنى أمسك الزبالة دى؟!


هل أعمامك خافوا أن تطولهم اللجنة؟


«أُخذ منا ٢٠٠ فدان من أصل٥٠٠ فدان، وطُبق علينا قانون الإصلاح الزراعي، وقال والدى «مش عايز أسيب على صبرى والناس دول هيقطعوا المصريين.. أنا مسكتها رأفة بالناس»، وفعلاً قابلت ناس كثيرة بعد ذلك، قالوا لى: المشير أنقذنا وحل مشاكل كثيرة جداً.


والدك كان بيقول له يا جمال أم ماذا؟


أه يا جمال، ولو فى حد غريب يقول له «يا ريس»، كانت بينهما علاقة خاصة جداً.


أبو غزالة كيف كان يتعامل معكم؟


عندما كان وزيراً للدفاع، وكنت فى فريق الفروسية المصرى، والاتحاد الرياضى لا يريد أن نسافر لتمثيل القوات المسلحة، ذهبت لأقابله لأقول له نحن ٥ من أبطال الجمهورية فى الفريق العسكري، والاتحاد الرياضى يقول إننا دون المستوى، ونريد أن نسافر لتمثيل القوات المسلحة، صدق وقتها على السفر، قال لى : يا جمال يا ابنى: سيادة المشير عبد الحكيم عامر أبو القوات المسلحة هو الذى عمل هذا الجيش وإحنا تلامذته».. وعندما توفيت والدتى حضر لنا للعزاء فى البيت.


فى آخر حوارى.. ما هى آخر مرة بكيت فيها على الوالد من الظلم؟


كتير ، لكن لوحدي، عمرى ما بكيت أمام أحد، وكانت تأتى على لحظات أغلق على حجرتى وأبكى.