خبراء نفسيون واجتماعيون: المخدرات والبطالة والمغالاة فى الزواج وراء انتشار الظاهرة

15/09/2016 - 1:18:45

تحقيق : إيمان النجار

«اغتصاب براءة .. اغتصاب كرامة .. اغتصاب آدمية»مصطلحات يمكن تداولها عندما يبدأ الحديث عن حالات الاعتداء علي الأطفال ، الخبراء النفسيون والاجتماعيون، أكدوا أن هناك عوامل مجتمعة أدت إلي هذه الظاهرة « المسكوت عنها»، موضحين فى الوقت ذاته أن ما يتم الإعلان عنه من هذه الحالات لا يتعدى ١٠ ٪ من الواقع الفعلي، و لحين علاج هذه العوامل المجتمعية طالبوا بوجود عقاب رادع ومعلن وسريع للجناة.


بداية، قال د. سعيد عبد العظيم، أستاذ الطب النفسي بطب القاهرة : الاعتداءات الجنسية علي الأطفال ليست ظاهرة مصرية فقط ، لكنها موجودة في مختلف دول العالم ، ووجودها فى المجتمع المصري لم يصل إلى حد الظاهرة، لكن ما حدث أنه تم تسليط الضوء من قبل وسائل الإعلام المختلفة ، وعلينا أن ندرك هنا أنه مثل هذه الوقائع تزداد مع تزايد مشكلات المجتمع سواء مشكلات اقتصادية أو اجتماعية أو أسرية ويرتبط معها الجهل أيضا، ومن المعروف أن هذه الاعتداءات تعد نوعا من الاضطراب في تحديد نوع العلاقة الجنسية والمفترض أن تكون بين أشخاص بالغين ، وأحيانا تكون انحرافات فى اختيار موضوع الجنس في كون الضحية طفلا أو طفلة، وأحيانا يصاحبه جرائم أخرى منها قتل الضحية « الطفل أو الطفلة « ، أو تهديده بالقتل أو الفضيحة وتخويف الطفل إذا أبلغ أحدا ، وللأسف المغتصب أو المعتدي هنا قد يكرر نفس الفعل حتي بعد عقابه أو بعد قضاء مدته في السجن ليخرج ويكرر نفس الجريمة.


وتابع «عبد العظيم»: «نوع آخر موجود في مصر وهو الحرمان الجنسي، بسبب عدم وجود فرص للممارسة، فنجد شابا بالغا وليس لديه فرصة للممارسة الجنسية، لعدم توفر فرصة للعمل ومن ثم تحسن المعيشة وعدم قدرته على الزواج، إلي جانب العنف فى الجانب التربوي والأخلاقي خاصة في البيئات الفقيرة والتي تزيد فيها معدلات الجهل ، وفي حالات آخري نجد الشخص المعتدي هو نفسه تعرض لحالة اعتداء وهو صغير ، وعند كبره مع عدم توفر فرص للزواج ، في حين لديه رغبة واحتياج نفسي جنسي يتجه لاختيار ضحاياه من الأطفال ، وعادة ما يكونون من الجيران.


موضحا أن «الاعتداءات كما هو ملاحظ ليست موجهة لأنثى فقط ، فنجد حالات اعتداء على أطفال ذكور ، فالجاني موضوعه الطفل سواء بنتا أو ولدا ، هو يستمتع بانتهاك الطفل ويستضعفه ، أحيانا نجد حالات اعتداء بين الأقارب بمعني أن الأم مثلا تترك الطفل في رعاية أحد الأشخاص من أقاربها أو أقارب الزوج أو زوج الأم وهنا يتم استغلال ضعف الطفل ، ولوحظ أيضا حدوث اعتداء من مدرسين ، والملاحظ أيضا أن الجاني يختار المكان لتنفيذ جريمته فنجده يختار مكانا مهجورا أو غير متوقع أن يفكر فيه أحد ، ففي الواقعة الأخيرة كانت في حمام مسجد ، لأنه يعلم أنه لن يخطر ببال أحد تواجده في هذا المكان ، فاختياره للمكان لا يكون عشوائيا « .


بالنسبة للتأثير النفسي على الطفل، قال «عبد العظيم»: انتهاك الطفل بهذه الصورة يحدث له صدمة قد تعيش معه طوال العمر ، أيضا قد تحدث له تمهيدا لانحراف جنسي فيما بعد فنجده فيما بعد يتجه لممارسة الجنس مع ولد أو بنت وقد يشجع آخرين، ومن الممكن أن يطلب تكرار الفعل وقد يصل لإغراء الأكبر منه ، وكل هذه تبعات نفسية قد تحدث للطفل ، وتظهر على الطفل علامات واضحة منها السرحان باستمرار ، إهمال دروسه وقد تكون هناك آثار علي جسده من كدمات أو احمرار .


وحول الخطوات الواجب اتخاذها حال تعرض الطفل لمثل هذه النوعية من الحوادث، قال «د. عبد العظيم»: المفترض أنه في حال تعرض الطفل لواقعة مثل هذه لابد من تدخل نفسي ، والطفل يستغرق وقتا للتعايش مع المشكلة والصدمة ، ويحتاج لوقت ورعاية من الأسرة وأحيانا تدخل أخصائي أو طبيب نفسي ، فالطفل يمكن أن يتعرض لحالة فقدان للشهية والتعرض لكوابيس وأحلام مفزعة وعدم الكلام ، وبعض الحالات من البنات تكبر معها الواقعة وعندما تصل لسن الزواج ترفض الزواج لأن العلاقة في نظرها أصبحت اغتصابا ، و حتي لو تزوجت تشعر بعدم الرغبة والألم عند الممارسة.


موضحا أنه «يفضل أن يركز الآباء وخاصة الأم علي فكرة التقرب من الطفل ومحاولة زيادة شعور الطفل بالطمأنينة والثقة وعدم مضايقته بتذكر الموضوع ، وإقناعه بإمكانية التغلب على المشكلة ورفع معنوياته ، وإقناعه بعد الخوف ، لأن بعض الأطفال يخافون من التعامل من الآخرين بعد تعرضهم لهذه الواقعة، ويرفضون الخروج من المنزل، كل هذا الأمور يجب تداركها بالمتابعة، وإشراكه مع أطفال آخرين واللعب ، وأحيانا يتم اللجوء للعلاج الدوائي لأن الطفل قد لا يستطيع النوم .


وفيما يتعلق بـ«حلول الأزمة»، قال الخبير النفسي: « الحل لمواجهة هذا الظاهرة له شقان الأول: الشق العقابي فلابد من عقاب رادع وتغليظ العقوبة على المعتدي، والشق الثاني : مجتمعي يرتبط بمواجهة ظواهر عدة منها تعاطى المخدرات بأنواعها المختلفة، مواجهة البطالة المتزايدة، إعادة النظر في المغالاة في المهور وتكاليف الزواج .


فى سياق ذي صلة، قالت الدكتورة ليلى كرم الدين، أستاذ علم النفس بمعهد الدراسات العليا للطفولة بعين شمس، رئيس لجنة قطاع دراسات الطفولة ورياض الأطفال بالمجلس الأعلى للجامعات، ما نرصده من حالات اغتصاب واعتداء جنسي على الأطفال وضع محزن جدا ، فمجتمعنا مجتمع إسلامي يحترم الطفل والأنثى بشكل خاص، مجتمع تحكمه الأخلاق والقيم ، ولكن تكرار هذه الوقائع يعكس ما حدث في المجتمع من انهيار للقيم والأخلاق ، وما يعاني منه الأطفال من حرمان داخل الأسرة أولا ، حرمان في الرعاية وعدم التربية ، وغياب المثل الأعلى ، وتراجع اهتمام الآباء بالأبناء ، فالاهتمام يبدأ من فترة الحمل حتي يدخل المدرسة فهذه الفترة في يد الأسرة عموما والأم على وجه الخصوص ، لكن للأسف ضعف هذا الاهتمام ، والأكثر من ذلك أن هناك آباء ليسوا على دراية وفهم كاف لكيفية التربية السليمة للأطفال واحتواء الأطفال .


أستاذ علم النفس بمعهد الدراسات العليا للطفولة، أكملت قائلة: الشخص المعتدي لو لقي من البداية الاهتمام والرعاية والتربية السليمة ، على القيم والأخلاق ، لو وجد من يحبه ويجسد له المثل الأعلى لم يكن ليفعل ذلك ، لكنه عاني هو الآخر من الإهمال وتركه الآباء حتي وصل إلي هذه النتيجة من الخروج على كل الأعراف والقيم ، ونجده يقدم على هذا الجرم دون تفكير.


الطفل الذي تعرض لواقعة الاعتداء - كما ترى «كرم الدين»- هو ضحية فالطفل تأذي وانجرحت مشاعره و شعر بعدم القيمة ، منهم من يستطيع الخروج من هذه الأزمة ، ومنهم من يتحول معه الأمر إلي كره للمجتمع ومن الممكن أن ينقلب على المجتمع كنوع من الانتقام».


أما الدكتورة إجلال حلمي، أستاذ علم الاجتماع بكلية آداب جامعة عين شمس، فقد أوضحت أنه « في مختلف أنواع الجرائم ما يكتشف يعادل نحو ١٠٪ فقط من الذي يحدث فعلا ، وهذا نفس الحال بالنسبة لجرائم اغتصاب أو الاعتداء على الأطفال، فما نعرفه ما يعلن عنه فقط، خاصة أن جرائم الاغتصاب من الجرائم المسكوت عنها ، خاصة إذا ما حدثت في نطاق الأقارب أو الأسرة ، وعموما القليلون فقط الذين يعلنون عنها ، و تشترك عدة عوامل في مثل هذه الجرائم منها غياب المعايير الأخلاقية لدي من يقوم بهذه الجريمة، فلا توجد معايير تحكم سلوكهم ، أيضا الوازع الديني غير موجود لديه ليمنعه من القيام بهذه الجريمة الشنعاء ، التي تعد وسيلة مهدرة لآدمية ونفسية الطفل وتؤثر علي فيه لآخر العمر ، هذا إلي جانب غياب الرادع القانوني ، فللأسف التعامل مع الجرائم المماثلة ليس سريعا وغير معلن وبالتالي لا يوجد رادع للآخرين ، بل الأكثر من ذلك أنه في بعض الحالات للإفلات من العقاب يقال إن الجاني مريض نفسي أو لأسباب أخرى «.


د. «حلمي» استطردت قائلة: هذه السلوكيات الخاطئة للأسف ليست جديدة ، لكن الملاحظ هو الحديث عنها أكثر من ذي قبل ، وهذا يرجع إلي كونها من الوقائع التي لا تفصح عنها الأسر لأمور تتعلق بكلام الناس والوصمة ، دون وعي كاف بالتأثير النفسي والفيزيقي على الطفل فيما بعد ، وهذا بالطبع يزيد شعور التخوف لدي الأمهات ، لكن الحل ليس في منعهم من الخروج علي سبيل المثال ، كما أنه من غير المنطقي تخصيص حارس للأبناء أو احتجاز البنات ، فالموضوع أيضا يطول الأطفال الذكور .


وأضافت بقولها: الظاهرة تحتاج لدراسة متعمقة ، فبمتابعة الحالات لا نقدر تحديد هوية المغتصب ولا يوجد حكم مطلق أو مواصفات معينة ، فقد لا يكون فقيرا أو عاطلا ، فقد يكون لديه أموال ويرتكبها ، قد تكون المعايير الدينية جيدة وكذلك الاقتصادية لكنه مريض نفسي ، أو يعاني عقدة منذ صغره كبرت معه، ففي الأبحاث التي أجريت على المتسربين من المنازل أو أطفال المؤسسة العقابية وجد أن الطفل الذي تعرض لواقعة تحرش في صغره أحدثت له مشكلة نفسية تجعله في الكبر يقرر ممارستها مع آخرين ، وبنفس المقياس عندما ننظر لجرائم التحرش ، فكنا نقول إنه يحدث للبنات ثم وجدناه يحدث للمتزوجات ، قلنا إنه يحدث في حالة العري وجدنا أنه يحدث للمحجبات فكلها سلوكيات تفسرها الدراسات ، إذن الأخلاق والسلوك الحميد ومراعاة القيم الدينية والخوف من العقاب ، كلها عوامل مجتمعية اقتصادية ، اجتماعية ، أخلاقية ، نفسية يدفع الجاني للقيام بهذا السلوك «.


كما أكدت أيضا أن مواجهة الظاهرة تتطلب في المقام الأول وجود عقاب رادع ومعلن وسريع ، فما يحدث هو الانتظار بين المحاكم والقضاء لسنوات ، ومن هذا المنطلق فتطبيق القانون وتغليظ العقوبة جزء مهم في مواجهة الظاهرة ، إلي جانب مراعاة بقية الجوانب المجتمعية – حسب تأكيدها.