توت عنخ آمون يودع وسط البلد!

15/09/2016 - 12:53:44

تقرير : أمانى عبد الحميد

قريبًا، تغادر مقتنيات الملك توت عنخ آمون، مقر إقامتها الحالي، فى المتحف المصري، فى وسط القاهرة، تسلّم على المارة فى الطرقات والشوارع، حتى تصل إلى مستقرها الأخير عند عتبات الأهرام، والجبّانة الملكية داخل المتحف الكبير فى الجيزة. هذه الرحلة تجرى وفق جدول زمنى سقفه ١٢ شهرًا.


الحكاية، بدأت بالفعل، هناك ٥٠ ٪ من مقتنيات الملك الصغير، قطعت رحلة شاقة، بناءً على خطة علمية تبنتها وزارة الآثار بعد موافقة اللجنة العلمية بالمجلس الأعلى للآثار وقام بتنفيذها فريق عمل مكون من الأثريين والمرممين المتخصصين على أمل افتتاح المتحف المصرى الكبير فى أكتوبر ٢٠١٧ بناء على توجيهات الرئيس.


عبد الفتاح السيسى أبدى اهتمامه البالغ باستكمال مشروع المتحف الكبير تمهيدا لافتتاحه فى أكتوبر ٢٠١٧ خلال اجتماعه مع د.خالد العنانى وكان من أهم نتائج اللقاء تسريع وتيرة أعمال البناء للانتهاء من مبنى المتحف المخصص للعرض المتحفى ووضع جدول زمنى لإتمام عمليات نقل القطع الأثرية من مختلف المخازن والمتاحف الأثرية المقرر عرضها داخل المتحف الكبير خلال مراسم الافتتاح, لكن الأهم هو البدء الفورى فى عمليات نقل ما تبقى من مقتنيات الملك توت عنخ آمون من داخل المتحف المصرى بالتحرير حيث سيتم عرض مجموعته كاملة وعددها حوالى خمسة آلاف قطعة أثرية داخل قاعة مخصصة للفرعون الذهبى بالمتحف الكبير, لذا قررت وزارة الآثار وضع جدول زمنى لتسارع الزمن لإتمام عمليات نقل مقتنيات الفرعون الصغير خلال ١٢ شهرا فقط على أن يظل عدد من القطع الفريدة الخاصة بالملك داخل العرض ولا يتم نقلها إلا عندما يحين موعد افتتاح المتحف الكبير حتى لا يؤثر ذلك على حركة السياحة الأجنبية والتى تأتى لترى مقتنيات توت الذهبية بالتحرير, بتكلفة بسيطة تعتمد على الاكتفاء الذاتى بوزارة الآثار وبفريق عمل مكون من ١٨ أثريا متخصصا فى عمليات الترميم والتغليف والنقل نجح المتحف الكبير فى استقبال آلاف القطع الأثرية بلغت حوالى ٣٩ ألف قطعة أثرية على حد قول د. عيسى زيدان مدير عام الترميم والمسئول عن عمليات نقل القطع الأثرية إلى المتحف الكبير, بعدما قامت إحدى الشركات بالمطالبة ب ١٠٠ مليون دولار للقيام بنقل ١٠٠ ألف قطعة إلى المتحف المصرى ,الوزارة قررت الاعتماد على الفريق المصرى بالتعاون مع مؤسسة «الجايكا» اليابانية التى قامت بتوفير بعض من مواد التغليف وعربات النقل مجهزة لنقل الآثار للقيام بالمهمة الشاقة , وأكد أن الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة قد ساهمت فى تسريع وتيرة العمل ووضع إمكانياتها تحت الطلب.


زيدان يوضح أن» مقتنيات الملك تم نقلها من عدة مواقع منها المخازن الأثرية بمتحف الأقصر ومخزن «على حسن» علاوة على مقتنياته الموجودة بمخازن المتحف المصرى بالتحرير,قائلا : «لم يعد هناك قطع أثرية للملك توت داخل المخازن..» حيث تم نقلها جميعا إلى المتحف الكبير,ومنذ ثلاثة أسابيع تقريبا بدأت عمليات نقل القطع المعروضة للملك من داخل العرض بالمتحف حيث سيتم نقل حوالى ٥٠٠ قطعة أثرية خلال شهر سبتمبر الحالى وصل منها إلى المتحف حتى الآن عدد ٣٧٦ قطعة من مقتنيات الملك كانت من ضمن العرض بالمتحف المصرى بالتحرير, وأوضح أن الاختيار وقع أولا على القطع التى لا تؤثر على العرض المتحفى والقطع التى تحتاج إلى ترميم, وأن عددا من القطع سيظل معروضا داخل القاعة ٥٥ بالمتحف المصرى إلى حين الانتهاء من مشروع المتحف الكبير وفاترينات العرض المخصصة له حيث سيتم نقلها عندما يحين وقت الافتتاح, وأكد «زيدان» أن المتحف المصرى كان يعرض حوالى ٢٧٠٠ قطعة أثرية تخص الملك توت واليوم يعرض فقط حوالى ٢٠٠٠ قطعة فقط معظمها لا مثيل لها وفريدة من نوعها والتى لا تزال معروضة داخل قاعته بالدور الأول ومنها قناعه الذهبى ومقاصيره الخشبية المذهبة وأسرته وتابوته العظيم وقلادته وكرسى العرش وأوانى الألباستر التى لا مثيل لها من أصل ٥٠٠٠ قطعة أثرية تم اكتشافها داخل مقبرته بوادى الملوك على يد هيوارد كارتر.


لذا بدأت وزارة الآثار فى إجراء دراسات علمية وأثرية على أمل التوصل إلى طريقة مثلى لنقل عدد من القطع الخاصة بالملك توت ومنها المقاصير الخشبية والأسرة المذهبة والعجلات الحربية ووضع خطة لأعمال توثيقها وترميمها ونقلها بشكل يضمن سلامة وصولها, وأوضح «زيدان» أن اليابان شاركت فى دراسة وتوثيق العجلات الحربية وإحدى الأسر وقطع من النسيج الخاص بالملك توت وترميمهم ونقلهم, وأكد أن حوالى ٥٠ ٪ من مقتنيات الملك توت المعروضة لا تحتاج لعمليات ترميم وأن حالتها جيدة وسيتم نقلها عند افتتاح المتحف الكبير ومنها القناع الذهبى والتوابيت وكرسى العرش.


وأكد «زيدان» أن قبل القيام بنقل أية قطعة أثرية تتعرض لعملية تدعيم وترميم أولى حتى لا تتعرض لأية مخاطر خلال نقلها, مشيرة إلى أن هناك قطعا كانت قد خضعت لعمليات ترميم سابقة بطرق قديمة باستخدام مادة الشمع على سبيل المثال كان يجب تخليصها من تلك المواد الترميمية لأنها قد تسببت فى إحداث أضرار بها وبالتالى كان يجب أن يتم إزالة تلك المواد وفك القطع وترميمها قبل نقلها إلى المتحف الكبير ,مشيرا إلى أن من المفضل نقل القطع الأثرية وهى مفككة لضمان عدم تعرضها للكسر ثم إعادة ترميمها بشكل كامل وإعادة تركيبها بعد نقلها داخل معامل ترميم المتحف الكبير.


وأشار د. أسامة أبو الخير مدير عام شئون الترميم  ورئيس لجنة نقل الآثار بالمتحف المصرى الكبير إلى وصول ٥٢٥ قطعة أثرية من المتحف المصرى بالتحرير منها ٣٧٦ قطعة من مقتنيات الملك توت عنخ آمون وأنه بمجرد الانتهاء من عمليات فض التغليف سيتم إدخال القطع الأثرية إلى معامل الترميم حسب نوعها كتقليد متبع مع كافة القطع التى يتم نقلها للمتحف، لافتا إلى أنه تم إعداد تقرير عن حالة كل قطعة كما تم إجراء أعمال الترميم الأولى للقطع ذات الحالة الحرجة, ومن ناحيته أكد محمد عطوة مدير شئون الآثار والمعلومات أنه تم الانتهاء من  إعداد سيناريو العرض لكافة القطع الأثرية التى تم نقلها للمتحف وإدراجها على قاعدة البيانات الخاصة بالمتحف, ومن بين القطع التى تم نقلها لوحة من الجرانيت عليها خرطوش الملك خوفو، فى حين تم نقل رأس تمثال من الجرانيت الوردى لأسد وميزراب من الجرانيت، ولوحة جنائزية بالإضافة إلى مجموعة من تماثيل الأوشابتى، ومجموعة من الألواح وأدوات الكتابة من مجموعة الملك توت.


ويصف د. طارق توفيق المشرف على مشروع المتحف الكبير عملية نقل القطع الأثرية بأنها عملية :» شاقة وتحتاج إلى حرفية عالية ودقة متناهية..» حيث إن هناك فريقا من الأثريين يقوم بتغليف كل قطعة على حدة طبقا لحالتها والخامة المصنوعة منها, ثم نقلها تحت حراسة الشرطة إلى داخل مخازن المتحف, علما بأن سيارات نقل الآثار تسير ببطء شديد لضمان سلامة وصلها بأمان حتى لا تتعرض القطع لاهتزازت, تلك الإجراءات ستصل إلى ذروتها عندما يتم التعامل مع مقتنيات الملك توت عنخ آمون, موضحا أن المتحف الكبير سيقوم بعرض مجموعة الفرعون الذهبى بالكامل وستكون المرة الأولى التى يرى فيها المصريون والعالم أجمع مقتنيات الفرعون الذهبى الصغير داخل قسم خاص له بعد ترميمها بالكامل بالمتحف الكبير, حيث تم تخصيص قاعة عرض مساحتها حوالى سبعة آلاف متر مربع, مشيرا إلى أن قاعات الملك سيكون ترتيبها فى العرض مباشرة بعد قاعة الاستقبال الأولى والتى يطلق عليها اسم «الدرج العظيم» أو البهو الرئيسى للمتحف هو أول ما يستقبل الزائرين, وهى عبارة عن قاعة سقفها يزيد على ٢٨ مترا,سيكون أول ما يقابل الزائر تمثال رمسيس الثانى داخل تلك القاعة بعد أن خضع لعمليات الترميم الشاملة تحت إشراف من مؤسسة المعونة الدولية اليابانية «الجايكا» , سيتصدر القاعة ومن حوله القطع الضخمة من آثار مصر التى قام ببنائها أو نحتها ملوك مصر القديمة قد يتراوح عددها من ١٠٠ إلى ٢٠٠ قطعة أثرية, كلها مرتبطة بالملكية المصرية القديمة, القاعة تستعرض الفكر المصرى القديم الذى جعل للملكية دورا كبيرا فى معتقداته الدنيوية والأخروية ,علاوة على توضيح الدور المحورى للملك والذى أدى إلى تطور الدولة المصرية وتفوقها فى العمارة والإدارة والعلوم والفنون العسكرية, ثم يتبع الدرج العظيم قاعة الملك توت عنخ آمون لأنه الملك الوحيد الذى تم العثور على مقبرته كاملة وبالتالى فهو الحالة الملكية الوحيدة التى تؤكد على عظمة الملكية المصرية القديمة.


وأوضح د.»توفيق» أن المتحف بدأ فى تنفيذ التوصيات التى خرج بها مؤتمر الملك توت عنخ آمون والتى جاء من ضمنها تشكيل لجنة أثرية مصرية يتم تزويدها بخبراء أجانب لوضع خطة واضحة لعملية نقل آثار الفرعون الذهبى ذات الحالة الحرجة مثل العجلات الحربية والمقاصير المذهبة المعروضة داخل المتحف المصرى بالتحرير إلى المتحف المصرى الكبير بميدان الرماية، وكذلك التوصية بعرض المنسوجات الخاصة بالملك بطريقة تبادلية للحفاظ عليها داخل قاعات المتحف الكبير, إلى جانب تزويد مركز الدراسات الخاص بالملك توت عنخ آمون والذى بدأ إنشاؤه العام الماضى بناء على توصيات المؤتمر بقناة نشر إلكترونية لنشر كافة الدراسات والأبحاث المتعلقة بالملك, والاستعانة بخبراء الترميم لوضع تصور أفضل طريقة عرض متحفى بشكل يتناسب مع قيمة القطع ولا يؤثر عليها بشكل سلبى أو مضر خاصة فيما يتعلق بالقطع الأثرية التى تتأثر بالضوء.


وعن المتحف المصرى بالتحرير وما سيقدمه فى أعقاب رحيل مقتنيات الملك توت أكد د.حسن سليم أستاذ المصريات بجامعة عين شمس وعضو اللجنة العلمية المسئولة عن اختيار سيناريو العرض المتحفى أن أهم مهام اللجنة هى الحفاظ على هوية المتحف المصرى فى ظل خروج عدد من القطع الفريدة منه, حيث إن وزارة الآثار قررت بأن يكون المتحف مخصصا لعرض ملامح الفن المصرى القديم مشيرا إلى أنه مكون من بدروم وطابقين, ويحوى حوالى ١٠٠ ألف قطعة أثرية والمطلوب من اللجنة التعامل مع القطع الأثرية واختيار أفضل القطع التى ستمثل الفن المصرى القديم وتكون فى الوقت نفسه عنصر جذب للزوارأيضا, حيث ستعتمد اللجنة العلمية على كتالوج االمتحف المصرى للقطع الأساسية والمميزة, والذى قام بإعداده د.محمد صالح وسوليزيان, وبالرغم من رحيل تلك القطع المميزة عن المتحف إلا أنه أكد أن العرض سيحوى قطعا أثرية «رائعة الجمال ومتميزة..» على حد قوله, مشيرا إلى الاهتمام بالحقب الزمنية ويضرب مثالا بفنون ما قبل الأسرات مثل رأس «ماريمدا» التى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ, أول منحوتة فى العالم القديم وتم العثور عليها منذ عشرين عاما فى منطقة بنى سلامة, ووضعها بجوار قناع «هيراكوبوليس» الذى عثرت عليه حديثا بربارة آدمز,ويؤكد أن اللجنة قررت الاستعاضة عن عرض ١٥٠ ألف قطعة والاكتفاء بسبعة آلاف قطعة فقط مميزة فنيا ومتكاملة على حسب الترتيب الزمني, وأكد د.»سليم» أن اللجنة العلمية قررت الاستعانة بعدد من القطع الأثرية المخزونة داخل المتاحف الأخرى لعرضها داخل السيناريو الجديد ويضرب مثالا بقطعة فريدة لا مثيل لها عبارة عن رأس للملك منكاورع متمثلا فى هيئة أجنبية إغريقية مخزونة داخل صندوق بمتحف بورسعيد لضمها لمجموعته الملكية بالمتحف, كذلك تمثال زوجة الملك «جدف رع» وهى أول ملكة تمثلت على هيئة أبو الهول, وهو تمثال داخل متحف السويس, من الممكن جلبه وعرضه لأنه من القطع المميزة, للتأكيد على جماليات الفن المصرى القديم بقطع مميزة تحكى تاريخ إبداعات المصريين القدماء, موضحا أن الدور الأرضى سيتم تخصيصه للقطع النحتية الضخمة وللنقوش الحجرية والعناصر المعمارية, ومنها تمثال امنحات الرابع أمام تماثيل رمسيس الثانى كأول ما يقابل الزائر, فى حين سترحل تماثيل الإله بتاح إلى المتحف الكبير, وهنا يوضح أن السيناريو الجديد سيعرض المجموعات الأثرية داخل الطابق الثانى خاصة بعد رحيل مجموعة الملك توت عنخ آمون, مثل مجموعة «ميكت راع» ومجموعة «يويا وتويا», علاوة على كنوز «تانيس» الذهبية والتى تعتبر فى جمال كنوز الملك توت لكنها تحتاج إلى عرضها بطريقة لائقة تسمح للزائر بالاستمتاع بها فى مساحة مناسبة لها, وهنا يؤكد أن اللجنة تضع عين اعتبارها هوية المتحف فى اختيار القطع وطريقة عرضها خاصة أن يحوى قطعا أثرية رائعة الجمال لا يعلم عنها أحد نتيجة التكدس داخل القاعات والفاترينات.