الأديب سعيد الكفراوى: أكتب على «طراطيف صوابعى»!

15/09/2016 - 12:52:12

  سعيد الكفراوى فى حوار مع شيرين صبحى- عدسة: شيماء جمعة سعيد الكفراوى فى حوار مع شيرين صبحى- عدسة: شيماء جمعة

حوار: شيرين صبحى

يعلو صوت موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ملقيا على الأماكن ظلالا هادئة.. بينما تنسحب أشعة الشمس مع اقتراب المغيب ليبدأ الجو فى الاعتدال مودعا نهارات الصيف الحارة.. على المكتب هناك أكثر من كتاب مفتوح، «أسئلة الكتابة» لموريس بلانشو، «موت ارتيميو كروث» لكارلوس فوينتس، «الصخب والعنف» لويليام فوكنر.. وعلى الحائط تقبع نتيجة تحمل صورة الأديب الراحل يوسف إدريس، أوراقها توقفت عن السقوط توقفت عند شهر مايو، من الشرفة أشجار وارفة عدة تطل، يشير إليها ويقول «أنا زارع الزرع ده بإيدى علشان أحس إنى لسه فى القرية».. باختصار نحن فى حضرة الأديب سعيد الكفراوى.


من داخل مكتبته يلتقط كتابا ضخما يحمل عنوان «زبيدة والوحش» يضم مختارات من أعماله ويحتوى على ست مجموعات قصصية، رسم اللوحات المصاحبة للقصص ابنه الفنان التشكيلى عمرو الكفراوي، لهذا يعتبره أحب أعماله إلى قلبه، يقلب صفحاته ويشير إلى الرسومات بحنان لا يخلو من لمحات فخر.. ويبدأ بعدها فى سرد حكاياته. وإلى نص الحوار:


بداية.. سعيد الكفراوى الذى خبر الدنيا عرك الحياة وعركته هل يمكن القول أنه لا يزال واقفا على عتبات الدهشة؟


الدهشة إذا فاتت كاتبا، فقد علاقته بالكتابة، نحن لا نكتب إلا ما يُدهش، المفارق للواقع، أنا أنتمى لجيل لا يكتب الواقع، إنما يكتب بالواقع. بمعنى أن حياتنا الواقعية عندما نكتب نصا أدبيا، تكون على «طراطيف صوابعنا» نكتب بها، تلك القصة التى تتحدث عن رجل ذهب إلى القرية يسأل عن عائلته فوجدهم يبنون «تربة»، ما استدعى لملمة العظام القديمة، أخبره ابن عمه أن تلك العظام المختلطة لابد أن يعاد دفنها، قلب الجوال فسقط عدد من الرءوس، وبدأ يقول للسارد (أنا) هذه أمى عرفها بعدم وجود أسنان فى الفك العلوي، وهذه جدتى عرفت رأسها الصغير، وهكذا، وكنت الشخص الوحيد الذى رأى أهله بعد موتهم، هذه الحكاية التى يقدمها الواقع جاهزة يعجز أى فن عن كتابتها، كيف تحول هذا الواقع إلى فن؟ هذا هو السؤال المطروح على ككاتب، أضفت لها إضافات بالبحث عن الأب الذى لم يجده، وبعد سنوات طويلة وقف أمام المرآة وهو فى عمر والده وصرخ «أبويا.. أبويا».


القصة تقول نحن المصريين سلالة من سلالة من سلالة، إلى يوم الدين. مثل هذه الموضوعات لا تُكتب دون دهشة، دهشة الاكتشاف والآراء الأولى والمعجز فى الشخصيات التى تكتب عنها. الكتابة دون دهشة هى كتابة جافة لا تعبر عن حقيقة الكاتب.


سعيد الكفراوي.. ابن ثورة يوليو التى وصفها بـ»البائسة» وابن هزيمة يونيو والمعتقلات.. هل كل هذه الانكسارات تسببت فى وجود هاجس الموت والحزن الذى يخيم على أجواء كتاباتك؟


أحببنا لعبد الناصر حبه للفقراء لكننا لم نحب له وضع المفكرين والأدباء ورجال السياسة فى السجن وتلخيص الحياة السياسية فى أحزاب هشة مثل الاتحاد الاشتراكي، والنتيجة بعد ٦٠ عاما يجيب عليها الواقع بما فيه من سلبيات وتخلف فى التعليم والقيم وغياب وعى الشعب وما يجرى الآن على الساحة.


بالقياس على ما ذكرته عن ثورة يوليو.. هل هناك جيل جديد ضد ما جاءت به ثورة يناير؟


فى يناير كتبت نصا أتصور فيه أنى ذهبت إلى ميدان مصطفى كامل فوجدت توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين، فنادى توفيق الحكيم وسألنى هى الثورة فين؟ فقلت له فى ميدان التحرير، تفضلوا معي، فوقفوا على السياج ورأوا حالة تشبه المعجزة، فالسارد اقترب من طه حسين وسأله تحب أوصف لك حاجة؟ فأجابه: توصف لى ايه أنا شايف كل حاجة..!


هذا كان فرحنا بالثورة، كانت لحظة وأيام جسدت حلما طال زمنه ٦٠ عاما، جسدت لحظة الانتقال من الضرورة إلى الحرية، جسدت وعيا حلمنا به وعبره على تغيير العالم، وأن تنتقل مصر من بؤسها الحقيقى إلى حرية حقيقية، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهى السفن وجاء الإخوان ثم حدثت انتفاضة ٣٠ يونيو وهكذا مضت السنوات من سيئ لأسوأ لغياب المجتمع المدنى ووضع الناس فى السجون واستبدال السلطة العسكرية نفسها بالشعب، وغياب الأحزاب الحقيقية وغياب الرؤى والاهتمام بالثقافة والتعليم.


والآن.. نحن فى انتظار حل حقيقى لمشاكل مصر يقوم أولا على دولة مدنية، ثانيا سيادة القانون، ثالثا إعطاء الحرية لكل فصائل الشعب، والإفراج عن الناس فى السجون حتى تكتمل الصورة والثورة، وقيادة البلد نحو الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني.


تجربة اعتقالك أوحت لنجيب محفوظ بكتابة رواية «الكرنك».. الوقائع التى تحدث الآن ألم توح لك بكتابة مشابهة؟


أثناء الشباب انخرطنا فى العمل السياسي، وكان لنا موقف واحد واضح تجاه سلطة القمع التى كانت موجودة ليس فى مصر فقط بل على مستوى العالم العربي، أتذكر يوم اغتيال غسان كنفانى الأديب والمناضل الفلسطيني، فى ١٩٧٢، كنا نجلس على مقهى ولا نعرف ماذا نفعل، جاء يوسف إدريس نفخ فى روحنا باعتباره أحد الثوار بالكتابة والفعل، فقمنا بمظاهرة فى زمن لم تكن مصر تعرف فيه المظاهرات حيث توجد حالة الطوارئ وقبل الحرب بشهور قليلة، وكان السادات يرفع شعار سنة الضباب وعدم الفعل، «مشينا فى البلد يحمينا يوسف إدريس».. الناس كانت هكذا فى شبابها.


الآن جيلى أصبح همه الحقيقى أن يعبر عن المتغيرات التى حدثت فى مصر بالكتابة، ونظرا لضيق الوقت وزحمة ما عنده، يتفرغ تماما للكتابة مشاركا فى ندوات عامة أو بيان ضد سلطة، بمعنى أننا لم نعد نعمل بالسياسية بشكل مباشر.


كل هذا النضال سواء على الأرض أو بالكتابة لماذا لم نصل إلى الحرية والخلاص المنشودين؟


الكتابة تطرح أسئلة حول الاحتمالات، وعبر الكتابة سواء فكرية أو إبداعية، وعى الناس يلقى بهم إلى ساحة السياسة، أما الذى يغير فهو الفعل السياسى من خلال الأحزاب التى بالضرورة لكل حزب جيد مفكر جيد يفكر ويمهد ويخلق له احتمالات التغيير، ليس على الإطلاق عدد من الكتاب غيروا النظام السياسي، لا يغير النظام السياسى إلا الأحزاب ذات الأغلبية المؤثرة فى الشارع والتى تمتلك برنامجا سياسيا ورؤية للمستقبل وأسئلة عن الواقع ومنجزاته، أما الكتابة فتمهد الطريق أمام الثورة، وحتى الآن لا توجد أحزاب أو جماعات حقيقية، وكل ما نراه الآن سلطة العسكريين والجيش تقود البلد على المستوى المدنى والاقتصادى والسياسى وهذا جربناه عبر ٦٠ عاما والنتيجة أن تحولت مصر من دولة مدنية ليبرالية يسودها القانون إلى دولة الحزب الواحد أو الرئيس الواحد.


وفقا للمعطيات التى تراها.. هل نحن الآن نعيش دولة الرئيس الواحد؟


نعم دولة الرئيس الواحد والذى يهيئ نفسه أن يستبدل نفسه بالأمة.


هل هذا يعنى أنك تتنبأ بنكسة أخرى؟


هناك متغيرات حدثت بالضرورة. لو تابعنا الضغط العالمى على مصر الآن على كل أشكال النشاط السياسى والاقتصادى والاجتماعي، نكتشف أن الأمر لم يعد مثل الستينيات والسبعينيات، بل هناك قوى عظمى تتدخل لإدارة البلدان، نحن إحدى الدول التى عليها هذا الضغط بسبب ما جرى فى الفترة القصيرة الماضية، العالم المتمدين يرى أن ما حدث فى ٣٠ يونيو انقلابا وليس ثورة، فنحن لم نعد مطلقين السراح فى إدارة دولتنا، هناك قوى أخرى تراقب وتقرر، لننظر إلى ما جرى فى تركيا، ورأى القوى العظمى فيه.


«داعش» بنت حرب العراق، عندما قال بوش إن العالم بعد صدام حسين أجمل من قبل، من رحم هذه الكلمة خرجت كل جماعات الإرهاب التى تحكم العالم الآن، ولهذا أقول على أى نظام سياسى أن يحترس أن ثمة قوى عظمى تدير هذا الكون.


بعيدا عن الحديث السياسي.. الكاتب الراحل جمال الغيطانى كان يكتب حتى يقاوم النسيان.. لماذا يكتب سعيد الكفراوي؟


«الغيطاني» كان دائما يقول «هو بكره راح فين»؟ كما أنه انشغل بزمن تاريخي، وقراءته فى الصوفية جعلت مشاعره دائما مع الزمن والنسيان والإحساس بالموت. مرة قلت له إنى مت، وأنا مت بالفعل إحدى المرات، حيث سمعت الطبيب يقول لآخر «معانا رجل ميت»، على أساس يعطينى الحقنة التى تذيب الجلطة، فى الغيبوبة وجدت نفسى أسير فى عين شمس ورأيت والدى وفى لحظة شهقت، فسمعت الطبيب يقول «النبض رجع» فأدركت أنى غبت عن الحياة نصف دقيقة، رويت هذا للغيطانى فأصابه الجنون. كان يعلم أن قلبه متعب، وبدلا من أن يستريح ظل يكتب خشية من الموت فمات!


هل يمكن القول أنك تقدم مواساة للحياة بالكتابة عن الموت؟


لا أكتب عن الموت، الموت فى نصوصى دعم للحياة، وأكاد أكون الكاتب المصرى الوحيد الذى يتواجد فى نصوصه الموت الفرعوني، الموت عندهم استكمال لدورة الحياة واستمرار للبعث، فعندى دائما الموت -رغم وجوده الفادح- إلا أنه يحمل بشارة أن هناك حياة أخرى أجمل، ليست الآخرة بل فى الدنيا.


كما أن الكتابة عن الموت تخدم عندى عددا من المعاني، وتفجر داخلى الحنين وتجعلنى أقاوم فعل الزمن، أحد أبنائى يقول «غيتى أن أستحوذ على زمن يضيع».


تروى قصة عن رجل يعود قريته يبحث عن والده الذى رحل، فيقابل رجلا ضربه الزمن، يحدثه ويقول: أنا سعيد. يرد الرجل: سعيد مين؟ يجيب الشاب: سعيد ابن صاحب عمرك سلامة. فيتساءل الرجل: سلامة مين؟!.. فكرة المحو وكل هذه المعانى لا توجد سوى فى الضمير القروي، أنا وخيرى شلبى وعبد الحكيم قاسم ومحمد البساطى نكتب عن القرية القديمة التى لم تعد موجودة، ونحاول أن نحافظ عليها وعلى ذاكرتها، لذا تكثر فى أعمالنا البيوت الطينية والناس القديمة والشيوخ والأحلام والأساطير.


قصصى ممتلئة بالأساطير وبها مشترك إنساني. عندى قصة عن فتاة كفيفة تذهب إلى الكُتاب كل يوم، ثم ماتت، ويوم دفنها أمر الشيخ الأطفال فى الكُتاب أن يحملوا المصاحف مفتوحة على الشمس، فرأى أحد الأطفال عظام الميتين فتكونت علاقته بالموت. كتبت القصة وأثناء وصفى لدخول البنت المقبرة بكيت بكاء مرا.. ذهبت إلى الدنمارك وتم ترجمة القصة وقراءتها على الدنماركيين، وجاءت ممثلة الدنمارك الأولى تقرأ القصة، فظل صوتها يتهدج وفجأة انخرطت فى البكاء. فسألت أحد الحاضرين لماذا بكت؟ قال إنها بكت حين دخول الفتاة المقبرة، وهو نفس الموضع الذى بكيت فيه، فأدركت أن للألم معنى واحد..!


نحن نعبر عن ذاكرة قديمة كان بها مواصفات جدلية الحضور والغياب، الطفولة والكهولة، الزمن، جدلية القرية والمدينة، موجودة فى ١٢ مجموعة قصصية وهى اختيارى أن الشكل الأمثل الذى عبرت من خلاله عن تجربتى القصصية.


من وجهة نظرك ما الذى ينقص الثقافة المصرية؟


ثقافة الحقبة الليبرالية كانت تتسم بوجود حركة نقد تحرث الأرض قبل الإبداع وتقدم مدارس الكتابة الجديدة،ونحن صغار قرأنا الوجودية فى مجلة «الكاتب المصري» التى يرأس تحريرها طه حسين، وقام بترجمة سارتر وكافكا وهيمنجواى وأنطوان دى سانت أكزوبيري، كل هؤلاء عرفناهم عند طه حسين فى بداية ظهور الوجودية. هؤلاء الرواد من ينبهون إلى الكتابة الجديدة وما يجرى فى الدنيا.


من الإجابة السابقة ننطلق لنسأل هلى ترى أننا ليس لدينا نقاد أم لدينا فساد نقدي؟


القليلون المؤثرون موجودن مثل صلاح فضل، جابر عصفور، فيصل دراج فى الأردن، المغاربة أمثال عبدالفتاح كيليطو وعابد الجابري، ليس نقدا أدبيا فقط بل فكر أيضا. لكن غلب النقد الصحفى القائم على المصالح والمجاملة، وهذا لا يصلح تيارا أدبيا، لذا هناك انهيار وغياب للنص الجيد وهناك عدم اهتمام بتيارات الكتابة الجديدة التى تحمل أشياء بديعة ومختلفة، شباب مختلفون تماما تربوا على الصورة والتقنيات الحديثة وسماع الموسيقى، وهذا يتبدى فى أعمالهم، مطلوب ناقد على هذا المستوى، يبشر بهذه الكتابة.


طبعا هناك هراءات لا أول لها من آخر، لكن هناك كتابة مستقرة عند طارق إمام ومنصورة عز الدين ونائل الطوخي، هؤلاء يستكملون ما لم يقدمه الرواد ويضيفون إضافات تعبر عن زمنهم.


لكن الحضور قليل بسبب غياب نقد حقيقى يقدم هذه التيارات، ليس هؤلاء فقط، بل جيلان قبلهم لم يبشر بهما أحد، الثمانينيات والتسعينيات لم يبشر بهما. مازال النقاد الرواد هم من يساهمون فى الكتابة عنهم، وسط غياب إعلام كامل يخاصم الثقافة المحترمة والكتاب المحترمين، كذلك القناة الثقافية مهتمة بشئونها الخاصة، لذلك الثقافة المصرية لم يعد لها التأثير الذى كان يصنع الحدث فى السابق حتى هزيمة ١٩٦٧، حيث كانت الثقافة المصرية فاعلة تشارك فى الحدث وتعبر عن المتغيرات وترسم المستقبل عبر نماذج الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، ودور المسرح المصرى فى تلك الفترة كان مذهلا شاهدنا فيه الروائع، لكن الآن غلبت التفاهة واتسمت الثقافة العربية كلها بلا استثناء، بقلة القيمة!


«وأشعر أنا بالخوف أن ينقضى زمانى فلا أرى ما أرى ذلك الذى أمسك به الآن».. ما الذى تخشى أن ينقضى الزمان دون تحقيقه؟


يرعبنى أن يكون فى وعيى ومخيلتى عدد من الشخصيات سوف يُكتبون، فيدركنى الموت، فتموت وتدفن معى الشخصيات، أى جرم يواجه به الكاتب خالقه لو لم يكتب شخصياته؟! الإفراج بالكتابة عن شخصيات موجودة فى وعينا ونصوصنا جزء من العملية الإبداعية، وجريمة أن يموت الكاتب ولديه شخصيات ذهبت إلى العدم!


ما الشخصيات التى تطاردك وتخشى ألا تكتبها؟


مثلا رواية «بطرس الصياد»، وهناك رواية أخرى، ومجموعتان قصصيتان جاهزتان وأريد أن أنتهى من «قمر فى حجر الغلام» وهى عبارة عن ٢٠ نصا عن صبى اسمه علي، كتبت منها الكثير، وسوف أنتهى منها هذا العام ولو فعلت المستحيل لأنى بدأتها منذ ٦ سنوات، وأنا كاتب قليل الكتابة وأحب القراءة أكثر من الكتابة، ولو هناك كتاب جيد وكتابة تقف على الباب تنتظرنى أن أكتبها، أنتهى من القراءة أولا، كما أننى رجل مصاب بمرض الخوف من الكتابة، يعنى أجلس على المكتب وأنا «موسوس» والثقة ليست على مستوى رفيع.