من ألبان الأطفال إلى حديد التسليح الاحتكارات تتحكم فى المصريين

15/09/2016 - 12:41:34

بقلم- عزت بدوى

إن أخطر ما يهدد الاقتصاد المصرى بل السلم الاجتماعى فى البلاد وهو سيطرة حفنة من الرأسماليين الجدد لا تزيد أعدادهم عن ثمانين رجل أعمال على مقدرات الشعب المصرى واحتكارهم لكافة السلع الأساسية والاستراتيجية الضرورية للحياة المعيشية اليومية بداية من لبن الأطفال الرضع إلى السكر والشاى والأرز والزيت والقمح واللحوم والدواجن والأعلاف إلى الملابس الجاهزة والمنسوجات وصولاً إلى الأسمدة والأسمنت وحديد التسليح.


نعم ثمانين رجل أعمال بالورقة والقلم يسيطرون على اقتصاد مصر ويتحكمون فى أسعار وكميات كل ما يتعلق بمأكل ومشرب ومسكن المصريين، مستغلين فساد الإدارة والأجهزة الحكومية وغياب الرقابة الفعالة على الأسواق وعشوائية القوانين التجارية والعقوبات الهزيلة على جرائمهم البشعة، فالقانون لا يفرق فى العقوبة بين أم باتعة بائعة اللبن الذى فسد من حرارة الجو وبين مستورد اللحوم الفاسدة فالقضية واحدة رغم أن أم باتعة لا تملك من حطام الدنيا سوى خمسمائة جنيه تجمع بها الألبان من الفلاحين، وملك اللحوم الفاسدة يغرق البلاد بآلاف الأطنان من اللحوم منتهية الصلاحية والمخصصة لأكل القطط والكلاب ليبيعها للغلابة بأسعار باهظة محققاً مليارات الجنيهات من الأرباح الطفيلية مستغلاً ثغرات القوانين وفساد “ذمم” بعض ضعاف النفوس فى الأجهزة الحكومية.


مافيا الاحتكارات فى مصر توحشت وأصبحت تشكل دولة داخل الدولة بنفوذها وأحوالها وتحكمها فى الأسواق وقدرتها الفائقة على افتعال الأزمات فى السلع المختلفة وإثارة الجماهير والاضطرابات الاجتماعية، إذا ما فكر أى نظام المساس بمصالحها، من هنا جاءت الحملة الشرسة ضد القوات المسلحة فى الأسبوع الماضى حينما شعرت بضميرها الوطنى ومسئوليتها الدستورية فى حماية الأمن القومى فى البلاد داخلياً وخارجياً إن هناك أزمة مفتعلة فى ألبان الأطفال الرضع لإجبار الحكومة على التراجع عن تطبيق منظومة وصول الألبان المدعمة إلى أمهات الأطفال المستحقين بدلاً من تسريبه إلى مصانع الحلويات خاصة أن علبة الدعم الجزئى تباع بسعر ١٧ جنيهاً للعبوة بينما تباع مثيلتها لدى الصيدليات بـ٦٠جنيهاً للعبوة الواحدة.. ورغم أن الدولة تدعم لبن الأطفال بنصف مليار جنيه سنوياً للحفاظ على سعره بـ٥ جنيهات للعلبة المدعومة دعماً كلياً و١٧جنيهاً للمدعومة دعماً جزئياً لجأت مافيا محتكرى استيراد ألبان الأطفال من الخارج مستغلين عدم وجود مصنع واحد وطنى لإنتاج هذه الألبان واحتكارهم استيراده إلى رفع السعر الحر إلى ٦٢ جنيهاً مما دفع السماسرة إلى جمع شهادات الميلاد من أمهات الأطفال التى تحتاج هذه الألبان للضغط على منافذ توزيع اللبن المدعوم جزئياً بـ١٧جنيهاً مما أدى إلى اختلاق أزمة وحرمان الأطفال، من الحصول على الألبان لتدخل القوات المسلحة إحدى المناقصات لاستيراد ٢٠ مليون علبة تصل البلاد فى منتصف الشهر لبيعها إلى الصيدليات مباشرة بسعر ٢٦ جنيهاً للعبوة وبيعها للجمهور بـ٣٠ جنيهاً بدلاً من ٦٢ جنيهاً التى فرضها المحتكرون على المواطنين.


ما يحدث فى الألبان التى لا يزيد عدد محتكرى استيرادها عن أصابع “اليد” يتكرر فى استيراد السكر والذى تم رفع أسعاره فى الأسبوع الماضى إلى ثمانية جنيهات ونفس الأمر نجده فى اللحوم والأعلاف والقمح والأسمدة وغيرها.


ومنذ عدة سنوات بكت الوزيرة الفاضلة فايزة أبوالنجا حينما كانت تشغل منصب وزير التعاون الدولى وتصدت لمافيا احتكار استيراد اللحوم من الخارج بعدما قاموا برفع الأسعار بشكل مبالغ فيه قبل موسم عيد الأضحى فاستطاعت أن تبرم اتفاقا مع مربى الماشية الكبار فى السودان لاستيراد اللحوم المبردة الطازجة بسعر ١٤جنيهاً للكيلو الواحد، ولكن فوجئت فى ذلك الوقت بزميلها فى الوزارة الدكتور يوسف بطرس غالى وزير التجارة والصناعة فى ذلك الوقت والذى كان منحازاً لكبار مستوردى اللحوم يهددها بإفشال الصفقة ولن يدخل مصر كيلو لحم واحد، الأمر الذى دفعها لرفع الأمر إلى رئيس الحكومة وظلت تقاتل حتى تمت الصفقة وحرصت على أن تكون فى استقبالها فى مطار القاهرة الدولى وهو الأمر الذى يؤكد مدى نفوذ وقوة المحتكرين ومحاربتهم للحكومة ذاتها.


كسر الاحتكارات هو المواجهة الحقيقية لإعادة بناء الاقتصاد المصرى وحماية المواطنين من جشعهم فالجميع يعلم أن تكلفة طن حديد التسليح كانت لا تزيد عن ٢٢٠٠ جنيه للطن الواحد فى عام ٢٠٠٣ وكان أحمد عز ملك الحديد يبيع الطن بـ٣٦٠٠ جنيه للطن مبرراً ذلك أنه لو نزل بالسعر أقل من ذلك سيتم إغلاق جميع مصانع الحديد فى مصر، بل عند مناقشة قانون المنافسة ومنع الاحتكار داخل مجلس الشعب وقف بالمرصاد لتشديد عقوبة المحتكرين وتصدى لإعفاء المبلغين من العقاب وتم صدور القانون المشوه الذى يشجع الاحتكار ولا يحمى المستهلكين، لقد آن الأوان لفتح ملف احتكار السلع الأساسية والاستراتيجية فى مصر ووضع التشريعات التى تفكك هذه الشبكة العنكبوتية التى تتحكم فى مصائر المصريين وقوت يومهم.