“الهند.. وعبدالناصر.. والسيسى... وأنا”

15/09/2016 - 12:37:52

  حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم : حمدى الكنيسى

كان من الطبيعى أن يتوقف قلمى أمام قمة العشرين التى استضافتها الصين، وكان من الطبيعى أن أتوقف بشكل خاص أمام الصين.. ودورها وما تعنيه علاقتنا الاستراتيجية معاً.


لكننى رأيت أنه من الطبيعى جداً أن أتوقف أمام الدولة التى زارها الرئيس السيسى وهو فى طريقه إلى الصين، وهى “الهند” ومبرر ذلك عدة أسباب أراها مهمة وضرورية، وأيضاً “شخصية” لاسيما عندما يختلط الشخصى بالعام


عندما كنت مستشاراً إعلامياً لمصر فى إنجلترا كانت أمامى فرصة الاختيار لدولة أخرى أواصل فيها دورى الإعلامى، وتصادف أن “المشير أبو غزالة” كان يزور لندن، ونظرا لما بيننا من “ود” وصداقة سألته رأيه عن الدولة التى اختارها: “ هل تكون كندا أم استراليا أم إيطاليا.. أم الهند،؟!” فإذا به يرد فوراً: “طبعاً يا حمدى “الهند”، إنك ستجد فيها ثقافة أخرى تتفق أساساً معك كأديب وإعلامى، كما أن لنا معها علاقات تاريخية والمفترض أن تتجدد بقوة لأهميتها.


والحقيقة أن رأى المشير أبو غزالة، لم يكن مفاجئاً لى خاصة أننى منذ سنوات كنت قد التقيت فى إحدى الندوات مع شاعرنا الكبير “صلاح عبدالصبور” الذى عمل فترة كمستشار ثقافى فى “الهند”، وعندما سألته عن تجربته هناك قال لى بأسلوبه:


“تأكد يا حمدى أنك لو عشت فيها فترة ستقع فى عشقها”.


هكذا استقر قرارى، وتوكلت على الله، وأخذت أسرتى الصغيرة فى أول طائرة متجهة إلى نيودلهى، وبالرغم من أن الهند لم تكن كريمة معنا فى اللقاء الأول حيث استقبلتنا بحرارة جو مصحوبة بأمطار غزيرة عرفنا بعدها أنه فصل “المونسون” إلا أننا ما إن استقر الحال بنا، حتى جذبتنا.. حيث أخذنا نتعرف على كل جديد متمثلا فى العاصمة نيودلهى بوجهيها “الجديد والقديم”، وشخصية “الإنسان الهندى” الودود القنوع المتفانى فى عمله المتواضع فى مظهره “حتى لو كان مثلا رئيساً لتحرير كبرى الصحف الذى زارنى لتبادل التعارف، وفوجئت به قادماً على “موتوسيكل” واضعاً على رأسه الخوذة التقليدية التى يلتزم بها كل الهنود” ولا أخفى عليكم أننى عندما رأيته بهذا الوضع تذكرت رؤساء تحرير الأهرام والأخبار وغيرها بسياراتهم الفارهة، وشياكة ما يرتدونه!! وقد شاركنى فى انطباعى سفيرنا المحترم د. نبيل العربى.


هذا وقد ارتبطت انطباعاتى هذه عن الهنود صغاراً وكباراً، “عاديين” و “مشاهير” بالنظام الديمقراطى الحقيقى الذى حرصت عليه الدولة برغم كل الصعوبات والمعوقات.


وللحديث عن “الجانب الشخصى” بقية بل بقايا مثيرة قد تكون مجالاً لمقال آخر أو برنامج خاص.


عبدالناصر:


بمجرد أن بدأت عملى رئيساً للمكتب الإعلامى فى العاصمة “نيودلهى” اكتشفت أن مخازن المكتب عامرة بصور كثيرة لجمال عبدالناصر ونهرو وإنديرا غاندى وابنها الصبى وقتذاك “راجيف”، إلى جانب عدد من أشرطة الأفلام المصرية الروائية والتسجيلية وصدمنى أن “التراب” كان يغطى ذلك كله، فسارعت إلى استثمار السور الممتد للمكتب، وقمت بطلائه، ومن خلال عشرات “الفاترينات” عرضنا صور “عبدالناصر” ومعه نهرو، وصور انديرا غاندى وابنها راجيف” إلى جانب صور بعض نجوم السينما نور الشريف وعادل إمام وعمر الشريف ويحيى الفخرانى.. وغيرهم، وكم كانت المفاجأة الرائعة عندما تحول سور مكتبنا الإعلامى إلى مزار دائم للمواطنين الهنود الذين أقبلوا على حضور الندوات الثقافية والإعلامية التى اجتذبت أيضاً الصحفيين والإعلاميين والمثقفين، مما أكد العلاقة الوطيدة العميقة بين مصر والهند ليس فقط لأن كلا منهما مهد لحضارة قديمة عظيمة، وإنما للروابط السياسية والثقافية بينهما، فلا ينسى أحد كيف جمع بين “غاندى وسعد زغلول” والرؤية والعمل ضد الاحتلال، وكيف قاد عبدالناصر ونهرو حركة عدم الانحياز وقيادة دول العالم الثالث.


قمة عدم الانحياز:


تصادف أن مؤتمر قمة عدم الانحياز استضافته الهند فى ١٩٨٣، وحضره الرئيس حسنى مبارك الذى كان قد تولى المسئولية منذ شهور قليلة، وكم كان رائعاً أن تهتم وتحظى الدول ووسائل الإعلام بمشاركة مصر فى المؤتمر، وارتفعت من جديد صور عبدالناصر التى وفرناها بكثرة إلى جانب صور مصر فى مراحلها المختلفة، ولا يفوتنى أن أذكر كيف كانت رئيسة الوزراء انديرا غاندى تحضر إلى المؤتمر بسيارة صغيرة متواضعة للغاية!!


الرئيس السيسى:


بعد سنوات ثقيلة من تقوقع مصر داخل حدودها مكتفية بالارتباط مع الغرب وأمريكا، جاء عبدالفتاح السيسى ليعيد التوازن لعلاقاتنا الخارجية، ويستعيد لمصر دورها ومكانتها الإقليمية والدولية، مع اهتمام واضح بالتوجه شرقاً، وليس بهدف الربط التقليدى بين السيسى وعبدالناصر ، أسجل الآن حفاوة الهند شعباً وقيادة بالرجل الذى وجدوا فيه امتداداً للزعيم الخالد، كما كتب عدد من كبار الصحفيين الهنود الذين تحدثوا باستفاضة عن لقاءات ثلاثة بين الرئيس السيسى ورئيس الوزراء ناريندا مودى، وما أكده رئيس الهند “برناب موخرجى” وكبار المسئولين ورجال الأعمال الذين التقى بهم الرئيس السيسى.


التجربة الهندية.. ضوء ساطع على طريقنا للتقدم:


يعرف القاصى والدانى أن هذه الدولة “القارة!!” لها سمات ومقومات تثير الدهشة والإعجاب والرغبة فى الاستفادة من تجربتها الهائلة التى انطلقت بها من موقع محدود على الساحة الدولية إلى مركز متقدم جداً فى الصفوف الأولى.


وعلى سبيل المثال نرى أن تعداد سكانها الذى تجاوز المليار ومائتي وخمسين مليون إنسان “خُمس سكان العالم!!” وتتنوع بين هذا العدد الضخم جدا الأعراق واللغات والعقائد والعادات، إلا أنهم يجمعهم الانتماء العميق للوطن، والجدية والتفانى فى العمل والإنتاج، والارتباط الوثيق بالديمقراطية الحقيقية، واللافت للنظر أن هذه الزيادة الهائلة فى تعداد السكان لم تكن عبئاً على الدولة تشكو منها ليل نهار، بل حولته إلى نعمة من خلال استثمار طاقات المليار وربع المليار مواطن فى منظومة رائعة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمتوسطة مما أطلق القدرات الإنتاجية للشعب وفتح الطريق رحباً للمشروعات الكبرى حتى اكتملت تقريباً دائرة الإنتاج بمختلف أشكاله التقليدية والتكنولوجية، حتى إن الهند تحقق الآن معدلا عالميا فى النمو يبلغ ٧.٣٪ وارتفع احتياطيها من العملة الأجنبية إلى ٣٧٠ مليار دولار.


ولعل الرئيس السيسى بإدراكه الواقعى للتجربة الهندية وإمكانيات الشعب الصديق قد نجح فعلا فى تجديد العلاقة التاريخية بين البلدين، ووضع أسس ومنطلقات التعاون البناء فى مختلف المجالات، التى أهملناها حتى إننا أغفلنا مثلا على مدى عشرات السنوات أهمية الاستفادة من حماس أكثر من ٤٠٠ مليون هندى تستهويهم السياحة، والمؤكد أن مصر تمثل لهم مقصداً سياحياً متميزاً بكل المقاييس.


إنها الهند إذن.. وكأنها قاطرة اتجاهنا شرقاً.. فى صحبة عزيزة مع الصين والنمور الآسيوية.. وروسيا بصداقتها التقليدية.


أما الغرب الذى لم نر منه شيئاً “يسر القلب”.. فقد ينتبه إلى معنى اتجاهنا شرقاً وما ينطوى عليه من إعادة النظر فى مواقفه وسياساته إياها!!