الفنان فاروق حسنى .. حمدا لله على سلامتك

15/09/2016 - 12:36:39

  عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

ضحكت كثيرا عندما لم يتذكرنى وكنت أدين له بالكثير.


فاروق حسنى تقابلت معه لأول مرة فى رحلة للعريش لافتتاح بيت بدوى اشترته وزارة الثقافة؛ ليكون متحفا للمقتنيات التراثية بشمال سيناء.


كان ذلك فى مطلع التسعينيات عندما اعتذر فى آخر لحظة أستاذنا الراحل عبدالنورخليل عن السفر ضمن مجموعة ضيقة من كبار النقاد والصحفيين المرافقين للوزير ورشحنى لأكون مكانه.


على العشاء كان واضحا أن الوزير الشاب بخبرته الطويلة يعرف كل الحاضرين باستثناء شخص واحد، فاختبأت خلف عم محمد جلال الروائى والصحفي الكبير.


بعض الحاضرين كان ينتقد فوز فيلم «سوبر ماركت» لمحمد خان بجوائز مهرجان الأفلام الروائية، وظل الوزير صامتا يتعامل مع أطباق الطعام، ولما أبدى البعض دهشته من انحياز لجنة التحكيم للفيلم، علق الوزير بعد أن أوقف عمل الشوكة والسكين بأنه لا يتدخل فى عمل لجان التحكيم. لم أتحمل طويلا وقفزت من خلف عم جلال وقلت إن الفيلم يستحق الجائزة بجدارة، وبدأت أتحدث عن جماليات التصوير ولغة ساحرة ولقطات تعصف بالذاكرة وبيت عتيق يدخل القلب، هنا قفزت كلمات الوزير ليتدخل قائلا: هل تابعت اختيار البالكون والسلالم والجدران؟ وهل استمتعت مثلى بالنور والظلال وبالموسيقى فى سماعات أذن الهارب من عشوائيات تدمر كل معنى للجمال؟!


واستمعت إلى فاصل ممتع عن علاقة السينما بالفن التشكيلى وعبقرية خان عند الانتقال بين الكادرات وعلاقة كل ذلك بلغة السينما .


أنصفنى الوزير وصار يناديني أحمد، وطوال تجوالنا يسأل أين أحمد .. حتى فاجأته بأنني لست أحمد وقلت ضاحكا عموما ليس من المهم الأسماء.


طلبت أن أجرى مع الوزير حوارا للكواكب وأبدى دهشته فقد كان يظن عملى فى مكان آخر.


نشر الحوار على ست صفحات بفضل رئيسة التحرير الكاتبة الكبيرة حسن شاه، وعندما عدت بعد يومين كانت الدنيا مقلوبة لأن الوزير اتصل بالمجلة ثلاث مرات ليشكرنى على الحوار.


كان تعليق حسن شاه الإسكندرانية أمام الجميع :هل تعرفه ؟ قلت لا. قالت ، أصدقك تماما وفاروق وزير لكنه فوق ذلك ابن ناس.


بعدها بأيام كنا نقف على الرصيف فى مواجهة بوابة افتتاح مهرجان سينما الأطفال عندما وصلت سيارة الوزير وامتلأت الدنيا بالزحام نزل الوزير ولمحنا فعبر الشارع وصافحنا بحرارة سعيدا بحضورنا المهرجان، وعاد بين الحرس يتخطى الحشود وسط تصفيق الأطفال الذين أصر أن تكون لديهم لجنة تحكيم من الأطفال لتقييم الأعمال.


بعدها انتقلت للمصور من الكواكب، ولم أعد ألمح فاروق حسني إلا من بعيد، وإن كنت أراقب بمزيد من المحبة بين الحين والآخر.


ذات يوم مزق قلبى أن الفنان نصر الدين طاهر يموت، كان أبرع من يرسم الجواد، أجمل كائنات الأرض وكان رسام مجلة العربى الكويتية حضر أثناء الغزو وعمل معنا فى مجلة كاريكاتير إلى أن عاد للكويت بعد تحريرها، وظل يراسلني بكروت معايدة حتى سافرت السعودية، وانقطعت أخبارنا


ذات يوم كنت فى زيارة للأوبرا مع طفلتى الوحيدة ملك، عندما وجدتها تغص بالحاضرين من أبناء النوبة لحضور معرض فنون تشكيلية رحت لمشاهدة الفنان، وقبل أن أصل استوقفني الفنان سمير ابن مجلة كاريكاتير، وأخبرني أن عم نصرهو صاحب المعرض لكنه يصارع السرطان وأن الأطباء منعوه من لمس الألوان فقرر أن يصنع لوحات من قصاقيص الورق.


رحت لعم نصر القاعد على كرسى وقبّلت يديه وبكيت، وقلت أنا عادل يا عم نصر، فقال : عادل أنت هنا.. متى حضرت من السعودية؟


لكن جلبة حدثت حولنا وفوجئت بأن القادم فاروق حسني، وأنه تجول بين لوحات نصر الدين، وعاد لينحني ويقبل الفنان، ويبدى إعجابه الشديد بلوحاته وقدرته على الإبداع.


لكم كنت مفتونا بتعامله كإنسان وكفنان، ولكم عرفت من الشباب الذين منحهم الفرص للعمل لتجديد دماء الثقافة.


ولقد كنت ولازلت من المنحازين لعم محمد مستجاب صاحب الأسلوب الأهم فى الرواية، كان يقول: أنا لم أهاجم فاروق حسني ليرشيني، ولم أدافع عنه ليهديني.


حدث هذا بعد نشر رواية «التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ» فى مكتبة الأسرة، وكانت مكافأة النشر خمسة آلاف جنيه، عندما فوجئنا بأن كل الروايات نالت جنيهات، بينما رواية مستجاب موقوفة .


كان أقصى مبلغ يحصل عليه كبار الكتاب ٣٠ ألف جنيه، وكان هؤلاء الكتاب الكبار وفقا لمعايير سمير سرحان هم إبراهيم سعدة وسمير رجب وإبراهيم نافع وسعيد سنبل، وبعد المراجعة تبين أن الوزير أوقف المكافاة، وأمر بأن ينال مستجاب ٣٥ ألف جنيه عن الرواية.


إذن الوزير يقرأ ويرسم ويشاهد السينما ويستمع للموسيقى، وأخيرا، وهذا هو الأهم لديه مشروع وأفكار واضحة يريد تحقيقها، وربما تتفق أو تختلف معه، لكنه بلا شك يعرف ما يريد.


وفى زمنه امتلأت الساحة بالكتب والمعارض والمهرجانات والمتاحف.


واليوم صار فاروق حسني خارج الوزارة.


واليوم فقط أستطيع أن أشكره بلا مطامع لأنه يستحق الشكر.


واليوم عاد الفنان من الخارج بعد إجراء جراحة دقيقة فى باريس، وألححت على صديقة مشتركة (انتصار دردير ) أن أراه وضحكت كثيرا وهو لا يتذكرنى.


وتجولت معه داخل مكتبه الخاص بالزمالك لأستمتع بلوحاته القديمة والجديدة ومقتنياته من أعمال محمود سعيد وسيف وانلى وحامد ندا وآدم حنين وغيرهم من العرب والأجانب.


كان لا يزال يرسم ويتنفس فنا وثقافة، ووقفت طويلا أمام لوحاته التجريدية، كنت واحدا من هذه اللوحات الغامضة لا يهم اسمى ولا ملامحى، وكل ما يهم أن أقول من قريب للفنان حمدا لله على سلامتك وشكرا لك بعد سنوات طويلة كنت أكتفى خلالها بأن أشكرك من بعيد.