راقصات مصر .. مواقف وطنية وآراء سياسية

29/09/2014 - 1:14:58

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت: نيفين الزهيري

مواقف وطنية.. آراء سياسية....سقوط في فخ الجاسوسية.. صداقات ساهمت في مجريات الأحداث التاريخية...صالونات للرقص، كانت ملاذا لكبار الساسة، وملجأ للهروب من متاعبهم.. حكايات عديدة نرصدها.. وأسرار دفينة نكشفها عن علاقة الراقصات بالسياسة، ومواقفهم علي مدار تاريخ طويل.


ونبدأ بقصة الراقصة بديعة مصابني التي تحولت من ضحية للاغتصاب في صغرها إلي صانعة للنجوم كما أطلق عليها في مجدها، فهي صاحبة أول أكاديمية فنية، تعلم في صالتها العديد من النجوم أصحاب الأسماء اللامعة، من بينهم فريد الأطرش ومحمد فوزي و تحية كاريوكا وسامية جمال وغيرهم، وتعتبر مصابني أول فنانة تقوم بإنشاء أول مسرح دائري، مما يسهل علي المتفرج بالقاعة مشاهدة كل ما يدور علي خشبته، وكانت السيدة (هدي شعراوي) رائدة الحركة النسائية تحرص علي حضور ومتابعة عروضها، والثناء عليها، ولم يحدث في تاريخ مصر أن أطلق اسم راقصة علي واحد من أهم وأكبر جسور القاهرة وهو (كوبري الجلاء) الآن الذي كان اسمه الحقيقي كوبري (بديعة مصابني) وذلك تكليلا لمشوارها الحافل المضيء في عالم الفن بصفة عامة.


دور سياسي


لعبت الفنانة بديعة مصابني خلال فترة عملها دورا مؤثرا في الحياة السياسية بمصر، بل وشكلت جزءاً من تاريخ مصر الفني والسياسي والاجتماعي، مما جعلها تمتلك سطوة وسلطانا سهَّل مهمتها في السيطرة علي صعاليك وفتوّات شارع «عماد الدين» ورجال السياسة والحكم و ورجال الاحتلال الإنجليزي آنذاك، الذين كانوا زبائن دائمين في صالاتها. كما تخرّج علي يديها عشرات الراقصات اللاتي حققن انتشارا بعد ذلك مثل تحية كاريوكا وسامية جمال وحكمت فهمي وصفية حلمي وببا عزالدين وغيرهن.


وتمكّنت بديعة مصابني من خلال تواجدها المؤثر في عالم الصالات الفنية والملاهي الليلية أن تقيم علاقات قوية مع العديد من المسئولين ورجال السياسة في مصر في فترة الأربعينيات، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر لدرجة أن العديد من هؤلاء السياسيين كانوا يفرون بهمومهم الخاصة وهمومهم السياسية إلي كازينو بديعة، سواء في شارع عماد الدين أو في ميدان الأوبرا.


وكان بعض الساسة يفضلون تأليف وزاراتهم القومية أو الحزبية داخل مساكن هؤلاء الفنانات، والتي كان يطلق علي آنذاك «عوامات أهل الفن»، كما كان لمصابني جانب من جوانب التأثير السياسي غير المباشر علي القرار، سواء داخل مجلس الوزراء أو داخل القصر الملكي ذاته.


كاريوكا و100 يوم في السجن


تحية كاريوكا كسيرة ذاتية لا يمكن أن تكون مجرد سرد لحياة فنانة كبيرة، لأن لها دورا وطنيا كبيرا بدأته مع انطلاق ثورة يوليو 1952، فعطاء «تحية كاريوكا» لم يتوقف عند حدود الإبداع الفني، إنه وجود إنساني في أغلب المجالات السياسية والاجتماعية والوطنية، فعندما قامت الثورة كانت لها بعض الآراء في الممارسة السياسية لرجال الثورة المصرية، ودخلت السجن السياسي لمدة 101 يوم بتهمة الانضمام إلي تنظيم يساري اسمه «حدتو»، وهذه الكلمة اختصار لـ «حركة ديمقراطية للتحرير الوطني»، وداخل السجن لم تفقد المقاومة، بل زادتها جدران السجن إصرارا، وقادت المظاهرات من داخل الزنزانة، فبعد أن حققت تحية شهرتها الكبيرة في القاهرة، تزوجت من الضابط مصطفي كمال صدقي، ولم تمر أشهر قليلة بعد الزواج حتي وجدت ضباطا من البوليس الحربي يكسرون باب شقتها بعنف ووقفت تحية في مكانها والضباط يبحثون في كل مكان بالشقة عن أي منشورات ضد نظام الحكم، وعن أي أسلحة، وبالفعل تم العثور علي بعض المنشورات، ولم تتردد تحية في أن تذهب معهم إلي القسم ورغم أنها أنكرت معرفتها وعلمها بما تم ضبطه في شقتها، فإن ذلك لم يمنع السلطات وقتئذ من الزج بتحية داخل السجن للمرة الأولي في حياتها.


وقضت تحية في السجن 100 يوم قادت خلالها حركات التمرد داخله، ورفعت صوتها محتجة علي ظروفه غير الإنسانية، كما كانت أيضا تقف في تظاهرات الطلبة مؤيدة لهم وترسل لهم السندويتشات وتشارك في الهلال الأحمر. وكان معروفا عنها جرأتها الشديدة، فلم تترد في أن تحرج الملك فاروق عندما وجدته جالسا في كازينو الأبراج، وقالت له بطريقتها الساخرة إن مكانه ليس هنا بل يجب أن يكون في قصر الملك، وتوقع الكثيرون أن يغضب الملك منها، لكنه انصرف علي الفور وسط استغراب المحيطين به.


مواقف وطنية


مواقف تحية كاريويكا مع ملوك ورؤساء مصر لم تختلف ولم تتلون، كما يفعل بعض السياسيين، لكنها كانت واضحة، وجريئة، حيث انتقدت أداء حكومة ثورة 23 يوليو، ووصفته بأنه لا يختلف عن أداء الملك فاروق، ورفعت شعار «ذهب فاروق وجاء فواريق» تقصد الضباط الأحرار!!، وهو ما أدي إلي غضب السلطات منها، واعتقلها جمال عبدالناصر مع بعض أعضاء الحزب الشيوعي المصري، وبعد الإفراج عنها شاركت في كل المناسبات الوطنية، فلم تفقد أبدا إيمانها بالثورة رغم كل هذه الانتقادات التي وجهتها إليها، وهكذا وقفت في أول الصف في كل ما عاشته مصر من مواقف وطنية، مثل أسبوع التسليح، حروب 56 و67 و73، وكانت كاريوكا أول من يتطوع في الهلال الأحمر وآخر من يغادر الموقع. وأثناء الحصار الإسرائيلي للفلسطينيين في الثمانينات في بيروت كانت «تحية» أيضا أول من يذهب إلي هناك مع المناضلين الفلسطينيين، هذا التاريخ الوطني الحافل لتحية كاريوكا لا ينافسه إلا تاريخها الفني المرصع بعشرات الأعمال الفنية العظيمة، فقد قدمت المسرح السياسي الذي حمل اسمها من خلال فرقتها المسرحية، وكان الفنان الراحل «فايز حلاوة» يكتب ويخرج ويشارك أيضا بالتمثيل في هذه المسرحيات التي تلعب بطولتها «تحية».


إضراب تحية .. ومداعبة مبارك


وظلت تمارس الحياة السياسية حتي سنواتها الأخيرة، فتزعمت اعتصام الفنانين، وكانت هي الفنانة الوحيدة التي أضربت عن الطعام عام 1988، ولم يوقف إضرابها سوي تدخل الرئيس "حسني مبارك" الذي اتصل بها في نقابة السينمائيين مقر اعتصام الفنانين وداعبها قائلاً: عايزة يقولوا يا ست «تحية» إنك عشت تأكلين في عهد فاروق وعبد الناصر والسادات وتموتين جوعا في عهد مبارك!.. وانفض الاعتصام وتقابل الفنانون وعلي رأسهم "تحية" بعدها مع الرئيس في لقاء ودي، داعب فيه الرئيس كثيراً "تحية كاريوكا"!!.


ويروي أن تحية في الخمسينيات قامت بحماية اليساري صلاح حافظ في منزلها، إضافة إلي موقفها الشهير مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، عندما تخفي عندها وقت الاستعمار البريطاني لمصر، حيث أخفته فترة في منزل شقيقتها، وكانت سلطات الاستعمار تبحث عنه دون جدوي، ولم يكونوا علي علم أن كاريوكا هي من تخفيه.


صداقة كيسنجر ونجوي فؤاد


وعندما نذكر الدور السياسي للراقصات لا نستطيع نسيان دور الراقصة نجوي فؤاد الذي لعبته في حرب 1973، وعلاقتها القوية بوزير الخارجية الأمريكية وقتئذ هنري كيسنجر، فمنذ أن شاهدها ترقص في حفل خاص بمصر، أعجب بها، بل إنه كان لا يتردد في أن يشاركها الرقص في بعض الحفلات الخاصة، وكان لتلك العلاقة القوية بين نجوي فؤاد وكيسنجر مفعول السحر علي المستوي السياسي، فقد شاركت بدور وطني في إقناعه بحق مصر في استرداد أرضها وعودة سيناء.


ومن شدة تعلق هنري كيسنجر بنجوي فؤاد ذكرها في الجزء الثاني من مذكراته، ووصف لقاءاته معها بأنها من أجمل الذكريات التي يستدعيها دائما إلي مخيلته كلما حاصرته هموم السياسة ومشاكلها وقال كيسنجر في المذكرات: كنت أحرص دائماً في كل مرة أزور فيها القاهرة علي التأكد من وجود الراقصة المصرية نجوي فؤاد، وكانت تبهرني، بل أعتبرها من أهم الأشياء الجميلة التي رأيتها في الوطن العربي، إن لم تكن الشيء الوحيد. وتبعه في هذا الهوس الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي حكي له كيسنجر عنها، وجاء إلي مصر خصيصا ليراها، وحددها بالاسم ورقصت أمامه في فندق «مينا هاوس» وأعجب بها كثيرا وقتها ولم يخف إعجابه رغم أن زوجته كانت حاضرة وقتها.


حكمت فهمي ضد الاستعمار


أما حكمت فهمي فكانت صاحبة الموقف الأكثر رفضا والأكثر شهرة كذلك في مواجهة الاستعمار البريطاني، حيث كانت تري أن الحرب العالمية الثانية فرصة رائعة للخلاص من الإنجليز، وأن هزيمة إنجلترا سوف تضعف من قبضتها علي مصر وبالتالي الخلاص الذي طال انتظاره، لم تكن حكمت فهمي هي صاحبة تلك النظرية، بل كان كبار السياسيين يعلنون ذلك دون مواربة وعلي رأسهم الملك فاروق نفسه الذي لم يستطع كتمان ضيقه من كثرة تدخلهم في شئونه الخاصة، وحين افتضح أمره لديهم ساروا بدباباتهم نحو قصر عابدين حتي يأتي برئيس وزراء يقبل التعاون معهم، وهو ما عرف بحادث 4 فبراير 1942 .


تقول حكمت عن ذلك اليوم في مذكراتها: "لقد كانت دبابات الإنجليز تحاصر القصر مصوبة مدافعها إليه استعدادا لتدميره عند إعطاء الأمر، إنني بعد فترة وبعد خروج السفير البريطاني من القصر لم أعد أحتمل هذه المشاهد.. فطلبت من السائق أن نعود للملهي، وفي أعماقي كان شيئاً عظيما يتأكد، فعلي هذه الأرض الطيبة عشت، ومن خيرها وتحت سمائها اشتهرت، فلها دين في عنقي، فكما أحب دائما أن أكون حرة في تصرفاتي، أتمني أن تتحرر مصر كذلك، وسأعمل علي ذلك، وكان عهدا أخذته علي نفسي".


تجنيد حكمت


وعلي الرغم من أنه كان معروفا عن حكمت فهمي علاقتها القوية بضباط القوات البريطانية من خلال ترددهم علي الملهي الذي كانت ترقص فيه، ولكنها سافرت لأوروبا لظروف الحرب، فعلاقتها بضباط بريطانيا التي كانت تحتل مصر آنذاك، دفع الألمان للتفكير في تجنيدها لصالحهم، وبالفعل نجح الألمان في ذلك دون أن تعلم الراقصة المصرية بتجنيدها من خلال جاسوس ألماني أوقعها في شباك غرامه.


وفي إحدي الليالي كانت ترقص في ملهي بالنمسا، وشاهدها رئيس المخابرات الألمانية فرشحها لترقص للزعيم النازي أدولف هتلر، ووزير دعايته جوبلز في ألمانيا، وعندما شاهدها جوبلز أمر بتجنيدها لصالح الألمان الذين كانوا علي علم بشعبيتها عند الضباط الإنجليز في مصر، وجاء تجنيد حكمت عن طريق شاب قدم نفسه لها في الملهي الذي ترقص فيه في النمسا، علي أنه طالب مصري اسمه حسين جعفر، وتمكن بعد ليلة أخري من التقرب منها، بل وأوقعها في حبه، ثم اختفي فجأة من حياتها، حسين جعفر هو الضابط الألماني أبلر، وهو من أب وأم ألمانيين، انفصل كل منهما عن الآخر، وكانت الأم تعمل بمدينة بورسعيد، والتقت بمحام مصري تزوجها وتبني الطفل، وأطلق عليه حسين جعفر، ولكنه عندما سافر إلي ألمانيا التقطته المخابرات الألمانية، وتم تجنيده لإتقانه اللغة العربية.


علاقة غرامية


أول المهام التي أوكلت لأبلر كانت نسج علاقة غرامية مع الراقصة حكمت فهمي تمهيداً لتجنيدها، حتي يتمكن من خلالها في الحصول علي خطة بريطانيا من حيث «أين ستركز دفاعاتها، وعدد القوات البريطانية ونوعها، ومدي تعاون الجيش المصري معهم إذا بدأت المعركة»، وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية، عادت حكمت لمصر لترقص في ملهي الكونتيننتال، دون أن تعلم أنها وقعت في فخ «الجاسوسية» لصالح ألمانيا، ومنه انتقلت لملهي الكيت كات ليبدأ هناك إبلر في الاتصال بها مرة أخري، بعد أن نجح هو وزميله مونكاستر في دخول مصر من خلال التنكر في أزياء الزي العسكري البريطاني.


وبعد عدة لقاءات بين حكمت وأبلر، فهم منها الجاسوس الألماني مدي كرهها للإنجليز، ليكشف لها عن شخصيته، وعن مهمة التجسس التي كلفه بها قائده روميل بعد عدة انتصارات حققها علي جيش الحلفاء، ومن هنا أبدت حكمت فهمي استعدادها للتعاون مع الألمان، فقامت سلطانة الغرام بتأجير عوامة قريبة من عوامتها لأبلر، ومنها كان يتواصل الجاسوس الألماني مع روميل من خلال جهاز اللاسلكي، وفجأة، لاحظ جعفر عدم رد المخابرات الألمانية عليه، فطلب من حكمت البحث عن شخص تثق فيه لإصلاح جهاز التجسس، لإتمام مهمتهما في مصر.


مخدر في كأس الميجور سميث


ولجأت حكمت لحسن عزت صديق الضابط المصري أنور السادات حينها، والذي وافق علي إصلاح الجهاز فور علمه بمهمة الجاسوسين الألمانيين، لكره السادات الشديد للإنجليز، وحمل السادات الجهاز في حقيبته متجهاً إلي بيته في كوبري القبة، بينما استمر إبلر في نشاطه بجمع المعلومات من داخل النوادي الليلية التي يسهر فيها الضباط والجنود الإنجليز بمساعدة حكمت، وأبرز الخدمات التي قدمتها حكمت فهمي للألمان، كانت عن طريق الميجور سميث الذي كان متيما بها، إذ نجحت في الحصول علي معلومات مهمة منه عندما أخبرها في إحدي الليالي أنه مسافر إلي ميدان الحرب علي الخطوط الأمامية.


في هذه الليلة ألغت حكمت فهمي رقصتها لتقضي السهرة معه في عوامتها، وهناك دست له المخدر في كأس الويسكي لتحصل منه علي أخطر تقرير، يتضمن كافة المعلومات التي يبحث عنها إبلر، فهرولت إليه ومنحته التقرير الذي يحتوي علي كافة المعلومات عن القوات النيوزيلندية، ووحدات جنوب إفريقيا، وأستراليا، بالإضافة إلي وحدة أخري قوامها 5 آلاف جندي كانت سترسل إلي الإسكندرية، و2500 لغم لتعزيز الخط الدفاعي، وتركيز الدفاع في العلمين نفسها وليس علي بعد عدة أميال كما كان يعتقد روميل، إبلر حصل علي التقرير وهرول إلي زميله مونكاستر الذي أخبره بأن المخابرات الألمانية طلبت منهم عدم إرسال معلومات إلا إذا كانت مهمة، وتحديداً في الثانية عشرة مساءً، إذ أن صديقيهما الجاسوسين اللذين يتلقيان إشارتهما تم القبض عليهما في السجون البريطانية.


راقصة فرنسية


حقيقة إلبر كجاسوس ألماني كشفتها راقصة فرنسية يهودية تُدعي إيفيت كانت تقضي ليلة عنده وتحدث وقتها إلي صديقه الألماني عن طريق جهاز الإرسال، وحصلت علي عدة معلومات منه، وأبلغت قادتها، الذين أبلغوا المخابرات البريطانية التي كانت تبحث بدورها عن جاسوس ألماني وردت إليها أخبار عن عمله في مصر، ومن هنا تم إلقاء القبض علي إبلر ومونكاستر و حكمت فهمى و لكنه عوقب بالاستغناء عن خدماته بقرار ملكى كضابط فى الجيش المصرى و تم خلع الرتب العسكريه من كتفه و ساءت حاله حكمت فهمى النفسيه و تمكنت من الخروج من السجن بعد ان دفعت رشوه قدرها 200 جنيه .