« شابلن » .. من التسكع إلى الخلود

11/09/2016 - 11:13:16

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

قرأت كتاباً بديعاً عن "شارلي شابلن" صدر حديثاً من تأليف "أشرف بيدس" يحاول فيه أن يجيب عن سؤال صعب ومحير يتصل بسر عبقرية هذا الفنان الأسطورة .. كيف استطاع ابن "لندن" البكر والأشهر من اجتياز آلاف الأميال حتى يصل إلى ساحة مولد شعبي أو ديني هنا أو هناك ليستحوذ على انتباه المريدين بعد ما يرتدي واحد من حوارييه ملابسه الرثة ويطوف في الأرجاء يوزع الفرحة على الكبار والصغار مقتسماً القفشات والنكات مع هؤلاء البسطاء الذين يعرفونه جيداً وربما يجهلون اسم عمدة تلك المدينة التي يقام بها الاحتفال .. إنها ببساطة العبقرية التي لا تصنعها جغرافيا معتدلة أو تلفقها سطوة جائرة .. إنها الضحكة التي تدخل القلب فتزيل تجعيدة القهر .. وتضمد جراح الحاجة وتزيح غبار الوجع .. فهل استطاع أحد من شرقنا أن يخترق الغرب بكل هذا العنفوان ؟! .. وهل استطاع آخر من غربهم من إعادة الكرّة مرة أخرى ؟! .. لم يحدث ولن يحدث .. لأن "شابلن" حدث يحدث مرة واحدة في الحياة ..


يبدأ "أشرف بيدس" من طريقة تعبير "شابلن" عن ملامح الشخصيات الدرامية التي يجسدها ليعرف من أين أتى بهذه المقدرة الهائلة على جذب انتباه المشاهد .. فيؤكد براعته في الحركات والإيماءات .. نظرة عينيه المعبأة بالمشاعر والأحاسيس المختلفة والكاشفة عن كيان إنساني وفن يستوعب كل تفصيلة ويجيد التعبير عنها بذكاء وموهبة وفطرة خالصة لم تلوث ولا تدعي السذاجة .. بالإضافة إلى بساطته المفرطة وعفويته التلقائية المحسوبتين بدقة .. إن الكادر السينمائي بأكمله يبدو أنه خلق له وحده ليصول ويجول ويستخدم ويتعامل مع كل مفرداته سواء كانت أثاثات أو بشرا أو آلات .. ويؤكد المؤلف حقيقة يستطيع القارئ أن يدرك أهميتها الكبيرة حينما يطلع على سيرة "شابلن" الذاتية والتي كان لها تأثير عميق في نفسي وقد اضطلع بها الكاتب الكبير "صلاح حافظ" في جزءين تناول فيهما برشاقته المعهودة وأسلوبه الممتع رحلة "شابلن" منذ طفولته البائسة وعلاقته بأمه وأخيه وبالعالم من حوله .. ومعاناته الرهيبة مع الفقر والعوز مروراً بمراحل نمو موهبته وصولاً إلى نجاحه الفني المبهر الذي وصل إلى حد قول ناقد فرنسي أنه أشهر رجل على قيد الحياة في العالم..


إن المفتاح أو الشفرة أو سر النبوغ لا شك أنه يتصل اتصالاً وثيقاً كما يرى "أشرف" أن "شابلن" كان يضع نصب عينيه عامة الناس .. الفقراء والمهمشين الذين لم ينالوا قسطاً من التعليم ودفعتهم الحاجة للعمل في المصانع والمتاجر والأسواق والذين أحبوا "شابلن" مثلما أحبهم ودافع عن حقوقهم في الحياة والعيش بكرامة تمييزاً لهم عن المثقفين والمتعلمين والنخب الذين لم يشغلوا بال "شابلن" بنفس انشغاله بهؤلاء البسطاء الذين يفتقد معظمهم القدرة على القراءة والكتابة ..


ولعل فيلمه المهم (Modern Times) خير تجسيد عن اهتمامه بهموم البسطاء الذين أحبهم .. والذي يعبر عن جبروت وقسوة الآلة وسيطرة واستغلال الرأسماليين على حياة وراحة العمال .. حيث يتم اقتراح ماكينة من شأنها أن تطعم العمال أثناء العمل لكي يأكلوا وهم يعملون بدلاً من تضييع الوقت في استراحات .. في البداية تعمل الآلة على ما يرام إلا أنها سرعان ما تعطب وتنتهي الحال "بشارلي" إلى تناول صامولات حديدية مع الطعام ..