هــــل مرت عشر سنوات؟

08/09/2016 - 1:49:21

بقلم: إبراهيم عبد المجيد

منذ أيام وأنا أسأل نفسي هل مرت عشر سنوات علي وفاة الكاتب العظيم نجيب محفوظ ؟ كيف يعبر أمامنا الزمن بهذه السرعة ؟ الحقيقة أن السنين لم تمر بسرعة . امتلات مصر بالأحداث فصار الزمن يجري . لكني رغم ذلك لم أشعر بمرور الأيام , لأن وجه نجيب محفوظ وابتسامته لا يزالا أمامي . لم يفارقاني ابدا . حقا أنه كاتب خالد بأعماله الرائعة , لكن بالنسبة لي ليست الأعمال فقط . إنه عمري الذي ارتبط به منذ سن الصبا رغم أني لم أقابله أكثر من عشر مرات تقريبا .


مبكرا جدا في سن الصبا وأنا تلميذ في السنة الثانية الإعدادية قرأت له في مكتبة المدرسة - مدرسة طاهر بك الإعدادية بالورديان بالإسكندرية - حين كانت هناك مكتبات في المدارس نذهب إليها حصتين في الأسبوع لنقرأ قراءة حرة . قراءة لايترتب عليها اختبار . قراءة تُعوِّدنا علي القراءة وتحببنا فيها . رأيت أمامي رواية كفاح طيبة فقرأت فيها . عرفت أنه يمكن استعارتها فاستعرتها أكملها في البيت . هكذا بدأت معه في سن الثالثة عشر . في سن السادسة عشرة وأنا في الثانية الثانوية كانت أكثر قراءاتي له . قرأت له خان الخليلي وبداية ونهاية والثلاثية وزقاق المدق . كنت أحتفظ بأجندة للعام ألخص فيها ما أقراه في صفحة كل يوم بتاريخه . طبعا لم يكن وحده . كان معه أدباء كبار مثل توفيق الحكيم وطه حسين ودوستويفسكي ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم . لكن نجيب محفوظ جعلني أري القاهرة بالليل والنهار . أهلها وشوارعها القديمة وأزقتها . حفظت أسماء وأشكال أبطاله ودخلت روحي أرواحهم . بكيت مع ماجري لعائشة في الثلاثية التي ترصدها القدر دائما ففقدت كل من أحبت . احترت مع كمال في فهم الوجود . ضحكت مع ياسين ورثيت له . أشفقت علي أمينة . بكيت على رشدي في خان الخليلي بعد أن أصابه السل ومات . وهكذا وجدت كل شخصية طريقها إلي قلبي وروحي والحديث عن ذلك يطول . يمكن تلخيصه كله عام ١٩٦٤ حين قامت المدرسة برحلة إلي أسوان والقاهرة . منذ ركبت قطارالدرجة الثالثة مع الطلبة والمدرسين في طريقنا إلي أسوان أولا وقد قررت أن تكون زيارتي للقاهرة في طريق العودة من أسوان لحي الجمالية . لحي الحسين ومصر القديمة أكثر من غيرها . بالفعل بعد أن عدنا من أسوان إلي القاهرة نزلنا في فندق رخيص بباب اللوق . إذن نحن وسط عالم نجيب محفوظ . زرنا الأهرامات والمتحف المصري وأنا أسال المدرس المصاحب لنا متي نزور الجمالية . كان سعيدا وهو يعرف مني أني قرأت روايات لنجيب محفوظ . صحبنا في زيارة للجمالية و زقاق المدق الذي وقفت فيه مندهشا . من هذا الزقاق الذي لا يزيد طوله عن عشرة أمتار صنع نجيب محفوظ دنيا كاملة . كنت أمشي مع زملائي نتفرج علي المساجد الأثرية وندخلها , وأنا أتلفت حولي أبحث عن كمال عبد الجواد وياسين وعائشة ورشدي وزيطة صانع العاهات وغيرهم من أبطال رواياته . انتهت الرحلة وعادوا إلي الإسكندرية ولم أعد معهم . تخلفت عن العودة عدة أيام ولم أخبر أحدا . قررت أن أعيش في القاهرة . أن أجد عملا في الجمالية . أى عمل . بالفعل بت الليالي في مسجد الحسين . لم تكن المساجد تغلق ليلا ذلك الوقت . لم يكن هناك إرهاب . إنتبهت إلي خطورة ما أفعل . كيف حقا سأتوقف عن التعليم لأعيش في القاهرة بين أبطال نجيب محفوظ ؟ وجدت عملا بعد تردد علي أكثر من محل ذهب . عمل كولد يرسلونه في مشاوير . لم أعمل . كانت نقودي نفدت وكان عقلي عاد وأخذت طريقي للإسكندرية . وجدت المنزل والمدرسة مقلوبين عليَّ . يا إلهي . بعد سنوات طويلة حكيت لنجيب محفوظ الحكاية فضحك وقال « ياه . دا انت شحتفت أهلك « وضحكنا معا .


تقدمت في القراءة وفي فهمي للأدب بوجه عام ولنجيب محفوظ طبعا . رأيته هو الدارس للفلسفة والتاريخ والتراث والصوفية ليس بالكاتب الواقعي فقط كما قالوا عنه . هناك دائما أفق فلسفي خلف الأعمال . أخذت طريقي إلي الأدب والكتابة وقررت أن أعيش في القاهرة يوما بعد أن انتهي من تعليمي . وحتي حدث ذلك عام ١٩٧٤رأيت نجيب محفوظ مرتين في الإسكندرية في نهاية الستينات . مرة كان يمشي صامتا في شارع صفية زغلول . كنت أنا أجلس علي مقهي السلطان حسين ولمحته علي الرصيف الآخر أمام سينما ريالتو . كان يأخذ طريقه في اتجاه محطة الرمل . تركت المقهي بسرعة وعبرت الشارع لأصافحه لكني لم أفعل . لم أكن نشرت شيئا بعد . أول قصة نشرتها كانت عام ١٩٦٩ في جريدة الأخبار . مشيت خلفه علي مسافة لا تجعله يشعر أن هناك من يتعقبه . هذا ماحدث بالضبط . إلي أن وصل إلي محطة الرمل . أشار إلي تاكسي متجه إلي الشرق واستقله . كنت أعرف أنه يجلس في كافتريا “بترو” ولابد يسكن في فندق هناك . وقفت أنظر إلي التاكسي وهو يبتعد ثم اتجهت إلي باعة الكتب في محطة الرمل . المرة الثانية التي رأيته فيها في الإسكندرية كانت أخر الستينات أيضا . رأيته جالسا في الأوتوبيس – السوبر جيت – المتجه إلي القاهرة الذي يتحرك من محطة الرمل , كان يطل من النافذة . أشرت إليه بالتحية فابتسم ابتسامته الجميلة ورد التحية بيده . مشيت سعيدا .


بدات أتردد علي القاهرة أنشر قصصي في السبعينات . كان من الطبيعي أن أذهب إلي مقهي ريش حيث يجلس هو بين الكتاب الجدد . كتاب الستينات الذين تعرفت علي بعضهم بعد أن نشرت قصصي . كنت أجلس صامتا أكثر من مرة وهم يملأون المقهي بالضحك والصياح . لم أتكلم مرة ولم أستطع . كنت اكتفي بالصمت والاستماع إليه حين يتكلم . لم تعجبني الضجة التي يثيرونها من حوله رغم أني كنت أجلس مع بعضهم ولايكفون عن الضجة! ورغم أنه قامت بيني وبين بعضهم علاقات طيبة وجميلة . لم أعد اتردد علي مقهي ريش أحضر جلسته . صرت أتردد عليها أقابل من أحببتهم من كتاب الستينات . نجيب سرور وسليمان فياض وأمل دنقل وفاروق عبد القادر . وأحيانا أقابل الآخرين لوقت قصير وبالصدفة . أغلقت مقهي ريش أكثر من مرة وانتقل نجيب محفوظ للجلوس في مقهي علي بابا . لكني انشغلت بالقاهرة . سياسة وكتابة وحياة . كنت أندهش من القول أن كتاب الستينات بدأوا التجديد في القصة بينما محفوظ سبقهم كثيرا جدا . وكذلك كان يوسف إدريس . لكن هكذا فعل كتاب الستينات وجعلوا من أنفسهم بداية التجديد الذي لم يتوقف في مصر قبلهم وبعدهم . ماعلينا . ليس هذا موضوعي . حدثت معاهدة كامب ديفيد وأيدها نجيب محفوظ فثار عليه كتاب الستينات أو أكثرهم وصار يجلس في كازينو النيل عند كوبري قصر النيل . كنت أندهش كيف يهاجمون كاتبا وفيلسوفا مثله . أذكر يوم حصوله علي نوبل . كنت في مقهي ريش , وكان الكاتب التونسي حسونة المصباحي قادما من المانيا إلي القاهرة يقوم بعمل تسجيلات مع بعض الكتاب وأنا منهم . بينما نتحدث في المقهي قلت له أن محفوظ يستحق نوبل عن جدارة . وما أن انتهينا حتي جاء خبر فوزه بنوبل . كانت فرحتنا هائلة . ترك حسونة المصباحي المقهي ومعه طاقم التسجيل واتجه إلي بيت نجيب محفوظ .


لقد ذهبت إلي نجيب محفوظ في كازينو النيل من قبل حين صدرت روايتي « في الصيف السابع والستين « عام ١٩٧٩ . أعطيته نسخة منها . بعد أسبوع ذهبت مرة ثانية فابتسم وقال لي « لقد قرأت عدة صفحات . استمر « كان هذا يكفيني جدا رغم أني لم أسأله ما إذا كان قد قرأ أم لا . تحدثت عنه كثيرا في لقاءات صحفية وفي التليفزيون أيضا . تحدثت عن الجانب الفلسفي في رواياته . قلت رأيا وكتبته في جريدة الأهالي وهو أن نجيب محفوظ حين انتقل للكتابة مستمدا مادته من الإسكندرية تغيرت كتابته . لم تعد الكتابة الكلاسيكية بل صارت الكتابة الحداثية . جملا وعبارات قصيرة . شعرية خفية في البناء. بناء غير تقليدي للرواية . وهكذا منذ كتب رواية «اللص والكلاب” التي استقي مادتها من حادث السفاح السكندري محمود أمين سليمان الذي شغلت به جريدة الأخبار الدنيا عام ١٩٥٩ وأسمته بالسفاح وهو رجل مسكين ضاع شرفه بخيانة زوجته له وهو في السجن . كانت هذه الرواية مفتتح الحداثة في كتابات محفوظ . رواية تقول بشكل خفي أن الحلول الفردية لا تصلح ولا تفيد . فسعيد مهران بطل الرواية الخارج من السجن والمطلوب للبوليس كلما صوب رصاصه إلي أحد من خصومه تطيش الرصاصة . لايموت الخصم ويفشل سعيد مهران في قتله . ذلك الوقت كان عبد الناصر هو الزعيم الأوحد, وهو الذي يفعل ويقرر كل شيئ بعد أن تم إلغاء الأحزاب بعد يوليو ١٩٥٢ وبدأت مطاردات للمعارضة وحملهم إلي السجون والمعتقلات . كانت الرواية إعلانا بفشل الحل الفردي مهما كان مغريا . وبعدها جاءت السمان والخريف والطريق وميرامار عن الإسكندرية أو منها وكلها تكوينات بنائية حداثية ولغة سريعة الإيقاع وافكار فلسفية خفية وراء النص . لن أستطرد فيها الآن . لقد كتبت كثيرا أن بطل الطريق لم يكن يبحث عن أبيه , لكن عن الله . عن سيد سيد الرحيمي! وهو « صابر « الإنسان الذي يتقلب بين المادة والروح . طبعا لم أكن وحدي في هذا الفهم . كان العظيم رجاء النقاش من أعظم من كتبوا عن محفوظ وكذلك محمود أمين العالم . أنا تفردت بالحديث عن أن الإسكندرية كانت وراء الحداثة في كتابات محفوظ وليس كما يقول البعض أن كتابة الستينات شجعته علي ذلك . الإسكندرية – زمان من فضلك – مدينة إذا وصلت إليها تريد قدماك أن تجري في طرقاتها بينما القاهرة التي هي أحدث تاريخيا من الإسكندرية إذا وصلت إليها تريد الإختفاء في أقرب بيت أو مكان !


اللقاءات الأخيرة مع نجيب محفوظ كان لها طعم آخر . يوما ما لا أذكره أكتشفت أني من مواليد برج القوس . تماما مثل نجيب محفوظ . فهو من مواليد ١١ ديسمبر وأنا من مواليد ٢ ديسمبر . ثم تذكرت أني درست الفلسفة مثله وإن طبعا بعده بسنوات طويلة . وكذلك درست السنة التمهيدية للماجستير ولم أكمل . كان الدكتور محمد علي أبو ريان هو الذي سيشرف علي الرسالة وحددنا موضوعها « جماليات الدراما بين أرسطو وبريخت « وأن يشرف هو علي الجانب الفلسفي الجمالي والدكتور العظيم محمد زكي العشماوي علي الجانب الأدبي . كنت ذلك الوقت أقرأ المسرح العالمي وتاريخه أكثر مما أقرأ أي شيئ آخر . بعد أن اتفقت معه علي ذلك فاجأته بأني لن أكمل الدراسة , سأذهب إلي القاهرة أعيش بين الأدباء فأنا أكتب الرواية وأحبها . تماما كما فعل نجيب محفوظ . بان الأسف علي وجهه وحدثني بعد سنوات طويلة بعض الأصدقاء ممن أكملوا دراساتهم أن الدكتور أبوريان ظل حتي توفاه الله يذكرني بالخير ويحكي هذه الحكاية . حكاية الأديب الشاب الذي رفض استكمال دراسته وفضل الأدب علي الأستاذية . كنت أفعل مافعله نجيب محفوظ . وهكذا شاءت الظروف أن ألتقي به أنا الذي من مواليد نفس البرج ودرست الفلسفة ورفضت استكمال الدراسة لأكون استاذا بالجامعة مثله . ألتقي به عند حصولي علي جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الامريكية عام ١٩٩٦ . كانت تلك هي السنة الأولي للجائزة . ولم يكن هناك تقدم لها ذلك الوقت . هم أعطوها لي دون أن أعرف أن هناك جائزة بهذا الاسم . كانوا يعطونها ذلك الوقت ولعام بعد ذلك لشخصيتين . شخصية متوفاة وشخصية علي قيد الحياة . كانت المتوفاة هي الدكتور لطيفة الزيات والحي هو أنا . ما يهمني هو أني اجتمعت معه مرة رابعة جهارا نهارا هذه المرة . فلا أحد كان يعرف أني من نفس البرج ولا درست الفلسفة ولم أكمل فيها مثله . الآن تحقق لي أني موثوق به بحبل سري . لم تكن ميزة الجائزة في قيمتها المادية « ألف دولار» لكن في باب الترجمة الي الإنجليزية الذي انفتح واسعا بعد ذلك لرواياتي . كانت الجائزة عن رواية “البلدة الأخرى” التي ترجمت من قبل إلي الفرنسية . قامت الدنيا ضدي للأسف من بعض كتاب الستينات وبالذات من يجلسون معه دائما ويتحدثون عن ذلك بفخر . اتهموني بالعمالة لأميركا وكنت أعرف أن المشكلة أني حصلت علي جائزة قبلهم تحمل اسم من يتحلقون حوله , فالعادة جرت أنهم يحصلون علي كل شيئ ونحن بعدهم . أجل . العادة جرت أن الجوائز تكون بسنين العمر فضلا طبعا عن الوضع الصحفي أو الوظيفي الذي يفيد الكاتب لا أعرف لماذا ! ضحكت وقلت في حوار “عمالة لأميركا بألف دولار . طيب ألفين تبقي معقولة !” لكن ذلك لم يكن المهم . كان المهم هو مافعله نجيب محفوظ . أصدر تصريحا لجريدة الأهالي وضعته في الصفحة الأولي وكانت جريدة منتشرة ذلك الوقت قال فيه بالنص « الاعتراض علي جائزة تحمل اسمي هلوسة . ولقد فاز بها أديبان كبيران هما لطيفة الزيات وإبراهيم عبد المجيد لهما تاثيرهما الواضح في الثقافة المصرية والعربية « أي والله هذا ما صرح به رغم أن من هاجمني بشدة كانوا ممن حوله قبل غيرهم . لكن ليس ذلك هو المهم أيضا رغم أنه مهم ! طلب أن يخبروني في الجامعة الامريكية بزيارته . حددوا لي الموعد . ذهبت إليه تلف بي السعادة أنا الذي لم أقابله منذ سبعة عشر عاما تقريبا . آخر مرة قابلته كما قلت كانت عام ١٩٧٩ حين صدرت روايتي « في الصيف السابع والستين « وبعدها لقاء وسط زحام كبير بعد أن حصل علي جائزة نوبل وأقامت له الدولة حفلا يتقلد فيه قلادة النيل في قصر العروبة . وصلت إلي البيت علي الكورنيش في العجوزة . كان هناك حراسة عليه بعد أن أصابه الإرهاب بعد فوزه بجائزة نوبل . دخل الحارس يخبره بوصولي قبل أن يسمح لي بالدخول . انتظرت علي باب العمارة من الخارج . عاد الحارث يطلب مني الدخول . وهنا حدث ما لم أتوقعه . توقعت أن أجد باب شقته مفتوحا وهو يقف علي الباب لاستقبالي أو السيدة زوجته أو أي شخص آخر . لكني رأيت باب شقته مفتوحا وهو يخرج منه ليقابلني في الطريق إلي الباب مرتديا الروب فوق البيجامة ويقول لي باسما ابتسامته الرائعة « أهلا يا أستاذنا « هنا دمعت عيناي . أخذ بيدي إلي الشقة وجلسنا ينظر لي ويضحك ويحييني علي الفوز , وأنا لا أصدق أنه يخرج ليقابلني في الطريق إلي الشقة . بعد عامين في حوار له مع الأستاذ يوسف القعيد نُشر في مجلة المصوروالقبس الكويتية والقدس الفلسطينة في وقت واحد سأله يوسف القعيد عن الرواية التي قرأها وأكملها بعد أن أصيب في الحادث البشع الذي جري له فقال رحمه الله « لا أحد ينام في الإسكندرية” . قرأها عليَّ نعيم صبري في ثلاثة أشهر « ولن أتحدث عما قاله عنها ولا ماقاله عمن لم يكمل أعمالهم . لقد طلب مني ذلك اليوم أن أزوره في الفندق الذي يقيم به لقاء أسبوعيا في المعادي . نسيت الآن اسم المكان للأسف . ذهبت . طلب من الدكتور يحيي الرخاوي أن يقيم لي ندوة في مستشفي الرخاوي بالمقطم حيث يفعل ذلك . وتمت الندوة عن رواية لا أحد ينام في الإسكندرية . بعد ذلك التقيت به في فيلم تسجيلي للجامعة الأمريكية وصرت كل عام أو عامين أزوره في البيت في رمضان مرة ولا أعلن ذلك حتي رحل عنا رحمه الله . لقد تحدث عني في أكثر من حديث مع جريدة أو تليفزيون أجنبي وكان يقول عني أن ابراهيم عبد المجيد يكتب بالألوان . الأزرق للبحر والأصفر للصحراء . يا إلهي . كيف يمكن ان أنسي نجيب محفوظ وكيف يمكن أن أصدق أن عشر سنوات مرت علي رحيله؟! .


--------------------


وأنا أكتب رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية” وأحداثها طبعا أثناء الحرب العالمية الثانية , لم يفارقني طيف رشدي في خان الخليلي الذي قتله مرض السل ,فجعلت أحد أبطال روايتي شابا اسمه رشدي في محاولة مني أن أحيي البطل الذي حزنت لوفاته أشد الحزن والذي كان يردد في خان الخليلي :


“ ما لي أري الأنظار بي جافية ..


لم تلتفت مني إلي ناحية .


لا ينظر الناس إلي المُبتَلى ..


إنما الناس مع العافية «


هكذا حزنت من أجل رشدي الذي قرأت روايته خان الخليلي وأنا في سن السادسة عشر . رشدي في لا أحد ينام في الإسكندرية يحب كاميليا المسيحية وتتحول القصة إلي تراجيديا يسافر بعدها إلي باريس التي يحلم بها وهو طالب ثانوي ويقرأ أدبها . يظهرمرة أخرى في رواية « الإسكندرية في غيمة « حيث تسافر إلي باريس في السبعينات فتاة كانت تسمع قصته من أهلها وهي طفلة ولا تصدق القصة التي صارت مثل أسطورة في الحي . صار رجلا كبيرا . استاذا في السوربون ولا يصدق هو أيضا أن قصة حبه تتدوالها الأجيال.


وأنا أكتب رواية طيور العنبر , وهي الجزء الثاني لثلاثية الإسكندرية التي صارت تضم الآن « لا أحد ينام في الإسكندرية « ثم “طيور العنبر “ ثم “ الإسكندرية في غيمة « كنت أعرف أن السؤال النقدي سيعقد المقارنة بين ثلاثية الإسكندرية وثلاثية محفوظ عن القاهرة . أعلنت مبكرا أن ثلاثية الإسكندرية ليست لأجيال متعاقبة , لكنها لمدينة في ثلاث تحولات كبري . مدينة عالمية في الأربعينات ثم مدينة مصرية في الخمسينات والستينات بعد خروج الأجانب ثم مدينة سلفية وهابية رجعية منذ السبعينات حين بدأ هذا الهجوم السلفي المتخلف عليها- وعلي مصر كلها طبعا – بموافقة النظام الحاكم وتشجيعه . أقول حين كنت أكتب هذه الرواية كنت أعود إلي الصحافة كما فعلت في سابقتها « لا أحد ينام في الإسكندرية « لأعرف منها الأخبار اليومية التي يمكن أن تكون مفيدة . وياللهول . رأيت رسالة من شخص اسمه في الرواية إذ نسيته الآن , شخص من الإسكندرية أرسل الرسالة إلي مجلة المصور التي أكتب لها هذا الموضوع الآن. رسالة يقول فيها أن رواية أولاد حارتنا التي ينشرها نجيب محفوظ في الاهرام - عام ١٩٥٩- هي رواية تحاكي القرآن وقصص الأنبياء وهي رواية كافرة ويحذر منها . توقفت كثيرا أمام الرسالة . أدركت أنه بعدها تحرك الشيخ محمد الغزالي ثم الأزهر وجري ما جري من هجوم علي الرواية وعدم نشرها في مصر . عزَّ علىّ جدا أن تكون الرسالة من الإسكندرية مدينة العالم , لكن الإسكندرية كانت تتحول بعيدا عن العالم تحت دعوي الاستقلال الاقتصادي والسياسي ولهذا حديث يطول . مرت سنون طويلة ودفع العظيم نجيب محفوظ الثمن لأن هؤلاء الناس لايعرفون الحرية لغير أنفسهم ولا يعترفون إلا بما في رأسهم طال الزمن أم قصر .


وأنا أكتب رواية «هنا القاهرة « يجد بطلها نفسه ذات ليلة في أزقة كلوت بك . تخطف عينيه فتاة حسناء فيدخل وراءها بيت دعارة مفاجئ له . يقابل فيه سيدة عجوز تحكي له كيف كان نجيب محفوظ يزورها وهي شابة وكيف استلهم من هنا شخصيات في روايته بداية ونهاية . وحين تم تصوير الفيلم ذهب إليها وقدم لها خاتما من الذهب هدية , وتطلع بطل الرواية علي الخاتم وتسأله كيف يمكن أن تقابل نجيب مخفوظ الآن بعد أن اختفي ولم يعد يزورها . الرواية أحداثها في السبعينات . وطبعا هذا كله غير حقيقي , لكن كيف يجد البطل نفسه في شارع كلوت بك ولا تطل ذكري نجيب محفوظ بأي طريقة ؟ !!


وأتوقف هنا عن الحديث الذي أجمله في أن محفوظ أراد أن يبني صرحا للرواية العربية يعادل ما بناه كل روائيي العالم معا فانتقل من المرحلة التاريخية إلي الواقعية الكلاسيكية إلي الحداثة بكل تجلياتها , وهو التاريخ الأدبي الذي مرت به البشرية عبر ثلاثة قرون من الكتابة . محفوظ كاتب كانت الفلسفة ركيزته في رؤية العالم وبناء ولغة رواياته . كاتب جعلني منذ الصبا أقرر أن أكون كاتبا للرواية . أحبني هو وأعلن ذلك بعد قراءته لرواية لي , لكني عشقته عمري كله رغم لقاءاتنا القليلة .