المقالة التي أغضبته فوصف كاتبها بقلة الأدب

08/09/2016 - 1:46:38

بقلم : عبده جبير

في يناير ١٩٧٧ م قمت بمغامرة إصدار مجلة شهرية مخصصة لعروض الكتب، أسميتها “كتب عربية” ومن اللحظة الأولى قررت أن يكون موضوع غلاف العدد الأول مقالا عن رواية “حضرة المحترم” التي كانت قد ظهرت للتو، وسعدت لأنني وجدت قبولا من الصديق سليمان فياض ليكتب المقال. كان هدفي إذن هو الاحتفاء برواية محفوظ وبمحفوظ نفسه، ينشر مقالاً عن روايته في الصفحة الأولي، في العدد الأول، وما كان ظاهرا إلى من خلال العلاقة التى نشأت بينه وبيني وبين كل الزملاء الذين كانوا يواظبون علي حضور ندوته في مقهي ريش، إنه رجل متسامح يقبل النقد خاصة إذا كان موضوعيا ومن كاتب له قيمته الكبيرة مثل سليمان فياض.


نشرت المقال في صدر العدد الأول ومعه صورة نجيب محفوظ وبمجرد خروجه من المطبعة حملته إليه فرحا، وهو تلقاه لأول وهلة بابتسامة عريضة، وألقى عليه نظرة ، وشكرني.


غادر المقهي والعدد تحت إبطه ، وانتظرت للأسبوع التالي حتى أسمع رأيه، وقبل حضوره بوقت ذهبت للمقهي فوجدت سليمان فياض جالسا فجلست بجواره وما هي إلا دقائق حتي هل نجيب محفوظ داخلا المقهي بابتسامته المعهودة، لكنه وقد حيا الجميع تقريبا رمقنا (أنا وسليمان فياض ) بنظرة خاطفة تغيرت خلالها ملامح وجهه إلى الجهامة، وتجاهلنا ماشيا إلى الركن الذي كان يجلس به ويستقبل مريديه كالعادة سألت فياض : إيه الحكاية؟


قال وقد بدا عليه الارتباك:


- الظاهر إن المقالة معجبتوش.


-لا، دا واضح أنه غضبان جداً.


- أيوه، باين ، دا عمره ما عمل كده معايا؟


كنت أنا شخصيا أنتظر أن أسمع رأيه في المجلة، أقصد طبعا مجلة كتب عربية التي كنت أهديتها له الأسبوع الماضي، لكنه بهذه الطريقة التي عاملنا بها، وهو الرجل الحسيس الذى لا تفوته هذه الحركات، فهو ابن بلد أصيل، لذا وجدت أنه علي أن أمشى، أن أترك المقهي، وكذلك رأي سليمان فياض، فغادرنا ريش وانتقلنا إلى مقهي الحرية، وهات ياشرب.


لم تكن مرارتي تتحمل الموقف فغادرت مقهي الحرية قبل أن تميد الأرض بي، ومشيت إلي بيتي، في شارع المبتديان، السيدة زينب.


في اليوم التالي عرفت أن سليمان فياض عاد إلي مقهي ريش، بعد أن مادت به الأرض، وأنه ذهب إلى حلقة نجيب محفوظ مباشرة، وجلس، وكان الحوار يدور حول المجلة، وكل يبدي رأيه، وحين جاء الدور علي نجيب محفوظ، إذا به يمسك المجلة بيد ويشير بالأخري إلي مقال سليمان فياض، ويقول موجها الكلام إلي سليمان فياض في عينه:


- دي بقه قلة أدب.


توتر الجو، خاصة وأن وجه فياض كان قد بدأ يتحول من الأحمر إلي الأزرق، ولولا ستر ربنا، لربما حدثت مواجهة ساخنة، ففياض أيضا كان من الممكن أن يرد، لكن الأرض كانت تميد به وازداد الدوار، لكن الوقت كان قد أزف علي نهاية الندوة، فإذا بنجيب محفوظ يقف ويرفع يديه محييا الجميع:


- طيب، سلام عليكو.


انتظر سليمان فياض حتي استرد بعضا من توازنه، وراح يضحك ويقهقه بعلو صوته، وقال وهو يغادر المقهي:


- الراجل أتجنن.


من ناحيتي ظننت أنني عملت ما يقتضيه الواجب، وضعت صورة محفوظ علي غلاف أول عدد من المجلة، مما لابد أن يكون له مغزي، وطلبت من كاتب محترم اسمه سليمان فياض، وهو الذي لا يشك أحد في أنه رجل صاحب ضمير، كما لا يشك أحد في قدرته علي كتابة نقد محترم وعميق خاصة في مجال الرواية، ولكن للأسف جاءت النتيجة، التي كنت أود أن تكون سعيدة، بنهاية محزنة، لأنني وجدت نجيب محفوظ وقد تغير تجاهي لدرجة أنه قاطعني أكثر من ثلاث سنوات لم يوجه لي التحية حين يهل علي المقهي وأكون جالسا، كما كان يفعل سابقا ، بل إنه تمادي لدرجة أنه لم يرد علي تحيتي حين تجرأت بعدها بعدة أشهر ، وأقبلت علي الحلقة :


-سلام عليكم .


لم يرد


بل عمل أنه لم يسمع أصلا.


إلى “الخلفان” در، استدرت وغادرت المقهي ولم أعد بعد ذلك إلي الندوة ، بل تعمدت ألا أذهب إلي ريش وقت انعقادها وانتشر الأمر في المحيط، ما بين الأتيليه، وستللا، وفلفلة وأسترا، وبقية المقاهي والمنتديات الثقافية في وسط البلد ، وبقت فضيحة بجلاجل من هنا أجد لزاما علي أن أعيد نشر هذه المقالة التي تسببت في زعله إلي هذا الحد، فهذا أيضا جزء من تاريخه، وربما من تاريخنا ، أنا وسليمان فياض أيضاً، خاصة وأن رد فعله هذا جاء علي عكس ما كنا نتوقع ، فقد كانت لدينا ثقة بأنه سيتقبل هذا النقد بما عرفناه عنه كرجل متسامح طوال عمره.


كانت المقالة بعنوان : “حول حضرة المحترم لنجيب محفوظ” بقلم : سليمان فياض وها هي تبدأ:


“الرجال هم الأغلبية في أدب نجيب محفوظ ، ذلك أمر غير طبيعي في مجتمع أبوي ومتخلف، ومن يقرأ قصص نجيب محفوظ سيلحظ ثلاث مجموعات رئيسية : عالم الموظفين، وعالم الفتوات ، وعالم الدراويش، وبصورة خاصة فإن الموظفين يحتلون أغلب القائمة ، وأغلب هؤلاء من الكتبة والإداريين .


وتكاد مشكلات التوظف والوظيفة ، والترقي في الدرجات والتنافس عليها أن تحتل جانبا كبيرا من المشكلات القصصية في تجارب نجيب محفوظ، وهذا طبيعي، فنجيب محفوظ ابن القاهرة المركز الرئيس لموظفي الدولة، وهو نفسه، عمل إثر تخرجه من الجامعة كاتبا في سراديب وزارة الأوقاف، وعمل كموظف مثالي صغير ، يضع علي رأسه الطربوش ويزرر جاكتته فنجيب محفوظ حين يكتب عن الموظفين، فإنه يكتب عما عاشه، وعاناه، عما يعرفه معرفة حياتية واثقة، يكتب عن معاناته وقلقه .


كتب نجيب محفوظ، الأقصوصة، والقصة القصيرة الطويلة، والرواية القصيرة، والرواية الطويلة، وهو يعرف جيدا، من خلال ممارسته لعمله، البناء الفني، والتكنيك التقريبي لكل شكل من أشكال القصة، وروايته القصيرة “ حضرة المحترم” تشهد له بهذه المعرفة الواثقة والمقتدرة.


فالرواية القصيرة يقوم بناؤها، علي حالة، أو موقف، أو شخصية، هي محورها البنائي، وكل ما حولها يدور في فلكها لإضاءتها.. وحضرة المحترم تقدم لنا في بنائها المحكم والمصمم بوعي واقتدرا، شخصية الموظف “عثمان بيومي” في موقف من مواقف الحصار النفسي ، والسلوك العصابي، الثابت والمهووس، هو موقف السعي الحالم، والطموح، إلي بلوغ قمة يرنو إليها كذروة خاصة لحياته وكمعني لتحقيق وجوده في الحياة، ألا وهو منصب المدير العام.


وفي الحدود المرسومة قدم لنا نجيب هذا الموقف من خلال مسيرة الشخصية إلي هدفها، وقدم لنا ما يحيط بهذا الموقف الأساسي العام من مواقف، ولكن الوظيفة كظاهرة اجتماعية تظل في هذه الرواية، غامضة، ومبهمة، وملقاة في الظل.


وهذه الشخصية الكاريكاتورية التي تقوم علي المبالغة المأساوية تظل نموذجا واحدا يبتعد بنا عن الظاهرة الاجتماعية وعن ردود أفعالها ، دون فعل حاسم للنجاة من الوظيفة كصورة من صور العبودية الحديثة .


لقد تغاضي نجيب محفوظ في روايته، عن الوظيفة كظاهرة، وعن حالات من الموظفين، ومواقف غنية كان من الممكن ، بمواقف حضورية لا سردية، كما فعل هنا أن يقودنا إلي بناء عالم أكثر رحابة ومستوي أرقي، وحصر نفسه، بروايته القصيرة، في تشريح شخصية عصابية، وشاذة، كان يمكن أن يحمد له تشريحها، لو اغتنت الشخصية بالمبررات في نسيجها منذ البداية، لو استبدل لنا سرده التلخيص بالمواقف الحضورية، التي يسلم كل منها للآخر، ويضيئه، ويبرره.


من المسلم به أن يراعي الروائي رد الفعل النفسي لشخصيته حين نواجه موقفا ما، ولكن من المسلم به أيضاً أن يكون رد الفعل مساويا للعمر النفسي والزمني والثقافي لهذه الشخصية .


وعلي سبيل المثال : فحين يقول “سعفان أفندي بسيوني” رئيس المحفوظات، وقد كبر في السن لموظفه الجديد “ عثمان بيومي” حامل البكالوريا، وهو دون العشرين من العمر:


- أهلاً أهلاً .. الحياة يمكن تلخيصها في كلمتين: “استقبال ثم توديع” تكون الحكمة مقبولة من الشخصية، وفي مكانها من خبرة حياة سعفان، وعمره النفسي والزمني، ولكن حين يعلق “عثمان بيومي” وهو دون العشرين، علي هذه الحكمة بقولة لنفسه “ولكنها رغم ذلك لا نهائية، في حاجة إلي إرادة لان نهائية” يكون التعليق حكمة مراهقة حيال الكون .


إن العبارات ، الحكيمة هنا ، بالنسبة لعثمان بيومي ، تأتي في غير أوانها، ولذلك نتلقاها، بمحض الإدراك الذهني ، كمقولة تقريرية ومباشرة وتشعرنا بأنها تدخل من الكاتب، يتجاوز ردود القول والفعل لشخصية عثمان.


لكن هل هي مجرد تدخل من الكاتب، يمكن أن يحسب في عداد الحشو، والزيادة والكليشهات الموروثة !


لماذا لا نقول إن هدف الكاتب من ذلك، أن يفرغ منذ الفصل الأول، من عثمان بتحديد الملامح الفكرية والنفسية لشخصيته التي ستلقي بظلها علي ردود فعله، ومواقفه، وسلوكه ونهج حياته في الرواية كلها ؟


ولو أن نجيب محفوظ وضع يده علي العقدة الجوهرية في شخصيته، وما يؤدي إليه من طموح طبقي في السلم الاجتماعي، عقدة أن أباه سائق عربة كارو، وأمه دلالة، وأخاه مات في السجن وأخاه الآخر مات في مظاهرة بأيدي الثوار، ولو أنه جعل “العقدة”هي فكرته عن العالم، وعن الوظيفة، وعن النار المشتعلة في صدره، لتغيرت مطالبته لهذه الشخصية، ورؤيته لعالم الموظفين،يل لتغير بناؤه كله في “حضرة المحترم” وهي العقدة التى أشار إليها نجيب في روايته، دون أن يبني فوقها وينسج حولها أحداث وشخوص روايته، بل ولفسر لنا روائيا، السر في بخل عثمان، والسر في عزلته، والسر في تقديسه للوظيفة وتأجيله لفرحة حياته كإنسان، والسر في كراهيته الضاربة لأحاديث الموظفين عن السياسة وعما يجري حوله في مجتمع صاخب، يضج بالحركة ويدور حول نفسه، باحثا عن المخرج والخلاص.


في ألوان الأدب الدرامية، يخضع الحوار ، كوسيلة درامية، للتعبير عن الشخصيات في موقف، للغة خاصة به، هي اللغة الحركية، التي تعبر عن الواقع الفكري والنفسي لكل شخصية علي حدة، إلي الدرجة التي يختلف فيها حوار كل شخصية عن الأخري بمقدار اختلاف الشخصيات في التفرد الخاص بها كعوالم مستقلة بذواتها، كأكوان صغيرة، فريدة، نراها من حولنا دائما، ونري صورها في أعمال الأدباء، والفنانين العظام، يختلف في القاموس اللغوي سواء كانت هذه اللغة عامية، أو فصيحة، ويختلف فيما يعكسه حوار كل شخصية في الموقف الخاص بها، من مستويات نفسية، وطبقية أيضاً، وتلك أمور فنية هي جزء من العمل الدرامي، ووسيلة فنية، للوصول إلي التأثير والإقناع لكنني لاحظت كثيرا، أن شخصيات نجيب محفوظ، حتي في مرحلة الواقعية، تتكلم بمستويات حوارية واحدة، قد تختلف مواقفها، وعمرها، لكنها تتكلم غالبا بنفس اللغة الراقية، وبنفس المستوي الأسلوبي الرفيع، وبنفس التقارب الفكري والنفسي، وكان الكاتب قد قسم لغته، وقاموسها بين شخوصه، وتحدث لنا نيابة عنهم، دون أن يتقمصها، أو يتلبسها، كما فعل جوجول،وديستويفسكي، وتشيكوف، وشتاينبك، وهمنجواي، ويوسف إدريس، بل إنه يفعل ذلك، مع كل الشخصيات بنفس الطريقة ،وبنفس المستوي، في مونولوجات هذه الشخصيات ، وحواراتها الداخلية: ويمكن لنا أن نبلع ذلك علي مضض في روايات نجيب وأقاصيصه الذهنية في مرحلته التجريدية، مع تحفظنا الشديد حيالها فنيا، لأن الكاتب يضحي فيها بالكثير، لكي يقول لنا آراء وأفكاراً سياسية، لكنه في “حضرة المحترك” يحاول أن يعود ليصل ما انقطع برواياته الواقعية، وفي هذه العودة يتحرر كثيرا من أسلوبه الفضفاض، وسرده التلخيصى، والتاريخي للمواقف، وللشخصيات، ويتحرر كثيرا من الاستطرادات ومن الحشو والإطناب، في غير مقام أو سياق ولكنه لا يتحرر من ثبات مستويات حوار الشخصيات، وتقاربها حتي إن أية شخصية قادرة على أن تقول “لا” كلا بدلا من أن تقول “لا”نري ذلك في حوارات: عثمان، وحمزة بسيوني، والمدير العام، وسعفان ، وأم حسني، وقدرية، وسيدة، وأصيلة، وإحسان، وأنيسة وراضية.. إلي آخره وقد يغفر له هذا التشابه، تشابه أكثر الشخصيات في نوعيتها، كموظفين، ومتعلمين، ولكن يظل مفقودا في الحوار ذلك التفرد الخاص بكل شخصية، في روحها، وفكرها، ونفسيتها، كما في وجهها وبنيانها الجسدي، وملامحها، وحركتها اليومية .


بعض الروائيين الذين قرأت لهم، تبدو تجاربهم أغني وأخصب من قدراتهم الروائية، ولذلك تستمد رواياتهم غناها وخصوبتها من خصوبة تجاربها، وبعضهم تبدو قدرتهم الروائية أكبر من التجارب التي يعالجونها وتبقي رواياتهم شامخة وعزيزة بسبب هذه التجربة، ما طرح منها ، وما تستثيره في نفسي كقارئ عن الموظف المصري ، وتجربة الموظف في مصر .


لقد بدت لي مواقف رواية “ حضرة المحترم” وانتقالاتها متجاورة في الرواية، بترتيب مرقم ومسلسل، يجعلها، كأنها قصاصات كتبت تحت عناوين ونقاط وعناصر متوالية عدديا، فجاء بناؤها مبوبا ، وقد فقد فاعليته الدرامية، وجاءت شخصياتها كدمي تتحرك حركة باهتة، ما تكاد تظهر حتي تختفي ، ومرة أخري تفقد رواية لنجيب محفوظ ديناميكيتها ، ومرة أخري أشعر بأن كاتبنا الكبير يتسرع بنشر مسودة روايته ، في مشروعها الأول، وتخطيطها البكر، ويفقد علي غير عادتنا معه صبره القديم في الكتابة الروائية لعل روايته القادمة تسترد لنا وله .. ما خسرناه.. هذه هي المقالة التي تسببت في غضب نجيب محفوظ لدرجة أنه قاطعني كما قاطع سليمان فياض عدة سنوات، لكن ما أن مرت الأيام حتي نسي الموضوع، وعادت المياه إلى مجاريها.