«أدب الانفتاح» عند نجيب محفوظ

08/09/2016 - 1:43:48

بقلم - أيمن شرف

لأن نجيب محفوظ هو مؤرخ الحياة الاجتماعية المصرية في الرواية بامتياز كان من الطبيعي أن يختار الباحث الألماني شتيفان جوت عملين من أعمال محفوظ باعتبارهما يمثلان تشخيصا «للتحول – التغيير – الانكسار» الذي طرأ على المجتمع المصري في زمن الانفتاح في السبعينيات، وذلك ضمن كتاب جوت – رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة بون عام ١٩٩٢ – «شهود على نهاية عصر» غانم ومحفوظ وجبير وصنع الله والغيطاني - خمسة كتاب يرصدون انكسار المجتمع المصري بعد عام ١٩٧٠»، والذي سيصدر قريبا عن المركز القومي للترجمة، لكن اللافت للانتباه هو درجة العمق والجدة في ملاحظات الباحث الألماني حول الأعمال الستة التي اختارها، (أكتفي هنا بما يتعلق بعملي محفوظ «أهل القمة» و»الحب فوق هضبة الهرم») حيث يرصد جوت - على سبيل المثال - أن الهوية الذاتية لمحفوظ لا تتمخض عن تأثير على الشكل الأدبي مقارنة بفتحي غانم والغيطاني وصنع الله إبراهيم، ويرصد أيضا أن محفوظ كممثل لجيل أقدم من الكتاب - مقارنة بالآخرين- لم يظل بمنأى عن الاتجاهات الجديدة، فيشير تفكيره وكتابته في «أدب الانفتاح» تحديدا إلى كثير من القواسم المشتركة مع الجيل الأصغر سنا، فرغم أنه يتسم «بالرصانة» ومر بتجارب عميقة مع تقلبات التاريخ المصري وطور شخصية أكثر نضجا وثقة لكن صدمات الستينيات والسبعينيات غير المسبوقة هزته بتجارب حياتية يصعب معالجتها، وكان واضحا أنه في وصفه للتطورات التاريخية لهذين العقدين قد فعل ذلك غالبا في شكل «الثنائيات المتناقضة» المرتبة بالتوازي التي فضلها كتاب الجيل الأحدث.


ويلاحظ الباحث الألماني أيضا أن اهتمام محفوظ بالجانب السياسي في هذين العملين -مثله في ذلك مثل عبده جبير وجمال الغيطاني- يبدو منخفضا، ففي «أهل القمة» يبرز التفاعل بين مختلف الفئات الاجتماعية، وتتحقق المواجهة هنا بمشاركة ممثل «لعامة الناس» حيث يمثل محمد فوزي رمزا لطبقة عريضة من المجتمع المصري، وهي مواجهة ذات ثلاثة أطراف (ابن الطبقة المتوسطة محمد فوزي، ورجل الأعمال زغلول رفعت، والطفيلي زعتر النوري)؛ وتوضح الواقعتان الرئيسيتان (مسار صعود زعتر وطلبه الزواج من ابنة أخت محمد فوزي وكذلك طلب زغلول رأفت الزواج منها) الاهتمام الأساسي لمحفوظ «بتحولات المجتمع»، أي التغييرات في الهيكل الكلي للمجتمع وفي نطاق العلاقات بين الأفراد واختيار الشخصيات والموضوع نفسه حيث تحدث العمليات الحاسمة حسب رؤية المؤلف، ويتشابه الأمر أيضا في قصة «الحب فوق هضبة الهرم»: فلحظة الصراع هي الحب بين (علي ورجاء)؛ وهما يمثلان شباب الطبقة الوسطى، وفي هذه الحالة هما لا يمثلان طبقة من طبقات المجتمع المتعارضة بل يمثلان البيئة المحيطة بأكملها والزمن الذي يعيشان فيه ويحاولان التواصل خلاله، وهذا الزمن يظهر فاعلا في نطاق العلاقات الإنسانية ومؤثرا على الفرد، بينما تبقى العناصر السياسية بعيدة إلى حد كبير، وأبطال محفوظ «في الحب فوق هضبة الهرم» ليسوا في حالة تعارض فيما بينهم، بل هم يتصرفون في زمن يخرب القيم «الخيرة»، ويتجلى كعنصر مدمر أخلاقيا.


في إطار تعبير أعمال أدب الانفتاح عن التدني الأخلاقي السائد في المجتمع يرصد الباحث أنها تعتمد على الجنس، وتبدو تعبيرا عن تفكير يقيس العلاقات السياسية على أساس قيم «الشرف والعار»، ولا تمثل تلك الصور انتقادا للعلاقات التقليدية بين الجنسين بشكل استفزازي بل فضح من يتعرضون للانتقاد في العلن (في عيون القراء)، ولا تُهاجم القيم السائدة في النطاق الجنسي بل يتم التأكيد عليها، والوسيلة المفضلة عند محفوظ وغيره من الكتاب الخمسة هي تصوير شخص ما يشتهي الجنس على نحو معين بأنه كائن غير طبيعي أو سييء، وهذا نمط سائد للسخرية والاحتقار يستخدم دائما في البناء الأدبي لتوصيف شخصيات «الخصوم» أو «المعادين»، فنجده في «أهل القمة» عند رجل الأعمال زغلول رأفت، وعند عرب الخليج «في الحب فوق هضبة الهرم».


وهنا يرتبط التجريم كإحدى وسائل الانتقاد بمحدثي النعمة و»الطفيليين» والقيادة السياسية، ففي «أهل القمة» يبدو اللص الصغير زعتر على حق عندما يدعي أن «الحكومة هي أكبر حرامي في البلد» لأنها كانت تغض الطرف في السابق - قبل قوانين الانفتاح - عن تهريب البضائع، والآن قننت ما هو في الحقيقة جريمة، أي غير جائز بالمعنى الأخلاقي، ويوحي محفوظ بأن مرحلة تحول السلطة - على الأقل من وجهة نظر الضابط محمد فوزي – هي زمن يبدو فيه كل شيء على ما يرام، لكننا نستطيع - كما يؤكد جوت- أن نشك في أن وجهة نظر المؤلف هي تمجيد حكم عبد الناصر بنفس الطريقة لأن شخصية محمد فوزي مبالغ عمدا في سذاجتها.


ولا يحرص محفوظ على تحميل المسئولية عما يحدث للأفراد إلى الحكومة بشكل مباشر، فلا يجعل الضابط في «أهل القمة» يواصل السؤال عمن يمكن أن يكون مسئولا عن ذلك جزئيا، فزميله صاحب الراتب الهزيل يعمل إلى جوار وظيفته في سوق ليبيا من أجل عائد إضافي، وكذلك في «الحب فوق هضبة الهرم» لا يبدو تكدس الموظفين في القطاع العام واقعا له سبب سياسي، وينطبق ذلك أيضا على ظواهر أخرى كثير مثل تهدم المباني ونقص المساكن وسوء الخدمات والغلاء المستمر وإهمال النظام التعليمي إلخ، بل ويبدو أبطال محفوظ لا ذنب لهم في الظروف التي تسبب معاناتهم، وعندما لا يحيل المؤلف المسئولية على الدولة مباشرة يتجه القارئ للبحث عن المسئول، وقد يلفت انتباهه في اتجاه معين عندما يصف بالتفصيل ظروف حياة الضابط محمد فوزي براتبه المحدود ويقارنه بدخل أصحاب المشاريع، والذين يتم التعبير صراحة عن أنهم يحظون بغطاء من الحكومة، حتى شخصية «علي» في «الحب فوق هضبة الهرم»، لم يُصور بدون قصد خريجا جامعيا يعمل موظفا في القطاع العام، وإن كان في الحقيقة لا يؤدي أي عمل – وهنا تبرز تلقائيا قضية سياسات التعليم والتوظيف التي تنتهجها الحكومة، وإذا جاز التعبير: فإن «علي» و»رجاء» لم يكونا ليواجها تلك المصاعب التي تستغرق موضوع القصة كلها لو كانت الظروف غير ما هي عليه، وعندما يربط «علي» بين صرخته اليائسة «أريد امرأة.. أية امرأة» بأنه لم يعد يفكر في أي من المشاكل التي تعني بها الحكومة حسبما تقول الصحف، يدخل محفوظ سلطة الدولة في المناقشة مباشرة من خلال ذكرها في النص.


لكن النقد لا يبدو موجها بشكل مباشر ضد القيادة السياسية، فلا يبرز نظام السادات عادة كمسئول عن أسباب المعاناة، وصراعات القصة تنشأ من التناقض بين الفرد وممثلي النظام، وينتمي الخصوم -حيثما وجدوا- إلى طبيعة مختلفة: فيدور الصراع في «أهل القمة» بين كبار المحتالين وصغارهم والشرطة، واللصوص الكبار والصغار هنا كان يمكن ألا يصبحوا خصوما للشرطة لو أن الحكومة لم تسن قوانين التجارة الجديدة إلخ، أي أن الظروف السياسية مطروحة فقط - إذا جاز التعبير - كإطار يدور في داخله الموضوع الفعلي للقصة.


وإلى جانب تأثير الخارج (الغرب تحديدا) على السياسة الداخلية المصرية وإظهار الدولة باعتبارها مجرمة ولا أخلاقية يلاحظ جوت أن عملي محفوظ يناقشان بشكل عابر عدة أمور من بينها «تحالف القيادة مع الشركات التجارية الكبرى»، وأحيانا ما يصوِّر كبار رجال الأعمال باعتبارهم الحكام الحقيقيين، وكذلك «قمع المحكومين من خلال عنف الدولة ووجود الشرطة والأمن في كل مكان وأنه لا يخضع لسيطرة حكم القانون، فلا يستطيع المرء أن يقول علنا ما يفكر به دون خوف من الملاحقة أو عواقب أخرى (الصحفي عاطف هلال في «الحب فوق هضبة الهرم» يهمس لعلي في أذنه بأن الثورة يمكن أن تغير الظروف)، و»الفجوة الواضحة بين الواقع كما تصوره الأجهزة الرسمية وكما يواجهه الناس في الحياة اليومية»، وهنا تلعب الصحافة والإذاعة والتليفزيون دور أدوات الدعاية الحكومية، فتتحدث عن السلام والحرية والديمقراطية والحضارة والتقدم – وفي الحقيقة يسود العنف، وتتم صفقات السلاح، ولا توجد حرية تعبير، وتخضع ثروات الشعب لطغمة تتألف من ممثلين للدولة والشركات الكبرى، ثم «التوتر الشديد في وضع السياسة الداخلية» إلى درجة تؤدي إلى ظهور إرهابيين متطرفين، حتى أن البطل في «الحب فوق هضبة الهرم» يتعاطف مع الإرهابيين الذين ينفجرون في أركان البلد ويهزون الدولة.


اعتمادا على نصي محفوظ وغيره من الكتاب الخمسة يتوصل الباحث الألماني إلى أن الانكسار الأهم في بنية النظام الاجتماعي السابق على زمن الانفتاح هو الاتساع الهائل في الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والأغنياء في هذه الأعمال هم الأثرياء الجدد، بينما لا تكاد توجد النخبة الثرية القديمة، على شاكلة زغلول رأفت عند محفوظ (أهل القمة)، وغالبا ما يتم التعبير عن عمق الفجوة بوصف الأغنياء الجدد بـ «المليونيرات»، وتخدم المقاطع الوصفية الكثيرة بنية السرد جزئيا بإظهار التناقض بين ثراء الأغنياء والظروف السيئة التي يعيشها الآخرون، ويُظهر محفوظ التناقض في «أهل القمة» من خلال وصف ظروف حياة عائلة محمد فوزي، التي يكرس لها الأجزاء الأولى من قصته القصيرة، ثم فجأة يظهر التناقض بدرجة سافرة مع ظهور زغلول، الذي لا يبدي انزعاجا كبيرا على ما يبدو من ضياع علاَّقة مفاتيح مرصعة بالماس؛ وهناك سمة أخرى من سمات «الأثرياء الجدد» أن المعلومات التي يتلقاها القارئ عنهم ليست «مباشرة»، فيما عدا حالات قليلة؛ فعادة ما يجبرنا المؤلف على أن نراهم من منظور شخصية أخرى تنتمي في الغالب للطبقات الأدنى، ويظهر هذا النوع من المنظور أن المؤلف لا يريد أو لا يستطيع في كثير من الحالات أن ينظر «للأغنياء الجدد» بشكل محايد كمجرد قوة اجتماعية جديدة، والأمر لا يتعلق عنده بالبحث «الموضوعي» في تلك الظاهرة، وبدلا من ذلك يركز على وصف تأثير «الأغنياء الجدد» على الآخرين، وبناء عليه نادرا ما يظهرون بشكل منفصل، بل يظهرون عادة في إطار تركيب شخصيات كنقيض لأشخاص في تقسيم آخر، وينطوي ذلك على نوع من الانحياز ضد هذا النمط، ولا يكلف المؤلف نفسه عناء تحريرنا من الخطاب غير المباشر لإلقاء نظرة على أفكار ومشاعر الأغنياء الجدد.


وتتمثل الخصائص النمطية للأغنياء الجدد بشكل جوهري في أن أصلهم يعود إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا؛ وأنهم صعدوا صعودا سريعا خلال السنوات الأولى للانفتاح من حالة «المحرومين» من جميع وسائل الرفاهية والمستبعدين من المكانة الاجتماعية إلى حالة «المليونيرات» الذين يمكنهم تحقيق كل أنواع الترف؛ وأنهم يتباهون بطريقة فجة برموز الوضع الاجتماعي المكتسب حديثا (السلع الفاخرة باهظة الثمن)؛ وأنهم يتمتعون بقوة هائلة وتأثير كبير على الحياة الاجتماعية والسياسية (صيغة السمة المتكررة: أن صورهم تظهر في الصحف)، وأنهم اكتسبوا ثرواتهم كليا أو جزئيا من أنشطة إجرامية (التهريب والسرقة والرشوة وتجارة السلاح، وما إلى ذلك)؛ والأغنياء الجدد هم دائما «رجال أعمال» مغامرون ونهمون «مقاولون» أو «تجار» يعملون في العديد من الأنشطة في وقت واحد، وغالبا ما يشار إليهم باعتبارهم «وسطاء» محليون لشركات أجنبية أو كشركاء في شركة أجنبية مصرية مشتركة؛ والأثرياء الجدد من «المقاولين» و»التجار» لا يعرفون سوى الغرائز الدنيا (خصوصا المال والجنس والانتقام بسبب معاناتهم السابقة من الحرمان والتهميش الاجتماعي)؛ وهم يسعون للتخلص من الماضي الذي يلاحقهم ووصمة انتمائهم للطبقات الدنيا – ومرة ينجحون ومرة يفشلون - و/ أو تعويض ذلك النقص من خلال المظاهر الفخمة الأنيقة أو المظاهر الدينية والحج والتبرع لأغراض خيرية ومصاهرة الطبقات العليا، ونموذج الأغنياء الجدد عند محفوظ داهية، مدرك للعصر ولايمكن الاستهانة بذكائه، لكنه يتسم بالقسوة اللاإنسانية واحتقار الكرامة الإنسانية، وكثيرا ما يشعر بمتعة سادية في إذلال ضحاياه من خلال خفض قيمة الإنسان إلى مجرد عنصر في حسابات المكسب والخسارة، ومن خلال الانتهازية معدومة الضمير.


شخصية «رجل الأعمال» عند محفوظ تعرف كيف ترتدي قناعا في الأماكن العامة، يسعى المؤلف لإزاحته ويبذل جهدا كبيرا لوضع مظهره الجميل أمام نقيضه من الواقع الحقيقي، وفي «أهل القمة» يحدد محفوظ هذا التناقض عبر أسلوب سردي، وخصوصا باستخدام التأثير العكسي، أي أنه يوحي لدى القارئ بتوقعات معينة لكنها تخيب عند النتيجة: زغلول رأفت يظهر في البداية كضحية سُرق منه شيء، وبعد ذلك يظهر أنه «كبير اللصوص»، وفي البداية يبدو كما لو كان منحازا إلى جانب الأخلاق عندما يحكي للضابط أن المحتال زعتر يلف من وراء ظهره حول ابنة أخته الجميلة سهام، وبعد ذلك يتضح أنه – رغم كبر سنه – يريد الزواج منها، وعلى عكس فتحي غانم الذي يحذر القارئ من قوة وهمجية شخصيات «رجال الأعمال» يوحي محفوظ إلى حد ما بأن المراقب اليقظ لا ينبغي أن يخشى الانخداع بهذا النوع من البشر، ويمنح القارئ الثقة في أن يكون قادرا على السخرية من مثل هذه الشخصيات الكوميدية، ويبدو جوهريا عند محفوظ أن يشخص الجانب الكارثي لسوء التقدير الوارد بسهولة.


الانتهازية والخيانة - كما استنتجها الباحث الألماني- هي سمات إضافية للسياج الأخلاقي الذي يضعه محفوظ وغيره من كتاب أدب الانفتاح حول الواقع، والذي يميز في كثير من الأحيان طريقة معالجتهم لواقع الانفتاح، وأنماط الشخصيات والحبكات المناسبة لموضوع «الانتهازية» - و»الخيانة» نجدها متطابقة غالبا في هذا الأدب، والأخيرة (المتعلقة بالخيانة) تتداخل في أنماط أخرى، في إطار سياج الطبقة الاجتماعية الذي يمثل لنا هنا معيارا للتصنيف، ولذلك يفضل جوت هنا أن يستخدم المفهومين البنيويين «العامل» «Aktant» و»الوكيل» «Agens»: «العامل» يستغني عن الشخص المنفذ للحبكة «الوكيل»، ويسأل فقط عما يقوم به؛ و»العامل» هو متغير يتحقق على سطح نص من خلال «عوامل» مختلفة تماما، وغالبا ما يتمثل من عدة شخوص، لذلك يتحقق «عامل» «الانتهازي» و»الخائن» مثلا في «الحب فوق هضبة الهرم» عند محفوظ في شخص الصحفي عاطف هلال الذي يقفز من السفينة الغارقة في الوقت المناسب، ويتحول من يساري إلى صامت متوائم مع النظام، وفي «أهل القمة» يرتكب «الغني الجديد» زغلول الخيانة في حق زعتر الذي كان يساعده، وبدوافع أنانية يشوه سمعته لدى فوزي ضابط الشرطة، وزميل الضابط يخون الناس والإسلام والفكرة الأساسية لمهنته بالأساس –وهي محاربة الظلم- عندما يدعو إلى التسوق في سوق ليبيا من أعلى المئذنة، والمحتال زعتر الذي أصبح غنيا الآن يريد التخلص من شريكة حياته حتى ذلك الحين (حتى لو لم يكن قد فعل ذلك في الواقع)، وفي هذا النموذج تشمل الإدانة الأخلاقية الدوافع، والتي تقتصر من وجهة نظر المؤلف على عدد محدود: سواء الرغبة الجنسية الخالصة (رجل الأعمال عند محفوظ، زغلول الذي وضع عينه على الشابة الجميلة سهام)، أو الدافع وراء الخيانة وهو الرغبة في التخلص من الماضي وعدم إعاقة الصعود الاجتماعي؛ أو الرغبة في الربح، والرغبة في اكتناز الأموال الطائلة والرغبة في السلطة.


ولا يستند التصوير الأحادي المنحاز والسلبي «للأغنياء الجدد» على تقييم – قد يكون متأثرا بانحياز مسبق -لإيجابيات وسلبيات أنشطتهم في إطار المكاسب الاقتصادية- الوطنية والتنموية- السياسية، بل يستند إلى حقيقة أن ظهورهم في المشهد الاجتماعي الكلي يسبب ضررا شديدا لأوضاع الطبقات المستقرة حديثا، وتتجلى هذه السمة العدوانية في الأدب بداية من أن «رجل الأعمال» داخل بنية علاقات الشخوص نادرا ما يتولى وظيفة أخرى غير تلك التي يتولاها الطرف المقابل، وتنتج النزاعات في كثير من الأحيان بسبب عدوانيتهم الفعالة، ويقوم المتضررون بدور الدفاع السلبي ورد الفعل فقط، ولأن وضع الطبقات المستقرة محدد ماديا وفكريا، نجد بالتساوي نمط معالجة للعدوان المادي والأيديولوجي، وهكذا يظهر «الأغنياء الجدد» إما مستغلين أو يحيطون أنفسهم بالكماليات وبالتالي يتباهون مظهريا بدرجة استفزازية، ومن ناحية أخرى نجدهم فاسدي الأخلاق، ينازعون الطبقة العليا باستغلال محنتها لمشاركتها فيما هو احتكارها الذي يضمنه لها وضع التفوق: التعليم والتقدير الوطني، هيبة الوظائف المحترمة والأخلاق، ونمط التداخل الأكثر شيوعا في هذا السياق هو محاولة المصاهرة، وعلى الرغم أن الاعتبارات المادية في مثل هذه الحالات من مشاريع الزواج في الواقع أكثر حسما من الاعتبارات الأخلاقية، وما يسمى «مستوى العائلة» (أو الغرور الطبقي) وتطابق المستوى الاجتماعي، فإن محفوظ والكتاب الخمسة الآخرون يعلقون أهمية كبيرة عليها، وعلى الأقل تعبر بعض شخصياتهم عن عدم الشرعية الأخلاقية لذلك الزواج الوشيك، ويمارس الكتاب بذلك انتقادا لسلوك الطبقات العليا، خاصة الطبقة الوسطى التي يقع على عاتقها –من وجهة نظرهم- مسئولية الحفاظ على القيم الأخلاقية، أو أن تتركها تفسد بسبب المادية.


يرصد جوت عنصرا آخر من عناصر القواسم المشتركة في أعمال أدب الانفتاح عند محفوظ وغيره من الكتاب هو إعطاء ممثلي القطاعات الطفيلية» الذين شهدوا ازدهارا غير مسبوق بفضل سياسة الانفتاح في عهد السادات دورا أكثر أهمية من الطبقات العليا القديمة، وبدرجة أقل يظهرون «كعوامل متغيرة» لأنواع مختلفة من الشخصيات معظمها من طبقة «الأغنياء الجدد»، لأن هؤلاء بدأوا حياتهم «كطفيليين» أو راكموا في الغالب ثروات من أعمال غير مشروعة، ويعني مفهوم الطفيلي ممثلي الطبقات الاجتماعية الدنيا أو الفئات الاجتماعية الهامشية، الذين يجدون فرصتهم الكبرى في فجوات السوق ونقص السلع وزيادة الطلب على بعضها في بلد يسوء وضعه الاقتصادي، ويستفيدون من المناطق الرمادية الناشئة نتيجة لانفتاح البلاد وتخلي الدولة عن سيطرتها إلى حد كبير، ويقيِّم المؤلف أنشطة «الطفيليين» بنفس الطريقة التي يقيِّم بها أنشطة «الأغنياء الجدد»، ليس وفقا لفوائدها أو أضرارها الاقتصادية بل وفقا للمعايير الأخلاقية، ولا يتخلى محفوظ عن وصمهم بالهمجية وتجريم شخصياتهم لكنه يبدي رغم ذلك بعض التفهم لاختياراتهم، فزعتر عند محفوظ هو في الأساس شاب مهذب متواضع لديهم قيم مقدسة، وكان يمكن أن يكون سعيدا وراضيا لو كان بإمكانه أن يكسب دخلا معقولا يمكنه من أن استبدال حياة «الحرمان» السابقة بحياة شخص محترم من الطبقة المتوسطة، ويسعى الطفيلي مثل «الأغنياء الجدد» أيضا لتعويض افتقاره للمكانة الاجتماعية، وبذلك يصبح جنبا إلى جنب مع «الأثرياء الجدد» «عامل» «الراغب في الزواج» كمؤشر على خلل في النسيج الاجتماعي الشامل في حقبة الانفتاح، سواء كان «راغبا في الزواج» أو غير ذلك، وغالبا ما يبدو «الطفيلي» مستفزا عدوانيا ينازع الطبقات العليا وضعهم ويختبر استقرارهم المعنوي من خلال عرض المال مقابل مشاركتهم فيما يمثل احتكارا خاصا بهم.


العمالة المهاجرة إلى الخارج ظاهرة أخرى انتشرت في عصر الانفتاح في السبعينيات، فكان منطقيا أن تحتل تجلياتها مساحة لا بأس بها في «أدب الانفتاح»، حيث أثرَّت بيئة علاقات الشخوص - كما يلاحظ الألماني جوت في دراسته - فتنوعت شخوص المهاجرين كثيرا في الأعمال الأدبية، وتنوعت وظيفتها في السرد حسب كل مؤلف، فيصف محفوظ في «الحب فوق هضبة الهرم» السباك العائد من السعودية من وجهة نظر عائلة من الطبقة المتوسطة باعتبارها «غزوة» - وهو يريد طلب يد نهى، إحدى شقيقتي علي، والأمر المهم أولا أن هذا «المتقدم للزواج» يُبلغ العائلة المستقرة بطريقة مؤلمة أنها لم تعد لها مكانتها التي كانت تفخر بها من قبل، وثانيا أن نهى مجبرة بسبب الزواج (الذي تم في الواقع لاحقا) على التوقف عن الدراسة - لسببين يعتبران سيئين: من جهة أن التعليم في حد ذاته قيمة تشكل الصورة الذاتية للطبقة بدرجة لا يمكن الاستغناء عنها، وثانيا أن الشهادة الجامعية ضمانة مؤكدة أن نهى في حالة الطلاق يمكن أن تجد عملا، وبذلك تكون مؤمنة ماديا بشكل معقول، ويقوم العائد من منفى العمل «كمتقدم للزواج» هنا في نفس الوقت بوظيفة «عامل» «تخريب التعليم».


لكن محفوظ وغيره من الكتاب- يبررون لشخصيات المهاجرين سواء كانوا متعلمين أم لا حقهم الأخلاقي في الهجرة بسبب المحنة المادية، فلا ينتقد محفوظ بطليه «علي» و»رجاء» عندما تمنيا الحصول على عقد عمل في الخارج، وكذلك لم يفعل جبير مع علي في «تحريك القلب»، والذي سافر إلى ليبيا للعمل في موقع بناء، حيث كان الأمل الوحيد لجميع أفراد الأسرة لتحسين أوضاعهم.


وضع الطبقة الوسطى محوري في أدب الانفتاح، فهي الإطار الاجتماعي الذي يتحرك داخله الأبطال والحبكات، وتنتمي جميع الشخصيات المركزية إلى هذا «المجتمع»، ويفسر جوت الاهتمام المركزي بوضع الطبقة الوسطى من خلال ظرفين، أولا أن هذه الشريحة الاجتماعية على وجه التحديد قد جاءت مع ثورة ١٩٥٢ إلى السلطة لأول مرة، وكان عبد الناصر يتقرب إليها ويدعمها على نطاق واسع؛ لكن السادات اعتمد على قوى أخرى، ومن خلال إصلاحاته ألغيت فجأة الامتيازات السياسية وتحسين أوضاعها المادية الذي تمتعت بها لفترة وجيزة – بحيث كان إدراك أثر التغييرات في عصر الانفتاح أكثر وضوحا في الطبقة الوسطى، وثانيا أن الكتاب أنفسهم ينتمون بشكل حصري لهذه الطبقة، فكانوا من بين المتضررين من تغيير الوضع الجديد.


وكانت المشكلة المركزية للطبقة الوسطى هي الصراع مع الغلاء ومع كل الصعوبات الأخرى الناجمة عن الضائقة المالية، وهو ما يتمثل في أن الطبقة الوسطى تخشى من فقدان مكانتها السابقة، وتعاني من إهانة شرفها الطبقي، وتشعر بانتهاك لكرامتها الإنسانية، مثلما عبر زميل محمد فوزي في «أهل القمة» إنه مضطر للتخلى عن «الجلال» الذي يميز البشر عن الحيوان عندما يواجه موقف «غريق» بلا أمل في النجاة، بسبب عمله الإضافي كواعظ مسجد يستغل الناس وتدينهم ويسييء إلى الإسلام نفسه؛ ومحمد فوزي يعترف أنه ليس من الممكن أن يعيش حياة كريمة في ظل هذه الظروف، وفي «الحب فوق هضبة الهرم» نعلم أن والد علي اضطر لأسباب مالية أن يمتنع عن المتع البسيطة المتاحة لطبقته مثل الذهاب إلى المقهى أو التدخين، وتدهورت صحته من نقص الغذاء الصحي، ونسمع شكواه من أنه بعد أن كان أحد أبناء الطبقة المتوسطة المحترمة، أصبح الآن في عداد «الفقراء الجدد»، ولا يستطيع أن يرفض المصاهرة مع عائلة سباك غير متعلم؛ وشقيقتا علي تخجلان من مظهرهما لأن ملابسهما شبه بالية، وعلي ورجاء لا يستطيعان استئجار شقة، فيتعرضان للإهانة وهما يختليان بنفسيهما في أرخص الفنادق وفوق هضبة الهرم، وثانيا أن الغلاء لم يسمح لأبناء الطبقة الوسطى بالحفاظ على مساكنهم، فانهارت بيوتهم، ولم يكن لديهم ما يكفي من المال لتوفير شقق أفضل أو أكثر راحة، وفي «أهل القمة» كان ضابط الشرطة مضطرا لأن يستضيف شقيقته وابنتها في شقته الضيقة، لأن معاشها كأرملة لا يكفيها للإنفاق على بيت مستقل، ومرتبه لا يكفي لدفع ثمن شقة كبيرة - والنتيجة: الحياة في مكان ضيق، وأجواء متوترة وعصبية ومعكرة للمزاج داخل العائلة، أما الشقق الجيدة فبمقدور أناس مثل زعتر أو العائدين من دول الخليج مثل السباك، والأشخاص الذي يمارسون أنشطة غير مشروعة لكنهم قادرون على دفع «الخلو» المطلوب، وعلي ورجاء في «الحب فوق هضبة الهرم» لم يتمكنا من حياة زوجية، لعدم قدرتهما على توفير منزل للزوجية، ولا يوجد لدى أي من والديهما مكان لاستضافة أسرة جديدة، وثالثا: لأن الغلاء شمل كل شيء لم يعد المستقبل مضمونا، فكان الخوف من مستقبل مجهول وفقدان الإحساس بالأمان الموضوع الرئيسي في عدد هائل من القصص، وغالبا ما يكون المحرك الوحيد لأبطالها، ويتمثل الخوف من المستقبل بالنسبة للجيل الأكبر سنا، مثلما توضح «أهل القمة» بشكل أساسي في القلق على مستقبل الأبناء: وأكبر مشكلة هنا هي الزواج، كيف يوفرون المهر وتكاليف الزفاف، ومن أين يوفرون منزل الزوجية؟ وإذا كان الأبناء صغارا، فمن الأفضل أن يبدأوا من الآن، في الحد من النفقات والادخار، والموقف يصبح أصعب عند آباء البنات: فإذا بلغت البنت سن الزواج يُضطر رب الأسرة في الغالب إلى تزويجها رغما عنه إلى شخص لا يرضى عنه أو أكبر سنا بكثير، وربما يبرر مثلما فعل الضابط محمد فوزي في «أهل القمة» ذلك لنفسه وللشخص المعني (ابنة أخته) أن المستقبل يثبت أن مثل هذا «القرار العقلاني» لصالحها في نهاية المطاف.


ورابعا أن الشباب متضررون من المحنة المادية ويضطرون في الغالب للاستغناء عن التعليم أو التوقف عن مواصلته رغبة منهم في مساعدة والديهم في توفير لقمة العيش، فزوجة ضابط الشرطة محمد فوزي في «أهل القمة» تريد أن تتوقف ابنة أخيه عن الدراسة بعد الثانوية العامة وأن تجد أي عمل للمساعدة في نفقات الأسرة، ولأن أخت علي في «الحب فوق هضبة الهرم» أرادت أن تخفف العبء على والديها، وافقت على عدم استكمال دراستها والزواج من السباك، وكثيرا ما يلاحظ الشباب أيضا أن ما يكتسبونه من مهارات خلال سنوات التعليم الطويلة لا يفيدهم في العهد الجديد الذي يتطلب مهارات مختلفة تماما، وأن التعليم لا يوفر لهم أي عمل يمكنهم من تغطية احتياجاتهم المالية: وسواء كان الخريج يحصل على عمل تلقائيا في الدولة أو في القطاع العام بعد الدراسة فإنه لا يكسب ما يكفيه من المال (المتقدم للزواج الذي رفض محمد فوزي زواجه من ابنة أخته في «أهل القمة»، وعلي ورجاء في «الحب فوق هضبة الهرم»)، وكذلك يجد المتعلم تعليما غير فني عقبات في السفر إلى الخارج (علي في «الحب فوق هضبة الهرم»).


وخامسا مشكلة رئيسية أخرى يواجهها الشباب هي الزواج، فيصبح زواج «العقل» الذي تضطر إليه كثير من الفتيات هو الاختيار المتاح، ويوضح محفوظ في «الحب فوق هضبة الهرم» أن الزواج من منطلق الحب بدون توفر المال اللازم لبيت الزوجية ونفقات الحياة الأسرية والأبناء المحتملين - وحتى لو تم الاستغناء عن أشياء جوهرية كالمعتاد مثل الشبكة باهظة الثمن وحفل الزفاف - هو مغامرة تؤدي إلى المهانة، والشاب الذي يريد الزواج يتعين عليه أن يحقق طلبات صعبة لوالدي عروسه، ولأن الشباب لا يستطيعون الزواج أو لا يمكنهم تحمل أعباء معيشة الأسرة تنتشر العادة السرية بين الشباب، مثل علي في رواية محفوظ «الحب فوق هضبة الهرم»، ويمكننا أن نفهم في هذا الصدد الإشارة عند محفوظ إلى زيادة ملحوظة في جرائم الاغتصاب.


اللافت للانتباه أن كل هذا يجري وصفه تفصيليا في الغالب في أدب الانفتاح، ويتعرف القارئ - إلى جانب هذه المشاكل- على تفاصيل الحياة اليومية، التي تعطيه صورة كاملة تقريبا للواقع المصري لو لم يكن قد عاش في مصر في السبعينيات والثمانينيات، وهكذا نقرأ في «أهل القمة» مثلا أن الراتب المنتظر لموظف شاب منخفض للغاية؛ بل إن محفوظ يقدر بدرجة أكثر وضوحا الميزانية الشهرية لزوجين في حدود «٣٠ جنيها»، ونعرف من «أهل القمة» مدى الصعوبة التي تواجهها ربات البيوت في وضع طعام لذيذ على المائدة كل يوم من مكونات متواضعة، وكيف أن أسرا لم يعد بإمكانها شراء اللحوم، وأن الأسماك أصبحت أيضا نادرة في قائمة الطعام، وأن المتع الصغيرة مثل الجلوس على المقهى والتدخين والنزهات العائلية وما شابه ذلك أصبحت عبئا على ميزانية رب الأسرة، بل ويبدو شخوص الطبقة الوسطى يعانون من مثل هذا الواقع كما لو كانوا يواجهون مصيرا غير قابل للتغيير، وحتى في الحالات التي يتصرفون فيها، فهم يقومون فقط برد فعل، ويصبحون في نهاية المطاف ضحايا لقوة قاهرة، تجد نظيرها الشكلي في تلك الوفرة الضاغطة من التفاصيل التي تُشكل الواقع، وتظهر في النص «كالمصير»، أو «كالزمن» أو - على نحو أدق – «كسنوات السبعينيات»: يبدو العالم لمحمد فوزي في «أهل القمة» تناقضا لا حل له، فيشعر وكأنه ضحية «لسخرية الأقدار» أو»العبث»؛ ويبدو لأبطال قصة «الحب فوق هضبة الهرم» أن «العقل» و»اللا عقل» متداخلين بما يجعل كل شيء بلا معنى، وبما يجعل أفعالهم بلا جدوى.


لكأننا - ونحن نقرأ مع الألماني شتيفان جوت ومن خلاله نماذج من أدب الانفتاح – ننظر في مرآة تاريخنا المعاصر – القريب- ولو مددنا الخط على استقامته من السبعينيات إلى اليوم -بعد نحو أربعين عاما- لأمكننا أن نتخيل على الأقل حجم «الوجع» أو «التحول العنيف» أو بتعبير جوت نفسه «الانكسار» في المجتمع المصري ومضاعفاته على أبناء الطبقة الوسطى، والتي ازدادت عمقا وتشعبا عبر العقود الأربعين التالية، لنرى نتائجه في مزيد من تحلل قيم إيجابية للجماعة الإنسانية المصرية لصالح قيم فردية سلبية.