الشخصية الإخوانية فى أدب نجيب محفوظ

08/09/2016 - 1:41:40

بقلم: ثروت الخرباوى

فى البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت من أديب مصر نجيب محفوظ، والزمن كان من زمن حيث يدور بنا ولا ندور به، ومحفوظ كان شابا، ولمن لا يعرف فإن محفوظ مات شابا وهو فى الرابعة والتسعين! أما الكلمة فكانت روايته المجيدة «كفاح طيبة»، التى كتبها وهو مقبل على الثلاثين، وبعد أكثر من ستين عاما من هذه الرواية مات محفوظ وهو فى الرابعة والتسعين، وحين مات رثته الدنيا كلها، وسارت مصر فى جنازته، ولكنه عند البدء لم يحتفل به أحد، اللهم إلا واحد من النقاد كان اسمه «سيد قطب».


كان قطب ناقدا لا علاقة له بالإخوان من قريب أو بعيد، بل إنه كان يرى حسن البنا دجالا يخدع الصبيان! وبعد أن قرأ قطب رواية «كفاح طيبة» كتب مقالا أشاد فيها بالكاتب والكتاب،حيث قال «أحاول أن اتحفظ فى الثناء على هذه القصة فتغلبنى حماسة قاهرة لها، وفرح جارف بها! هذا هو الحق، أطالع به القارئ من اول سطر، لأستعين بكشفه على رد جماح هذه الحماسة، والعودة إلى هدوء الناقد واتزانه»ثم قال «إنه يعيد إلينا حقيقة الانتماء لمصر ذات الحضارة والتاريخ»، وقال أيضا فى مقاله: لو كان الأمر بيدى لأمرت بطباعة هذه الرواية على نفقة الدولة وتوزيعها على كل المصريين كبارا وصغارا، شبابا وشيوخا، ولجعلتها فى كل يد» ومن هذا المقال انتبه الناس لنجيب محفوظ، وأخذ اسمه يتردد فى الأوساط الأدبية، إلا أن سيد قطب لم يتركه فقد كتب عنه وعن رواياته أكثر من مرة، بل إنه صب جام غضبه على النقاد الذين لم ينتبهوا إلى إحدى روايات محفوظ، وقال إنه تأخذنا إلى أدب قومى حقيقى بعيد عن الشوائب الأجنبية، أدب يرتفع بالإنسانية، وفى ذات الوقت يساير نظيره فى الآداب الغربية، وشيئا فشيئا أخذ محفوظ مكانته بالتدريج إلى أن وصل للقمة، ليس القمة فى مصر، ولكن القمة فى العالم كله حينما حصل على نوبل.


ويبدو أن شخصية سيد قطب تركت أثرها لدى نجيب محفوظ، ليست شخصيته كناقد أو أديب، ولكن شخصيته بعد أن تحول من النقيض إلى النقيض وأصبح إخوانيا ومنظرا لفكر شديد التطرف، يصم المجتمع بالجاهلية، ويتهم الجميع بمعاداة الإسلام، ترجم محفوظ هذه الشخصية بضيق أفقها وتطرفها فى رواية «المرايا» ووضعها فى شخص سماه «عبد الوهاب إسماعيل» جعله أديبا وشاعرا ثم إذا به يصبح متطرفا لدرجة تكفير المجتمع، كانت شخصية عبد الوهاب اسماعيل قريبة الشبه من شخصية سيد قطب، وكانت تحولاته وكأنها تحولات قطب رصدها لنا محفوظ فى «المرايا» التى رصد فيها عشرات الشخصيات وأبدع تصويرها، إلا أننى أظن أن جانبا من هذه الشخصية كان يقارب شخصية «عبد الفتاح اسماعيل» الذى كان شريكا لقطب فى قضية ١٩٦٥ والذى تم تنفيذ حكم الإعدام فيه مع قطب ولكنه لم ينل نفس الشهرة وإن كان يقاسمه فى نفس الأفكار، وأظن أن محفوظ الذى كتب المرايا عام ١٩٧١ استمد اسم هذه الشخصية من عبد الفتاح إسماعيل، فكان عبد الوهاب إسماعيل أحد أبطال الرواية.


لم يكتب محفوظ عن سيد قطب «الإخوانى» من فراغ، بل إنه اختلط به واستمع إليه وأدرك تحولاته وأسبابها النفسية، وأستطيع أن أعطى الريادة لمحفوظ فى تحليل الشخصية المتطرفة ذات النوازع الإرهابية، لأنه أرجع الأمر لعلة نفسية تصيب صاحبها فتجعله ذاتيا متوهما نبوغه وانحطاط الآخرين، تسيطر عليه أوهام القداسة، فيشعر بالاستعلاء على الآخرين، وقد كانت هذه هى مدرسة الإخوان الفكرية، مدرسة تقوم على الاستعلاء تحت تأثير اعتقاد بأنهم هم وحدهم أهل الحق وغيرهم هم أهل الباطل، وأن الحق يجب أن يستعلى على الباطل، وتلك آفة نفسية رصدها محفوظ ببراعة الطبيب النفسى وهو يحلل لنا فى المرايا شخصية عبد الوهاب إسماعيل، أو قل شخصية سيد قطب ممتزجا بصديقه عبد الفتاح إسماعيل، وقد كان قطب أو «عبد الوهاب إسماعيل فى المرايا هو النموذج الفريد لشخص واحد من الإخوان تكرر كثيرا وشاهدناه عيانا بيانا عندما وصل الإخوان للحكم.


وكما قلت كان محفوظ يعرف قطب معرفة وثيقة، وفى ذلك يقول فى مذكراته عنه بعد أن تحول للإخوان: ذهبت إليه رغم معرفتى بخطورة هذه الزيارة وبما يمكن أن تسببه لى من متاعب أمنية، فى تلك الزيارة تحدثنا عن الأدب ومشاكله ثم تطرق الحديث إلى الدين والمرأة والحياة، كانت المرة الأولى التى ألمس فيها بعمق مدى التغيير الكبير، الذى طرأ على شخصية سيد قطب وأفكاره.. لقد رأيت أمامى إنسانا آخر حاد الفكر متطرف الرأي، ويرى أن المجتمع عاد إلى الجاهلية الأولى، وأنه مجتمع كافر لا بد من تقويمه بتطبيق شرع الله انطلاقا من فكرة «الحاكمية» وسمعت منه آراءه دون الدخول معه فى جدل أو نقاش حولها، فماذا يفيد الجدل مع رجل وصل إلى تلك المرحلة من الاعتقاد المتعصب».


ومع ذلك فإن محفوظ يحفظ له ما قدمه له وما أسهم به فى تقديمه للحياة الأدبية فيقول فى مذكراته إنه ظل يعتبر قطب «صديقا وناقدا أدبيا كبيرا كان له فضل السبق فى الكتابة عنى ولفت الأنظار إلى فى وقت تجاهلنى فيه النقاد الآخرون، ولتأثرى بشخصية سيد قطب وضعتها ضمن الشخصيات المحورية التى تدور حولها رواية «المرايا» مع إجراء بعض التعديلات البسيطة».


ثمة رواية أخرى تعرض فيها محفوظ لشخصية إخوانية، هى رواية «الباقى من الزمن ساعة»، وهذه الرواية تدور حول حامد برهان وزوجته، حيث حلوان ذلك الحى الذى كان فى يوم من أيام مصر منتجعا صحيا، وروى لنا محفوظ فى روايته عن محمد ابن حامد برهان، الذى كان شابا عاديا ثم انخرط فى جماعة الإخوان قبل ثورة يوليو، وكيف تغيرت حياته وكأن الانخراط مع جماعة أو جمعية ترفع شعارات الدين تفرض على المنتمين إليها أن يسلكوا طريقا مختلفا عن باقى المتدينين، وفى هذه الرواية اعتبر محمد حامد برهان أن الثورة هى ابنة الإخوان، بل هى صنيعتهم، فتحمس لها وتحمس لرجالها، لا بحسب أنها تقدم لمصر شيئا مختلفا يواكب العالم، ولكن فقط لأنه ظن أنها ثورة إخوانية! ثم عندما أيقن أن الثورة تسير فى طريق يختلف عن طريق الإخوان ركن إلى السلبية، وكأنه تلقى ضربة كونية أفقدته اتزانه ودعته إلى تلك السلبية، فيصير بذلك عبئا على مجتمعه لا فاعلا فيه.


وفى روايات محفوظ تجد شخصيات إخوانية صريحة، إلا أنه لم يعبر عن انتمائها التنظيمى واكتفى بالتعبير عن توجهها، ففى رواية «القاهرة الجديدة» التى تحولت إلى فيلم تحت عنوان «القاهرة ٣٠» يضع محفوظ شخصية الوصولى «محجوب عبد الدايم» والشيوعى الذى يؤمن بالماركسية «على طه»، والصحفى أحمد بدير، كل هؤلاء بجوار شخصية الإخوانى «مأمون رضوان»، الذى يقول: «إن الله فى السماء وقد أنزل دينه الإسلام على الأرض لكى يحكم كل الناس، هذه هى مبادئي»، فيرد عليه الشيوعى قائلا:»إننى أعجب أن تؤمن بهذه الأساطير»، وفى ذات الوقت كان محفوظ حريصا على إلا يطلق على مأمون رضوان صفة الإخوانية بشكل صريح ولكنه وضع له الصفات المؤهلة لإخوانيته، إذ إنه جعله رافعا لشعارات الجماعة، فهو ينكر كل الأحزاب، ولا يعترف بقضية مصر الكبرى وقتها وهى «الجلاء التام أو الموت الزؤام».


وبتلك الشخصيات وضع نجيب محفوظ يده على مصر كلها، وظلت هذه الشخصيات تتكرر فى حياتنا إلى أن قامت ثورة يناير ٢٠١١، فكان هناك الوصولى الذى استطاع أن يعيد طرح نفسه مرة أخرى بعد أن كان مؤيدا للنظام السابق، الذى قامت عليه الثورة، وهناك الثورى الاشتراكى، الذى يرى أن الدين ما هو إلا أساطير، وهناك الشاب الحائر الذى يبحث لنفسه عن مكان تحت الشمس، وهناك الإخوانى الذى استطاع أن يحتوى كل هؤلاء فيطرح شعارات دينية، وبها يمارس الوصولية فى أشد صورها، فيتحالف مع الشيوعى بعض الوقت وهو يدرك أن الشيوعى يقول عنه إنه يؤمن بأساطير، وبذلك يجد الإخوان لأنفسهم مكانا تحت الشمس فى رابعة النهار، فقد كانت شمسهم هى «شمس الحكم».


وفى رائعة محفوظ ودرة أعماله «الثلاثية» يرصد محفوظ تطور حياة السيد أحمد عبد الجواد، وأحفاده، فيصبح واحد منهم وهو عبد المنعم إخوانيا يطلق لحيته ويشارك فى أعمال الإخوان ويدمن قراءة الكتب الدينية، فى الوقت الذى يكون فيه شقيقه أحمد شيوعيا، بما يعكس حالة انقسام حادة داخل الأسرة المصرية، وقد أصابت حالة الانقسام هذه مجتمعنا فى الفترة الأخيرة وخاصة بعد ثورة يناير، وإن كانت انقسامات شخصيات محفوظ هينة لينة لا تتعدى المناقشات والحوارات، وهى بالقطع غير انقساماتنا التى أصبحت تنتهى بالقنابل والرصاص والخناجر!.


أما المقدمة التى أدت لهذا التعاظم فى الانقسام فقد لمسها محفوظ فى الثلاثية حينما ترجم التعاليم الدينية، التى كان عبد المنعم يتلقاها من شيخه الإخوانى الذى كان يبصم على شخصيته بكلمات حسن البنا التى يقول فيها:»تعاليم الإسلام وأحكامه شاملة، تنظيم شؤون الناس فى الدنيا والآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية الروحية أو العبادة دون غيرها من النواحى مخطئون فى هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف» يضع محفوظ هذه التعاليم على لسان شيخ إخوانى اسمه الشيخ المنوفى إلا أنها هى ذاتها إحدى كلمات البنا التى ألقاها فى أحد المؤتمرات الإخوانية وصارت جزءًا مما يسمى بالرسائل.


وفى رواية حديث الصياح والمساء تجد محفوظ أيضا يضع أمامنا شخصية إخوانية من ذات طراز الشخصات الأخرى، التى شخصها لنا من قبل، إلا أن المحيِّر هو أن محفوظ عندما وافق على إعادة طبع روايته أولاد حارتنا اشترط أن يوافق الأزهر، وأن يكتب أحد الإخوان مقدمة للرواية، ويبدو أن محاولة اغتيال محفوظ أثرت عليه لذلك آثر السلامة، وحينما زاره الإخوانى التليد عبدالمنعم أبو الفتوح عام ٢٠٠٤ احتفى به وكان فى الجلسة يوسف القعيد، وجمال الغيطاني، رحم الله من مات وأمد لنا عمر القعيد، وقتها قلت إن عبد المنعم أبو الفتوح يحاول إجراء عملية جراحية لتجميل وجه الجماعة القبيح، فلا الجماعة تقبل محفوظ ولا تتصوره، وهى قد حكمت من قبل بكفره بسبب رواية أولاد حارتنا، وبعد هذه الزيارة كتب أحد أصدقاء أبو الفتوح واسمه هشام الحمامى مقالا فى موقع إخوان أون لاين امتدح فيه هذه الزيارة، فإذا بالمتطرف التليد محمود عزت يأمر بحذف هذا المقال بعد ساعة واحدة من نشره، فتم الحذف، وتعرض أبو الفتوح لمساءلة كبيرة داخل الجماعة ليس لأنه زار محفوظ، ولكن لأنه زاره دون إذن من الجماعة، ولأنه زار رجلا كافرا دون أن يترتب على هذه الزيارة مكسب سياسى!.


ومات نجيب محفوظ قبل أن يحكم الإخوان مصر، ولكنه كان قد قال قبل موته، يبدو أن الشعب المصرى يريد أن يُحْكَم بالإخوان! وحدث ما توقعه محفوظ، إلا أن الشعب استعاد وعيه سريعا فحذف الإخوان من قائمته إلى الأبد.