عدالة المؤرخ.. وانحياز الشاعر

08/09/2016 - 1:40:01

بقلم: محمد الشافعي

ثلاثة حوارات عجيبة وغريبة أجلستنى وجهًا لوجه أمام أديب مصر العالمى نجيب محفوظ.. وكان الحوار الأول أكثرها غرابة.. حيث كان عن (كرة القدم).. ولا أدرى حتى الآن كيف وافق محفوظ على تلك الفكرة المجنونة.. وفى هذا الحوار سمعت منه أغرب الإجابات وأكثرها سخرية.. وذلك عندما سألته عن المقارنة المؤلمة التى أجراها الراحل الكبير توفيق الحكيم بين أصحاب الأقدام (لاعبى كرة القدم)) وأصحاب الأفلام (الأدباء والكتاب).. فضحك محفوظ وقال (طب دول موكوسين الأدباء.. عايز توكس دول ليه اللاعبون.. وكان يقصد الوكسة وهى كلمة نستخدمها فى قرانا وأحيائنا الشعبية.. دلالة على (الخيبة) وقلة الحيلة. وفى هذا الحوار أخبرنى بأنه كان يلعب فى مركز قلب الدفاع فى فريق اسمه قلب الأسد مع زملائه من حى الحسين.


أما الحوار الثانى فكان فصلا مهما من كتابى الأول الفتح الأمريكى ذلك الكتاب الذى حوى مجموعة كبيرة من الحوارات مع أعلام مصر فى السياسة والاقتصاد والأدب والفن والدين وذلك فى محاولة لتقديم (رؤية مصر) عن أسباب ونتائج حرب الخليج الأولى.. وقدم محفوظ فى هذا الحوار مجموعة رائعة من الآراء والرؤى حول الوضع العربى المتهافت.. حول الاستهداف الأمريكى للمنطقة.


أما الحوار الثالث فقد كان أكثرها إنسانية وسموم.. حيث اتصلت بأديبنا الكبير فور رحيل الأديب والكاتب المتميز إحسان عبدالقدوس.. طالبا منه إجراء حوار عن أدب إحسان عبدالقدوس.. فرحب على الفور وأعطانى موعدا فى اليوم التالى فى كافتيريا على بابا التى كانت تطل على ميدان التحرير.. وعلى مدى أكثر من ساعة راح محفوظ يتحدث عن أدب إحسان عبدالقدوس بكل التقدير والاحترام.. حيث عانى إحسان طويلا من (الظلم النقدى).. ولكن محفوظ فى هذا الحوار.. قدم العديد من الإضاءات النقدية المحبة لأدب إحسان عبدالقدوس.


وهكذا أرى نفسى من المحظوظين الذين سمحت لهم أقدارهم بالجلوس وجها إلى وجه أمام مبدع مصر الكبير نجيب محفوظ.. وأعتقد أنى من الأكثر حظا.. وذلك لأن حواراتى قدمت بعض الجوانب الخفية فى تلك الشخصية العبقرية مترامية الأطراف.. فتلك الجوانب الخفية لم يكن يطلع عليها إلا خلصاءه من الحرافيش.. الذين كانوا يمتلكون كلمات السر لفتح مغارات الشخصية المحفوظية..


المهم أنى مازلت حتى الآن أغبط نفس لأنى اطلعت على بعض تلك المساحات الرائعة من الخصوبة - خصوبة مصر العفية - التى سكنت عقل نجيب محفوظ.. لتجعل منه فتاها المبدع.. الذى ظل طوال عمره يمتلك حيادية المؤرخ.. وانحياز الشاعر.. ودقة الجراح.. وحساسية المايسترو..


ورغم الكثير الذى كتب عن ذلك المبدع النبيل.. إلا أننا نعتقد بأن مفتاح شخصيته يكمن فى إدمانه - صغيرًا - لفعل (الفرجة(.. فإضافة إلى ذلك الفضول البرىء لدى كل الأطفال.. وشهية الاستفهام التى لا تشبع لديهم.. فقد اتسم نجيب محفوظ فى طفولته يما يمكن أن نطلق عليه) الفرجة المتأملة).. التى تحولت تدريجيا إلى نوع من التأمل الصوفى.. ساعد على تنميته وترسيخ النشأة فى حى الحسين العريق.. حيث الحالة الصوفية مكتملة الأركان.. وقد امتلأت خلايا محفوظ بذلك التأمل الصوفى.. ليشمل كل طقوسه اليومية.. التى تجلت فى جولته الصباحية على قدميه.. مع ولعه بالجلوس على المقاهى.. يقرأ الوجوه.. ويفك شفرات ردود أفعال البشر.. ويعيش فى بحر الناس)..ليصطاد (لؤلؤة المحفوظى.. الذى يزين به إبداعه وقد عبر محفوظ (الهوة السحيقة) بين الفرجة والتأمل.. برشاقة وعذوبة وسلاسة وإدراك وفهم عميق بالاختلافات بينهما.. فمن تنغرس أقدامه فى رمال الفرجة.. يتحول إلى مجرد رقم من الملايين الذين يتفرجونويصرخون ويهتفون فى مباريات كرة القدم - وكل ما هو على شاكلتها - ثم بعد ذلك لا شىء.. أما من يحلق فى فضاءات التأمل.. فحتما سيجنى القدرة على فك الرموز والشفرات.


وإضافة إلى ذلك التأمل الصوفى امتلك محفوظ عينا فوتوغرافية.. وذاكرة تسجيلية.. ومقدرة على نسج كافة الأحداث والقضايا فى نسيج من البساطة العذبة والآسرة.. والرؤية العميقة.. ولذلك كان لابد وأن يكون أديبا وروائيا بالتحديد.. فعالم الرواية لا يقوم إلا بهذه الأعمدة.


وبعيدًا عن كل الكتابات والاجتهادات النقدية.. التى غاصت فى عوالم نجيب محفوظ - الإنسان والأديب - فإننا يمكن أن نتوقف عند بعض المحاور المهمة فى شخصية ذلك العبقرى النجيب الذى تحول بعد جهد ودأب إلى النموذج الذى يجب أن يقاس عليه والنسخة الماستر التى لا تتكرر إلا مرة واحدة.. مهما تعددت مرات نسخها أو استنساخها.


أولًا: القمة.. حلم كل البشر.. ولكن من يصل إليها قليل.. ومن يصمد ويستمر فوقها (ندرة).. ولكى يصل الإنسان إلى القمة.. لابد من أن يصنع لنفسه درجات ثابتة وقوية يصعد عليها.. فالقمة ليست منحة أو هبة.. وقديما قال الشاعر ومن تكن العلياء همه نفسه فكل الذى يلقاه فيها محبب.. وقد وصل محفوظ إلى القمة بجهد ودأب.. ومقادير دقيقة وضعها فى روشتة صغيرة جدا.. ولكنها عظيمة جدا جدا.. حيث يقول الوصول إلى القمة يتطلب الإخلاص والصدق مع النفس والعمل.. وقد وضع محفوظ نفسه طوال حياته فى هذا المثلث الذهبى.. وألزم نفسه طوال الوقت بهذه (الثلاثية المقدسة).. فمنذ بداياته الأولى وحتى رحيله.. عاش فى حالة إخلاص نادر لكل أفكاره وقناعاته.. يدافع عنها بقوة وحزم وبلا أى عنف.. وظل يعيش كما عاش أولو العزم من الرسل والبشر.. فى حالة صدق مع الذات ومع كل من حوله.. والأهم أنه يعيش طوال الوقت فى حالة عمل دائم ودائب.. فقد استطاع بحرفية عالية أن يستغنى عن كل ما لا يلزم.. وأن يعيش فى حالة توحد مع أدبه.. ليثبت كذب إدعاءات ) الطقوس البوهيمية) التى يزعم كثير من المبدعين أنه لا إبداع بدونها.


ثانيًا : حرية القفص الحديدى.. قد يبدو للمتأمل فى حياة نجيب محفوظ وكأن الرجل كان يعيش فى قفص حديدى من الالتزام.. طوال سنوات الإبداع كان يجلس على مكتبه فى ساعات محددة كل يوم ليمارس (فعل الكتابة.. والذى يسبقه ساعات أخرى من القراءة والتأمل والحوارات مع الآخرين.. وممارسة الحياة الوظيفية.. حيث ظل طوال الوقت حريصا على حياته الوظيفية حتى وصل إلى التقاعد.. مما أكد البعض نظرية القفص الحديدى.. ولكن هذا الالتزام.. وذلك الإلزام.. لم يكن أبدا قيودًا.. حيث استطاع محفوظ أن يحول (قفص الالتزام) إلى حدائقلا نهاية لها.. وهو النملة التى لا تكل ولا تمل لكى تفرز هذا الأدب الراقى كمًا وكيفًا.. وقد ارتقى محفوظ القمة بثبات وهدوء.. ليتحول فى النهاية إلى (علامة الجودة) فى الأدب العربى كله.


ثالثًا: عبقرية البناء.. قد يتعجب البعض من موسوعية الإنتاج عند محفوظ.. ولكن هذه الموسوعية لم يكن لها أن توجد إلا من خلال (موسوعية التلقى).. حيث نبع ذلك التفرد المحفوظى من قدرة فائقة على البناء.. فقد استطاع أن يبنى عقله ووجدانه كما يجب أن يكون البناء وذلك من خلال القراءة المتأنية.. والفهم العميق للإنتاج الأدبى والفكرى للأقدمين والمحدثين.. ورغم عبقرية البناء والإنتاج عند محفوظ عن محفوظ إلا أن الرجل عاش طوال عمره فى ساحة (التواضع النبيل).. حيث رأى أن كل ما حققه من تفرد ونجاح.. لا علاقة له بالعبقرية ويقول فى ذلك (لم أشعر بالعبقرية لا فى أول عمرى.. ولا فى آخر عمرى.. وكل ما شعرت به أنى رجل مجتهد ومثابر وشغال ومحب لعملى وأعشقه.. فأنا أحب العمل أكثر من حبى لثمرته.. فلو جاء العمل بالمجد والفلوس أحبه.. وإن جاء بالفقر أحبه.. وإن لم يأتِ بشىء حتى الفقر أيضاً أحبه).


ورغم بساطة هذه الكلمات إلا أنها تمثل (روشتة رائعة لكل عشاق النجاح والتميز).. لأنها تؤكد أن العمل هو الطريق الوحيد للنجاح الحقيقى.. فالذين ينجحون بـ (الواسطة) أو (الرشوة) لا يشعرون بحلاوة ولذة النجاح.. أما الذين ينجحون بالعمل فأولئك هم الناجحون حقاً.


رابعاً: فن السياسة.. تمثل علاقة نجيب محفوظ بالسياسة محوراً مفصلياً وخلافياً فى مسيرته الطويلة.. فرغم أن البعض قد هاجمه بضراوة انطلاقاً من أنه لا ينتقد - سياسياً- إلا الراحلين عن عالمنا.. إلا أنه قد استمد لنفسه نهجياً يختلف تماماً عن مناهج أغلب سابقيه ومجامليه ولاحقيه من الأدباء فى التعامل مع السياسة.. حيث وقف منها على (مرمى حجر).. مما أعطى للكثيرين انطباعاً بأنه بعيد كل البعد عن السياسة.. وأنه قد آثر السلامة عكس أساتذته العقاد وطه حسين وسلامة موسى.. وعكس أقرانه عبدالرحمن الشرقاوى ويوسف إدريس.. بل وعكس تلامذته أيضاً، حيث تعامل كل هؤلاء مع السياسة بشكل مباشر، ورغم هذا فإن المتأمل فى أدب نجيب محفوظ لابد وأن يكتشف أنه الأكثر انغماساً فى السياسة.. من خلال تحليلاته وانتقاداته وغوصه الهادئ الرصين خلف كل التفصيلات والمفردات فى المجتمع المصرى طوال القرن العشرين.. حيث قدم مصر قبل ثورة يوليو.. بل لا نغالى إذا قلنا إنه أحد المؤرخين المهمين للمجتمع المصرى فى فترة ثورة ١٩١٩.. كما قدم مصر بعد ثورة يوليو.. وقدم أيضاً الانقلاب عليها فى فترة السبعينيّات.. قدم كل هذا بحرفية و(حرفنة) عالية.. حيث جمعت رواياته وقصصه بين مهارة الجراح وموسوعية المؤرخ.. ورؤى المحلل السياسى.. وحرفية الصحفى.. وبلاغة الشاعر.. فقد انصهر كل هؤلاء فى أدب محفوظ.. لتخرج أعماله أصدق تعبير عن مصر فى كل مراحلها خلال العصر الحديث.. وربما يرجع ذلك إلى إيمانه بمقولة أستاذه سلامة موسى (إن الأديب فى عصرنا يخون عصره إذا لم يكن سياسياً).. أو يرجع إلى أنه فترة إنجاز لمفهوم أن الأديب تكثيف بشرى.. تنعكس على مرايا كتاباته كل الرؤى والأفكار.. وهذا لا يلغى أبداً إيمانه بأفكاره الخاصة... ورؤاه الذاتية التى تظهر فى آدابه، ولكنها لا تسيطر عليه وإلا انقلب هذا الأدب إلى نوع من الخطابية والدعائية الفجة.. ومثل هذا النوع من الأدب يولد ميتاً.. بينما أدب نجيب محفوظ يحلق فى فضاءات رحبة من الخلود.


وقد عاش محفوظ طوال عمره محافظاً على تلك (المسافة المحسوبة) بينه وبين السياسة.. ولم يخُنه ذكاؤه إلا فى أزمة تأييد اتفاقية السلام مع الكيان الصهيونى.. وبعدها عاد إلى ميزانه الحساس فى علاقته مع السياسة.


خامساً: اضحك كركر.. كانت ضحكته المنطلقة إحدى سمات شخصية العذبة.. تلك الشخصية الساخرة التى كانت تعشق الكوميديا والفكاهة.. وله فى هذا المجال تراث كبير يشهد به كل من تعامل أو اقترب منه فى جلساته الخاصة وندواته الكثيرة.. ومما يؤكد رسوخ الشخصية الساخرة داخل محفوظ هو كيفية تعامله مع جمعيات المستثمرين والمنتفعين (له وبه).. فهناك العديد من (جمعيات مستثمرى محفوظ) و (جمعيات المنتفعين بمحفوظ)، فالمستثمرون استغلوه للترويج لذواتهم ولما يكتبون.. والمنتفعون استغلوه للحصول على أية مكاسب.. والطريف أن الرجل كان كاشفاً لهؤلاء وهؤلاء.. وتعامل معهم ولسان حاله يقول (اللهم اكفنى شر أصدقائى.. أما أعدائى فأنا كفيل بهم).


سادساً: الأستاذ والتلميذ.. عاش نجيب محفوظ طوال عمره معترفاً بفضل أساتذته عليه.. كان دائم الترديد لأسمائهم.. وقد ركز على دور كل من الشيخ مصطفى عبدالرازق- عباس محمود العقاد- طه حسين- سلامة موسى- توفيق الحكيم- يحيى حقى- حسين فوزى.. وغالبيتهم من الرواد فى كتابة الرواية.. وقد تعلم محفوظ من أساتذته كيفية الاحتفاء بتلاميذه.. وكان دائم الإشادة بكل رواية أو قصة جديدة يقرأها.. طلما كانت تحمل الجديد والجيد فى عالم الأدب.. وقد خرج من عباءة نجيب محفوظ أجيال كثيرة من كتاب الرواية (تحقق منها ثلاثة أجيال على الأقل).. بينهم الكثير من المجيدين والمجددين.. لدرجة أن بعض النقاد يرى أن الرواية قد أصبحت (ديوان العرب) بعد أن تقدمت كثيراً على الشعر.. وبالطبع فإن الرواية والروائيين يدينون بهذه المكانة الرفيعة لإبداع نجيب محفوظ عميد الرواية العربية.. وفتاها النجيب.. ويأتى الاحتفاء والتقدير للأساتذة والحنو والاحتضان للتلاميذ كواحد من الدروس شديد البلاغة التى تخرج بها من سيرة ومسيرة نجيب محفوظ.. الذى لم تغيره الشهرة.. ولم يسكره النجاح بل عاش طوال عمره تحت راية ذلك (التواضع النبيل).. وذلك التواضع الذى جعله يصرح بعد فوزه بجائزة نوبل قائلاً (صاحب الجائزة الحقيقى هم أبسط الناس فى هذا الشعب.. الذين عاشرتهم وأحببتهم.. فألهمونى شخصياتى وموضوعاتى.. فأنجزتها وأخذت الجائزة)