نجيب محفوظ.. ومصر الجديدة

08/09/2016 - 1:38:42

بقلم- رضوان آدم

«مصر الجديدة» أكثر ما شغل بال صاحب نوبل. نجيب محفوظ، الهاديء، نادر الغضب في أحاديثه ومقابلاته، لم يكن كذلك في رحلته الطويلة. كان يلوّح، بحب، من نافذة قطار أعماله الكبرى، لرغباته الأصيلة في التغيير. هموم المجتمع المصري، أكثر ما شغل بال «محفوظ»، منذ بواكير أعماله، وهي قضيّة تبقى مفتوحة، لأسئلته الكبيرة، في بطون قصصه، ورواياته، التي انحاز غالبها لفكرة المجتمع الذي يجب أن يقاوم الاستعمار، ويستعيد مصريته ( قراره).


التاريخ كان عدته المتينة، التي فتحت له الباب. في مجموعته القصصية الأولى (همس الجنون)، نختار على سبيل المثال قصة «يقظة مومياء»، وندلل منها على غيرة «محفوظ» الواضحة، على وطنه. بطل القصة اسمه محمود باشا الأنؤوطي، وهو رجل يتنكر لكونه مصريًا، فقلبه وعقله، غارقان في عشق فرنسا. القصة تحكي عن ظلم الطبقة التركيّة، المتمصرة، التي تمصّ دم أهل البلد، وتعاملهم كالعبيد. عقدة القصة تتكيء على مقبرة «حور» التي تم اكتشافها، على مرأى ومسمع من الباشا الأرنؤوطي، الذي يرغب في إهداء تحف قصره إلى متاحف باريس. في نقطة التحوّل، تنتصب موميا «حور»، القائد، المعبّر عن قوة مصر القديمة. يقف حور، ليضع حدًا لهذا الأرنؤوطي المتغطرس. طلب منه أن يركع، «ما الذي دهاك؟ ماالذي دها الأرض، فجعل أعزتها أذلة وأذلتها أعزة، وخفض السادة عبيدًا، ورفع العبيد سادة؟. كيف تملك أيها العبد هذا القصر ويعمل أبنائي فيه خدمًا؟.... أيجوع في مصر أبناؤها؟. الويل لك أيها العبد..».


وعندما كانت مصر تخوض معركتها ضد الاستعمار الإنجليزي، كتب نجيب محفوظ «رادوبيس»، وهي رواية تاريخية كاشفة، لمصائر العديد من الصراعات التي وقعت أيام الأسر الفرعونية. ولما كان الواقع يقول إن الملك في مصر وقتها، كان خاضعًا للإنجليز، على غير رغبة الشعب، نجد أن الرواية ترصد وقوف الشعب مع الكهنة، ضد الملك الفرعوني، الذي يصعد إلى حتفه، وينهار. ثار الشعب، على الملك العابث في الرواية، وكان هذا إشارة واضحة إلى الواقع. كل من يفرغ من قراءة الرواية وقتها تأخذه الحماسة، والغيرة على بلده الذي يمرّ بنفس الظرف التاريخي.


و»العائش في الحقيقة « هي دلالة على رغبة محفوظ في أن يتبنى المصريون تكسير التابوهات، والسلطة التي تمنح نفسها القداسة. فثورة إخناتون في رأيه، هي تحطيم لجمود كهنة آمون ، الذين يبررون استبداد الآلهة، بالشعب.


على هذا الدّرب، نجد في رواية «كفاح طيبة»، البحث المستمر عن الهويّة الغائبة، عبر مواجهة الوافدين الغزاة (الهكسوس)، والنص هنا، محرّض للشعب المصري، ونخبته التي كانت تسعى للاستقلال عن الاحتلال. والكهنة في النص، مرادف للنخبة الوطنية الواسعة، ما بعد ثورة ١٩١٩، وهم حظوا بمحبة المصريين، في الحالتين، وفي الرواية سقط الملك بإرادة الأغلبية. وهنا نجد تماسًا نسبيًا بما جرى في مصر في ١٩٥٢، عندما طُرد الملك، وهلل المصريون في الشوارع.


«القاهرة الجديدة» كانت زمانًا لاستراحة أديب نوبل من رحلته في التاريخ المصري القديم. وكأنه قد أُجيب له عن بعض أسئلة التغيير، نجد «محفوظ»، يرمي بمجموعة من القيم غير المتحققة في الواقع (العدل نموذجًا)، عبر شخوص بينها تناقض شديد: على طه، مأمون رضوان، محجوب عبد الدايم، وغيرهم. ولهذا نجد في الرواية إصرارًا على كشف واقع الفساد المتفشي في المجتمع، وأزمة جيل سُلم إلى الضياع (محجوب عبد الدايم)، على يد واقع لا يرحم، وأقلية غنيّة، تتمرمغ في خير البلد. بعيدًا عن جوانب فنيّة كثيرة في هذه الرواية، فهي كانت تأريخًا لتشوّه مجتمع (يحدث الآن)، بسبب المحسوبيات، والشللية الفاسدة، التي توصل من لا يستحق إلى المناصب المرموقة، وبالطبع هناك ثمن يُدفع مقدمًا يقلل من الكرامة الإنسانيّة.


في روايته «زقاق المدق»، يقدم لنا صاحب نوبل، صورة أخرى من صور الفساد الصغير، الذي انتشر في الحارة المصرية. الزقاق هو عالم الرواية، لكنه مرآة تعكس ما يجري في البلد.


أما الثلاثيّة، فهي المرآة الأوسع والأوضح، لفكرة التغيير المتعاقب، عند نجيب محفوظ، فهي تشرّح الفجوة الكبيرة بين عدّة أجيال، يُمسك بخيطها الأربعيني السيد أحمد عبد الجواد. في «بين القصرين» نجد الشخصية الإكليشية لأحمد عبد الجواد، الذي يحكم بيته بالحديد والنار، ونجد زوجته «أمينة» الخاضعة، ونجد أبناءه المتضايقين منه (الجيل الجديد)، والراغبين في تكسير القيود التي يفرضها في الليل والنهار. كان هذا التوصيف صورة من المجتمع السلبي الذي سيتغيّر بعد قليل. قبضة الأب القاهرة، تضعف مع ارتفاع أصوات المعارضين للاحتلال البريطاني، « الإضراب .. الإضراب». ينخرط فهمي في الثورة مع زملائه، ويموت برصاصة في المظاهرات. وفي قصر الشوق، يقدم محفوظ شخصيات مشوَّشة، مترددة: أحمد عبد الجواد، هزمته «زنّوبة»، فيتزوجها ابنه ياسين، وكمال يعارض أبيه، ويدخل مدرسة المعلمين. ومع نهاية هذا الجزء الثاني من الثلاثية، ينظر صاحب نوبل من نافذته على الجيل الجديد الذي سيكون صاحب إرادة في الجزء الأخير (السكريّة).


تمر سنوات عديدة، طويلة، بمصر، بعد ثورة ١٩٥٢، ونجد أمامنا «ثرثرة فوق النيل». مصر في تلك المرحلة، مرّت بمراحل تغيّر كثيرة، انتصارات وانكسارات، وتحولات اجتماعية كبيرة، حفظها «محفوظ» من خلال شخصيات العوامة. الأسئلة المجتمعية في هذه الرواية أكثر من الإجابات. هي رواية فلسفية، تعرّي وتكشف الانحلال الذي ضرب شخوص العوامة. يقول مثلا مصطفى راشد المحامي: « أجمعنا على أننا طبيعيون لا يشيننا شيء وأن الأخلاق التي تديننا ميتة مستوحاة من عصر ميت وأننا رواد أخلاق جديدة صادقة لم يُنظمها التشريع بعد». أنيس الذي يلعب برأسه الحشيش دائمًا، يقول”هل من جديد عن العمال والفلاحين والرشوة والعملة الصعبة؟.”


في هذه الرواية نجد انعكاسًا لأزمة الإنسان المصري، بعد هزيمة يونيه ١٩٦٧. محفوظ مهموم بها جدًا، ويقدم من خلالها –الرواية- جرس إنذار لمجتمع ينحدر نحو اليأس والهاوية.


وكما وجدنا، «زهرة»، في رواية «ميرامار» تقاوم الذكورية الفجّة، نجد شخصيات مقاومة أخرى، تكسّر سلطة المجتمع، وهنا نعود إلى الصحفية سناء، في «ثرثرة فوق النيل». شخصيّة ترفض طريقة التبرير الغريبة التي يتبناها رواد العوامة، وهي في الحقيقة، صوت نجيب محفوظ، الراغب في إدانة حالة السلبيّة التي تفشّت بين المثقفين، وأبناء الطبقة الوسطى، في ذلك الوقت.


في رواية «اللص والكلاب» تحتدم المواجهة بين سعيد مهران، والمجتمع. عناصر التشويق كبيرة، وصوت المطاردات لا يقل عن صوت أديب نوبل، الذي يحرّض على مواجهة المجتمع غير الملتزم بمثل ما روج لها (شخصية رؤوف علوان). هناك حالة من التمرد على طول الرواية. وهناك مشهد في الرواية يلخص جانبًا مهمًا في قضية سعيد مهران. حوار بين الشيخ الجنيدي، وسعيد مهران:


“ونفخ لنفاذ صبره، فقال الشيخ:


الصبر مقدّس تقدّس به الأشياء.


فقال سعيد بغم:


بل المجرمون ينجون ويسقط الأبرياء.


فتساءل الشيخ وهو يتنهد:


متى نظفر بسكون القلب تحت جريان الحكم؟.


فأجاب سعيد:


عندما يكون الحكم عادلا.


«الحرافيش» رواية كبيرة، تعكس حالة مجتمع مهتزّ (صدرت عام ١٩٧٧، وللتاريخ دلالته البالغة). وهي عبارة عن حكايات عشر، قد ترهق البعض حين يقرؤها أول مرة. وهي كما يراها البعض، تأريخ لهبّة من هبّات المصريين البسطاء (الحرافيش) ضد فكرة الفتوة. وهي سجال بين عصابات متنوعة في الحارة (عاشور الناجي - شمس الدين الناجي، مثالان). وترصد الرواية، أزمات الفقر والجوع، واحتكار السلع، التي ضربت سكان القاهرة، وتتطور أحداث الرواية، حتى يظهر «فتح الباب» فينقذ الفقراء من المتاجرين باحتياجات الفقراء (الفتوات)، فيدعمه الناس، ويثورون ويطردونهم من الحارة، لكنه يُقتل، وتدور الكرّة، ويغرق ناس الحارة في فوضى جديدة.


«الموت الذي يقتل الحياة بالخوف حتى قبل أن يجيء. لو رُدَّ إلى الحياة لصاح بكل رجل: لا تخف! الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة. ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكم الحياة ما دمتم تخافون الموت».


المرور على عدد من نصوص «محفوظ»، لا يعفينا من طرق باب «أولاد حارتنا» المنشورة على حلقات في الأهرام (١٩٥٧). العبارة السابقة، اقتبستها من الرواية، وهي نصّ كبير، امتلأ بالرموز، وهوجم بسببه نجيب محفوظ ( تعرض لمحاولة اغتيال عام ١٩٩٤) حيث اعتبرها البعض مسًّا بالذات الإلهيّة.


في هذه الرواية، يثور محفوظ، ويفضح ثوابت عليا في المجتمع. التخلف والخرافة، والتأخر يضرب في كل اتجاه. الناس يخافون من القوى الذي يُمسك بالعصا، ويكتمون خوفهم في أعماقهم، ولا أحد ينقذهم.


في الرواية يعرّفنا نجيب محفوظ بــ»عرفة»، وهو رمز للعلم في مواجهة الجهل، لكن عرفة يموت في نهاية الرواية، كما يموت «الجبلاوي». الرواية ، أحدثت ضجة كبيرة، أخذت صاحبها من يده إلى النيابة العامة. وهناك قال «محفوظ»: « الرواية هدفها التبشير بضرورة التحام العلم بالدين. الدين أنقذ البشرية من الظلم، والعلم قادر أن يرتقي بها وينهض بأحوالها بشرط ألا يحيد عن مباديء الدين».