الحب والموت

08/09/2016 - 1:36:06

بقلم: نبيل فرج

أكمل الكاتب الكبير نجيب محفوظ، في الحادي عشر من شهر ديسمبر ١٩٧٦، خمسة وستين سنة، قضى ما يزيد عن أربعين سنة منها فى الإبداع الخلاق، الذى يرتبط بالواقع الاجتماعى فى بلاده، ولكنه يرتفع بعالمه المحلى الزاخر بالمشاكل إلى مستوى الهموم الإنسانية الشاملة، سواء بدأت هذه الأعمال الفنية من حياة الناس والأشياء أو بدأت من الأفكار والمعاني والانفعالات، علي نحو ما يتجلى في إنتاجه الذى يتجه فيه إلى ما وراء الواقع. ونجيب محفوظ شخصية غنية بالوعى والمعرفة عاش فترة طويلة من حياته الأدبية فى الظل، لا ينال أى تقييم، ثم غمرته الأضواء دفعة واحدة. ومع هذا ظل يقدم للأجيال الجديدة، على الدوام، نموذجا رائعا للكاتب المخلص الذي يكرس حياته للفن وحده، أيا كان موقف الوسط الثقافى المعاصر، وظل يعتبر تجربته في الخلق لا نهاية لها مهما حقق من مكتسبات فكرية وجمالية. والحديث التالى يتناول بعض أفكار نجيب محفوظ فى الفن والحياة التى يتألق بها إنتاجه في القصة والرواية.


-أود فى بداية هذا الحديث عن الفن والحياة أن أسأل: لماذا تعتبر العمل الفنى أصدق فى التعبير عن مؤلفه وكشف أعماقه من مقاله المباشر؟


ألا ترى أن المقال المباشر الذى يضع النقط فوق الحروف يتوجه مباشرة الى مقصده ومن ثم يمكن أن يكون أكثر دقة؟


- المقال المباشر الذى يضع النقط فوق الحروف ولكنه فى النهاية ثمرة العقل وحده، أو ثمرة الوعى وحدة، أما العمل الفنى فثمرة يشترك فى خلقها الوعى وشبه الوعى واللاوعي. فهو أصدق فى التعبير عن أعماق صاحبه.


خذ مثلا . ممكن أن يقرر أحدهم فى مقال ايمانه بتحرير المرأة ومساواتها للرجل فى كل الحقوق والواجبات... الخ.. وممكن أن نطمئن الى صدقه فيما يقرر. غير أن العمل الفنى قد يكشف لنا عن أركان رجعية فيه هو نفسه لا يفطن اليها، وقد يتمثل ذلك فى نهاية بطلة، أو فى درجة العطف التى نشعر بها- أو بضدها- ونحن نتابع حكايتها.


- يستلفت النظر فى رؤيتك للحياة التى يعكسها أدبك حسك العميق بالتناقض الفادح فى الحياة، وتقلب الحظوظ بين البشر، أو ما يمكن أن نصفه بعبث الأقدار. أن أنقى عاطفة فى الحياة، هى الحب. فى رواية (نور القمر) تؤدى بالبطل الى التدهور والتدنى. والإنسان الكفء فى أكثر من قصة ورواية تتعثر خطواته أو يهلك، بينما يتقدم عليه من لا يملك مثل كفاءته. ،فى الغارات يموت من يلوذ بالجامع، وينجو من يلوذ بالخمارة. والرصاص الطائش يصيب الأبرياء.


ما هى منابع هذه الرؤية الموجعة، ما هى مراميها؟


- أعتقد أن منابعها توجد فى الواقع، الواقع الإنسانى بصفة عامة، والواقع المحلى بصفة خاصة، والشواهد لن تعجز من يروم تقصيها، أما ما نرمي إليه من وراء ذلك- أن كان ثمة ما نرمى اليه- فهو الاحتجاج إن شئت أو النقد حتى مجرد قصة العالم.


- يؤكد أدبك أن مصائر الأفراد متشابكة فى الأرجاء البعيدة، فما هى الدلالة التى تتطلع إليها مثل هذه الرؤية؟


- لا تنس أننا أبناء زمن قد صار فيه العالم قرية كبيرة واحدة .


ومثلما تنتشر الموضة فى موسم واحد تنتشر الأفكار وألوان السلوك والمصائر، فِى ذات يوم فكر رجل وهو يتنقل ما بين سويسرا وفرنسا فى جمع اليهود فى وطن واحد، كم أسرة فى الشرق العربى فقدت أبناءها نتيجة لهذه الفكرة؟ ثم لماذا نشأت تلك الفكرة؟. لعلك اذا تابعت أثارها ومنابعها أن تحكى قصة العالم من جديد.


- هل ترى أن ثمة تشابها بين اندلاع الحب فى القلب، وبين الموت المباغت؟


وهل تعتقد أن المأساة البشرية تمثل فى الحب-حين يكون من طرف واحد- كما يتمثل فى الموت؟


- الحب قرين الحياة وعدو الموت، ولكن لأنه يستهلك الإنسان روحيا وماديا فهو يمضي بالإنسان نحو الموت وهو لا يدرى . هذا يذكرنى بالحكمة القائلة (كفى بالسلامة داء).


ولك أن تعتبر الموت أو الحب من طرف واحد مأساة بشرية، ولكن لا يجوز أن ينسينا ذلك مآسى الحياة نفسها الناشئة من جهل الإنسان وتعصبه وأنانيته وسوء أفكاره، وأساليبه.


- تقول فى آخر رواياتك المنشورة: “مصيرنا فى الحياة لا تتحكم فى رغباتنا “. هل معنى هذا أن الإرادة الحرة الفعالة للإنسان ليس لها فى رأيك قيمة أو ليس لها قيمة كبيرة. رغم أنها تتجلى أحيانا بكل عناد مهما تكاثرت عليها عوامل الآحباط؟


- للآرادة الحرة دور فعال ومؤثر لا يمكن نكرانه أو التقليل من شأنه، غير أن الإرادة لا تعمل فى فراغ ولا بعيدا عن تشابك الإرادات الأخر .


لذلك لا يكفى أن تكون صاحب إرادة حرة، وانما عليك أن تكون حكيما أيضا.


- يشف أدبك عن تقدير عميق للحلم والخيال، باعتبارهما من أقوى الملكات البشرية التى تحطم الأشكال التقليدية للحياة.


والحلم والخيال، كما نعلم، من منابع الفن السيريالى. فهل تعتقد أن فى أدبك عناصر سيريالية؟


على إن نفس هذا الإنتاج يشف كذالك عن رؤية وجودية ترى العالم لامباليا بالإنسان، يبابا..


- فرق بين الفلسفة والفن:


الفلسفة تنظيم فكرى محدد يمكن وصفة وتحليلة ويمكن أن ينطبق هذا الوصف وهـذا التحليل على صاحبه. بهذا المعنى ممكن أن تكون السيريالية فلسفة، كما يمكن أن تكون الوجودية فلسفة.


أما الفن فرؤيتة تتكون فى تمهل وعلى مدى طويل معتمدة على الوجدان والفكر. والفنان الدرامى بصفة خاصة موضوعى لدرجة ما، فهو يقدم آخرين من خلال ملابسات وظروف شتى، لـذلك قد تعرض له- كما تعرض لأبطاله- لحظات سيريالية وأخرى وجودية.


فإذا كانت الفلسفة تحل متناقضات الحياة فى نظام ثابت فالفن يضطرب ذهابا وجيئة بين هذة المتناقضات، وقل أن يثبت على حال إلا اذا دعم بفكر ثابت.


- على الرغم من تنويهك الدائم بقيمة العلم والمادية، إلا أن تصويرك للشخصيات التى تمثلها تثير النفور منها ، بخلاف تصويرك للشخصيات الدينية التى تمضى فى طريق الروحية، حيث يلاحظ على هذه الشخصيات سمات الإنسانية المتدفقة الحفية، ،النبالة.


- يتعذر على الحكم على ذلك، وعن نفسى فأنا إنسان يضع أمله فى القيم الروحية والعلم والعدالة الإجتماعية.


أكره الانغلاق المادى.


أكره الخرافة والجهل.


أكره إى امتياز يناله إنسان من غير ذاتة وقدرتة على خدمة الناس .


- ذكرت فى سنة ١٩٧١ أنك تكتب الرواية دون أن تعرف كيف ستمضى بك أو كيف تنتهى ومثل هذا الموقف الفنى يقفه كتاب الرواية الجديدة فى فرنسا خاصة فهل كنت فى المراحل السابقة تخطط بدقة للرواية وماذا يعنى هذا التطور؟.


- أجل، كنت أفكر طويلا فى الرواية قبل كتابتها. كنت آبدأ بعد أن تتبلود فكرتها العامة وشخوصها الرئيسية ومواقفها الهامة، غير أن التنقيد كان يأتى دائما بجديد أو يحور ويبدل ويضيف. وهذا المنهج ضرورى فى الروايات الطويلة ذات الشخصيات المتعددة والا انفرط بناء الرواية.


الطريقة الأخرى مفيدة عندما يكون الكاتب منفعلا بالألهام وبلا موضوع محدد. أو عندما ينفذ موضوعا قصيرا، قصة قصيرة، قصة قصيرة طويلة، أو رواية قصيرة مركزة فى بطل أو بطلين، وفى رأيى أن الكاتب لا يلجأ إلى المنهج الأخير إلا إذا غامت الرؤية واضطربت الأحوال وانتفى الاستقرار، قيصبح العمل الفنى كشفا عن مجهول، لا تعبيرا عن معلوم مستقر.


- ترى أن جمال الشعر أو العمل الفنى لا يكمن فى عناصره الذاتية وانما يكمن في القلب البشرى الذى يتلقاه، ألا يعنى هذا أن المتلقى يشترك فى خلق العمل الفنى فى كل معايشة له؟ وأنه، بالتالى، من الصعب التوصل الى قيمة موضوعية للأشياء؟


- جمال الفن يكمن فى الأشياء وفى القلب البشرى معا، له بلا شك معالم موضوعية، فنحن نستطيع أن نتحدث عن التنوع فى الوحدة، عن الألوان وموسيقى الألفاظ، ولكن الحياة لا تنتقض فى تلك العالم إلا بنبض القلب البشرى، بل إن تلك المعالم لا يخلقها إلا نبض القلب البشرى،


- أريد أن أعرف منك كيف يتكون الكاتب فى عالمنا المعاصر، ويتكامل وعيه، ويصل الى منطقة الشوق والحكمة؟


- يتكون الكاتب- بعد تعليمه العام- بدراسة فنه الخاص (المسرح مثلا) ولكن دراسته الآدبية يجب أن تشمل اللغة وأدبها شعرا ونثرا، وأن يمتد مجاله ليشمل التراث والمعاصر.


لا تكفى هذه الدراسة التخصصية، فما دام الكاتب يعبر عن عصر فيجب أن يلم بعصره على قدر استطاعته، أن يلم بعلومه واديانه وسياساته واقتصادةه وفلسفاتة،


ولا يكفى ذلك أيضا فعليه أن يعيش طولا وعرضا وأن يتعامل مع الحياة والناس. وان يتأمل ويتفكر بذلك كله مجتمعا يقترب من التشوف والحكمة،


- ترى بعض الاتجاهات الفكرية أن البطل أو الزعيم أو العبقرية تظهر فجأة دون مقدمات، أى إنها استثناء من الطبيعة، لا تخضع فيه لأر منطق. ولعل كتب عباس محمود العقاد تفصح بجلاء عن ذلك. بينما ترى اتجاهات أخرى أنه ثمرة البيئة والظروف، فى أبعادها الموضوعية، وهذا هو الرأى العلمى.


فكيف تنظر إلى هذه القضية؟


- العبقرية ثمرة بيئة وظروف وموهبة.


من كتاب نجيب محفوظ «حياته وأدبه» لكاتب هذه السطور