نجيب محفوظ وسيرك الأنفتاح تهاوى مثلى الأعلى فى ٥ يونيو

08/09/2016 - 1:32:42

بقلم: د. مصطفى عبدالغنى

كيف يجد أناس سبيلًا سحريًا إلى الثراء الفاحش وفى زمن لا يصدق؟


لا يمكن أن يحدث ذلك بلا انحراف!


على هذا النحو، راح علوان يؤكد لنا فى رواية «يوم قتل الزعيم».. أن سياسة الانفتاح الاقتصادى التى استهدفت التغييرات الحادة فى المجتمع المصرى لم تبدأ فى عام ١٩٧٤ «بإقرار مجلس الشعب القرار ٤٣»، وإنما بدأت قبل ذلك بكثير منذ عام ١٩٦٧ إبان هزيمة يونيو فى الوطن العربى كله.


ففى هذا العام ١٩٦٧ كانت الولايات المتحدة الأمريكية «وإسرائيل إحدى ولاياتها فى المنطقة» قد نالت من النظام المصرى الذى طالما سعى لفرض الإرادة العربية فى المنطقة، وسعى لتشجيع حركات الاستقلال ورفض سياسة الأحلاف وتنفيذ التنمية الوطنية دون «تبعية» كان الغرب يعرف أنه إذا تركت مصر لشأنها لابد أن تقف حجر عثرة فى طريق مخططاته التى لم تكن قد توقفت منذ الحروب الصليبية.


وقد كان مؤكدًا أنه وإن كانت إسرائيل قد حققت بعض أهدافها، فإن الولايات المتحدة -الاستعمار الجديد- توشك الآن على أن تحقق كل أهدافها للسيطرة على الواقع الجديد، خاصة فى غيبة وعى جماهيرى أعد سلفًا وفى إطار اقتصادى واجتماعى تعانى منه مصر فى هذه الفترة.


وهذا كله يفسر كل مواقف الولايات المتحدة الأمريكية، سواء باتهامها المباشر فى فرضه هزيمة ٦٧ أو الإسهام فيها، أو فى تعويقها المستمر للحيلولة دون جنى ثمار نصر أكتوبر ١٩٧٣ بعد ذلك، بل «تعليق الخطوة التالية لتكون عنصرًا مواتيًا لفرض التغييرات على القيادات التى تريد أن تثبت للولايات المتحدة حسن سيرها وسلوكها». عادل حسين، الاقتصاد المصرى فى الاستقلال إلى التعبية ٧٤/١٩٧٩ ج٢ دار المستقبل العربى .١٩٨٢


وفى هذا الوقت كانت المتغيرات الحادة تعمل عملها فى بنية المجتمع المصرى، ومنها كان الاختراق المنظم للمجتمع فيما عرف بسياسة الانفتاح الاقتصادى، مما أحدث هزة عنيفة على هذا المجتمع، وقد تحولت الرأسمالية المصرية حينئذ إلى رأسمالية طفيلية من خلال أعمال لا تتصل بالإنتاج، بحيث شكلت فئات اجتماعية خارج العملية الإنتاجية.


وتطور الرأسمالية الفعلية وسيطرتها على واقع البنية الاجتماعية كان له آثار خطيرة كان من شأنها توزيع الدخل خلال السبعينات وما ترتب عليه من تفاوت يتصل بانعدام العدالة الاجتماعية.


ومع أن التغييرات فى بنية المجتمع كانت أكثر مما يمكن رصدها فى السبعينات، فإن هذه ليست مجالنا هنا على المستوى الاقتصادى، ومن ثم فإن جهدنا سينصرف الآن إلى النص الأدبى عند نجيب محفوظ بوجه خاص لعمق التحولات التى أمكن رصدها.


إن اهتمام نجيب محفوظ بهذه الفترة فترة الانتفاح الاقتصادى لم يكن منبت الصلة بما سبقه، وإذا كان اهتمام نجيب محفوظ بدأ بالتحديد فى نهاية السبعينات، فقد نشر أول مجموعة قصصية تحتوى على عدد من القصص تنصب على مخاطر هذه الفترة «الحب فوق هضبة الهرم عام ١٩٧٩ “ فإننا نستطيع أن نضع خطًا فارقًا هذا العام ١٩٧٩ وبعده، فقبل هذا العام كانت «رسالة» نجيب محفوظ تتحد حول رفض التمايز الطبقى ومحاربة الفساد الاجتماعى فى شتى صوره، أما بعد عام ١٩٧٩، فقد تبلورت قضايا الكاتب الكبير حول سيرك الانفتاح بوجه خاص وإن لم يهمل العديد من القضايا الأخرى.


غير أن سيرك الانفتاح كان أكثر الدوائر التى استحوذت على قيمه الأدبية.


الفترة الأولى حتى عام ١٩٧٩ عرفت بروايات نجيب محفوظ التى اتخذت الشكل التاريخى والاجتماعى، بينما اتخذت بعد ذلك الشكل الواقعى والرمزى حتى إذا ما جاوزنا الأربعينات والستينات، فإننا نكون بدءا من نهاية السبعينات حتى الآن أمام روايات نجيب محفوظ التى اتخذت الشكل التاريخى والاقتصادى، والتى توقفت بوجه خاص عند التطورات الاقتصادية والاجتماعية التى عرفتها البلاد عقب «كامب ديفيد» وما تمخض عنها من تحولات خطيرة فى البنية الاجتماعية.


وهو ما نشير إليه بسرعة قبل أن نصل إلى الفترة التالية لعام ١٩٧٩، هذا العام الذى يعد أهم الأعوام فى تاريخ مصر قاطبة.


قبل عام ١٩٧٩


نستطيع أن نلحظ تطور الخط الفكرى عند نجيب محفوظ فى الأربعينات خلال رواياته:


القاهرة الجديدة ١٩٤٥، خان الخليلى ١٩٤٦، زقاق المدق ١٩٤٧، بداية ونهاية ١٩٤٩، ونلحظ نمو الخط الاجتماعى والاقتصادى أكثر بعد الثلاثية التى كتبها قبل قيام ثورة يوليو ونشرها بعدها بين عامى “٥٦/١٩٥٧ “ وبشكل أكثر واقعية فى روايات الستينات: اللص والكلاب ١٩٦١، والسمان والخريف ١٩٦٢، الطريق ١٩٦٤، ثرثرة فوق النيل ١٩٦٦.


وقد كان فكر نجيب محفوظ خلال تلك الروايات يغلب عليه إيمانه العميق بأن المجتمع هو الصانع للنجاح والفشل، وهو الموجه للأخلاق، وأنه بالإصلاح الاجتماعى والسياسى يتحقق العدل ويستقر النظام، وهو ما لاحظه محمد حسين عبدالله فى كتابه حول محفوظ، وعلى سبيل المثال، ففى الثلاثية لا نخطئ أن هناك توازنًا بين الطبقات «وإن بدا توازنًا غير مطلق»، لكنه بدا على الأقل، توازنًا منبعه الحس الدينى الذى يمثل رادعا للانحراف، كما أن السلوك لدى الأفراد - وقد كانوا فى أغلبهم من التجار - لايخلو من المشاعر الوطنية والإحساس العام بالمسئولية على ما فى هذا المجتمع من انحراف يرصده، كذلك محفوظ على مستوى السلوك ممثلا فى السيد عبدالجواد نفسه.


إننا على سبيل المثال فى رواية «بين القصرين» أمام أسرة من الطبقة المتوسطة التجارية الصغرى التى لا يختفى فيها الطابع الأخلاقى، وهو ما نجده فى عديد من الروايات التالية التى تطرح قضية العدالة الاجتماعية طرحًا يرتبط بفكر الكاتب الذى ينتمى للطبقة الوسطى.


وإذا كانت الثلاثية آخر أعماله الكبيرة قبل ثورة ١٩٥٢ فإن «أولاد حارتنا» كانت أول أعماله الكبيرة التى كتبها بعد ثورة ١٩٥٢.. وأولاد حارتنا تزخر بهذه المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، فهو يدعو فيها إلى إعادة توزيع «الموقف» بالعدل فى أكثر من موضع، ولنذكر أن نجيب محفوظ قال فى منتصف السبعينات بعد ذلك إن الدوافع وراء كتابة رواية «أولاد حارتنا» هو كما يقال:


«رأيت طبقة جديدة بدأت تنمو أكثر بصورة غير عادية فى هذه الفترة، وكان السؤال الذى يحيرنى هل نحن نسير نحو الاشتراكية أم نحو إقطاع من نوع جديد»؟.


«القبس الكويتية ٣١ ديسمبر ١٩٧٥».


والرواية كما رأينا تزخر بهذه المواقف التى تحث على العدل وتدعو إليه طيلة لوحاتها، بل يدعو لتحقيق العدالة الاجتماعية أن تستخدم القوة، إذ إن «القوة العادلة « هى السبيل الوحيد ليحصل جبل. أحد الشخصيات فيها على قيمة العدالة «أولاد حارتا ص ٢١٥ “.


ونستطيع أن نفهم تطور فكر نجيب محفوظ طيلة هذه الفترة فى نهاية الخمسينات حين كتب «أولاد حارتنا» ومنتصف السبعينات حين كتب «الحرافيش» تطورًا مبلورًا فى اتجاه تحقيق هذه العدالة، وإذا كانت فكرة العدالة تتبلور طيلة هذه السنوات فإنه «فى لقاء خاص» أكد لى أنه قضى عام ١٩٧٥ يفكر فى أحداث «الحرافيش» وقد كان هذا العام هو العام الذى فكر فيه طويلًا لكتابة ملحمة «الحرافيش» كان نجيب محفوظ دائم التفكير فيما آلت إليه آليات المجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، ومن ثم كان يكتب مجموعته القصصية الملحوظة «الحب فوق هضبة الهرم»، إذا كانت هذه الفترة هى الإرهاصات لهذه القصص التى ما لبث أن كتبها بالفعل لينشرها بعد نشر الحرافيش بعامين ١٩٧٩.وعلى هذا النحو ففى العام الذى كتب فيه نجيب محفوظ «الحرافيش»، وكان يدعو فيها إلى «العدالة» كان بصدد كتابة مجموعة قصصية تخرج عن جو «الملحمة» الأسطورى، وتعايش الواقع وتنقل عنه مباشرة، وعلى هذا النحو كانت هذه الفترة هى فترة تحول الكاتب الكبير من التأييد المطلق لأنور السادات خاصة بعد كامب ديفيد، إلى فهم آثار الانفتاح عنه رويدًا رويدًا.


وعلى هذا النحو، فإنه يذكر لنجيب محفوظ أنه استطاع أن يبلور خلافة أنور السادات فى نهاية السبعينات خلال مجموعة من القصص رصد فيها هذا الواقع الاقتصادى الذى كان ينذر بخطر كبير..


وبديهى أن نجيب محفوظ اهتم طيلة حياته بقيمه الاجتماعية ضمن قيم اجتماعية أخرى، غير أن درجة اهتمامه بهذه القيمة زادت فى السبعينات، فخرج من التصور الميثولوجى للأدب إلى التصور الواقعى المباشر..


لقد أدرك نجيب محفوظ مع غيره حينئذ أن مصر تخرج من دائرة التنمية المستقلة لتدخل فى مأزق التنمية التابعة، وهى تنمية تجد مجالًا واسعًا لها فى سيرك الانفتاح التى تحدد فيه مستقبل مصر ومقدراتها لسنوات كثيرة آتية.


فلنقترب، أكثر من هذا السيرك ومحروميه وضحاياه..


بعد عام ١٩٧٩: السيرك


إذن، بدأ نجيب محفوظ منذ نهاية السبعينات يتعامل مع الواقع الجديد بشكل مباشر، حيث كان سيرك الانفتاح يصمم ألعابًا مأساوية واكروبات من نوع ازدياد البطالة وهجرة القوى العاملة خارج مصر، وبروز مشكلة التضخم وغلاء المعيشة وانتشار الشركات الدولية وتأثير المال النفطى بالسلب.. إلى غير ذلك.


وقد كان على نجيب محفوظ «زن» يستدعى هذا المناخ بشكل فنى، وهو ما حاوله خلال روايات «الانفتاح: فضلًا عن مجموعة قصصية سبق الإشارة إليها، محاولًا أن يقدم صورة فنية وليس صورة «فوتوغرافية» فقط.


ورغم أن تغييرات هذه الفترة كانت حادة ومتسارعة، فإنه يحسب له أنه استطاع أن ينقل منها، ويغرف من منجم هذا الواقع ما استطاع أن يعبر به تعبيرًا صادقًا، وقد حدث ذلك خلال هذه الأعمال.


«الحب فوق هضبة الهرم/ مجموعة ١٩٧٩، الباقى من الزمن ساعة/ رواية ١٩٨٢، يوم قتل الزعيم/ رواية ١٩٨٧، صباح الورد/ رواية ١٩٨٧ قشتمر/ رواية» ١٩٨٩.


ولأن محفوظ كان مولعًا بالحاضر غارقًا فيه حتى أذنيه، حرص دائمًا على ألا يتوه فى تهويمات المثولوجيا، أو يغيب فى رموز غامضة، وإنما استقى من هذا الحاضر نماذجه، التعبير الفنى الدقيق للحاضر يستطيع، إذا أحسن تصوره أن يلقى فى تيار «الوعى» الجمعى وبعمقه.


وهو ما جهد فيه الكاتب الكبير كثيرًا


وقبل أن نرصد ظواهر هذا السيرك قد يكون من المفيد أن نشير إلى سمتين مهمين لا نخطئهما قط فى النسيج العريض للفن «النجيبى» فى فترة الانفتاح السعيد، السمة الأولى، أن شخصيات هذا العصر لانعدم فيها الجلادون «الانفتاحيون الجدد»، وهم من كان يطلق عليهم وقتها «القطط السمان»، كذلك لانعدم الضحايا، وهم كثيرون، ينتمون إلى شتى فئات الشعب.


على أن ثمة تعميمًا هنا لابد من الإشارة إليه، هو أنه إذا كان أغلب هؤلاء الجلادين ينتمون إلى الطبقات الاقطاعية والرأسمالية الوطنية «الانتهازية» قبل الثورة، فإن أغلب الضحايا وهم يشكلون الشعب المصرى كانوا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والطبقة الدنيا، بل إن الطبقة هبطت فى هذه الفترة إلى مستوى الطبقة الدنيا، فى وقت وهنا مجال واسع للسخرية صعدت طبقة الاقطاعيين والمغامرين إلى طبقات ارستقراطية فى «حراك» غير مفهوم ولا يستطيع أحد من علماء الاجتماع تصنيفه.


وإلى جانب فئتى الجلادين والضحايا، فإن هؤلاء الانفتاحيين وهذه هى السمة الأخرى كانوا معادين بحكم تطورهم الاجتماعى وهيئتهم الاقتصادية لثورة ١٩٥٢، ومن ثم ففى الوقت الذى مثلت فيه هذه الطبقة أو تلك الفئات «الثورة» المضادة فى السبعينات، فإن الضحايا وقد كانوا أغلبية الشعب من المستفيدين بإنجازات ثورة يوليو، ومن ثم أصحاب المصلحة «الحقيقية» فى تأييدها.


وعلى هذا، بدا واضحًا بعد الفترة الناصرية طبيعة الصراع المتكافئ بين الطرفين: الجلادون والضحايا..


وقبل أن نستطرد أكثر حول هذه السمات العامة لابد أن نشير إلى ظواهر سيرك «الانفتاح» فى قصص محفوظ ورواياته منذ نهاية السبعينات حتى الآن، وسوف نحاول أن يكون ذلك خلال هذه الشخصيات «الجلاد / الضحية» وهو منهج استفدنا به من الشكل الذى آثره نجيب محفوظ نفسه فى التعرض لهذا العصر.


كذلك، سوف نشير إلى هذه الشخصيات خلال السياق التاريخى والاقتصادى الذى شهدته مصر طيلة السبعينات، وخلال احتدام الصراع الكبير بين مصر، كرائدة لحركات التحرر فى العالم، وبين الولايات المتحدة الأمريكية - كرائدة للقوى الإمبريالية فى العالم كذلك.


أول فئة هى الانفتاحيين الجدد يمكن أن نجدهم فى أولئك المغامرين والأفاقين الذين استطاعوا أن يثروا ثراء واسعًا فى السبيعنات، وهى الفئة التى نجدها فى السياق التاريخى فى مجموعة «الحب فوق هضبة الهرم» ١٩٧٩ ويمثلهم أحسن تمثيل كل من زغلول رأفت وزعتر النورى.


زغلول رأفت:


إن زغلول رأفت قد أصبح من «أهل القمة» وهى القصة التى رصدت أولى محاولات الانفتاح داخل النص - عرف على أنه أحد رجال الأعمال الكبار، وقد كان ذا صلات، ويتردد اسمه أحيانًا عند التبرع لمشروعات خيرية فى الحى “٧٤ “.


وهو يبدو شأن الانفتاحين الجدد فى مظهر محترم وحديث لبق، غير أن حقيقته تنبئ بأنه أحد الأفاقين الذين يعملون فى أعمال باطنها مشبوه وظاهرها نظيف.


وقد كان زغلول رأفت يسعى لتأمين نفسه بالتقرب من رجل الأمن إلى درجة أنه كان يسعى لعقد أواصر علاقات طيبة مع مأمور القسم، بل ويتقدم لخطبة ابنه أخته.


وقد دخل زغلول رأفت فى هذا فى عملية منافسة مع أفاق آخر من ذوى السوابق، وهو زعتر النورى، أحد لصوص الانتفاح والذى ينتمى إلى هذه الطبقة الدنيا، وقد استطاع زعتر النورى أن يشق طريقه إلى الطبقة الجديدة حين عمل مع زغلول رأفت فى أعمال مشبوهة.


ومع توالى الأحداث، نصل رلى نتيجة مفادها ضياع الأمل فى التغيير عند هذه الطبقة حيث يضيع رصيدها الطويل من أجل الكفاح ضد المستعمر الخارجى والمستقبل الداخلى فى وقت كان فيه الأغنياء ويتشاغلون أثناء الكفاح ويهربون إلى مصالحهم.


من كتاب نجيب محفوظ «الثورة والتصوف» لكاتب هذه السطور