حكايات محفوظ مع السينما مشاهد وسيناريست وأديب ورقيب

08/09/2016 - 1:20:10

  محفوظ مع طارق سعدالدين في لقائهما ١٩٩٦ محفوظ مع طارق سعدالدين في لقائهما ١٩٩٦

بقلم: طارق سعدالدين

ذهبت إلى لقاء الأديب الكبير في ندوته الأسبوعية التي يقيمها في فيللا د. يحيى الرخاوي بالمقطم وذلك بعد الاعتداء الذى تعرض له أمام منزله فى العجوزة عندما طعنه فى رقبته بسكين متشدد جاهل لم يقرأ له حرفاً فى حياته فى استجابة منه لدعوة بتكفير نجيب محفوظ وقد أدى هذا الاعتداء إلى تشديد إجراءات الأمن عليه فنقل ندوته الأسبوعية من الأماكن العامة وأصبح يتنقل فى حراسة الشرطة ولكنه ظل حريصاً على أن يلتقي بتلاميذه ومريديه حيث يقرأون له صحف ومجلات الأسبوع ويحاورونه ويناقشونه في كل ما يدور على الساحة من قضايا وموضوعات وحتى مايدور فى المجتمع من أحاديث ونميمة وهو يسمع ويهز رأسه ويعلق دون أن تفارق فمه الابتسامة ووجهه الود والبشاشة وروحه المرح ويقظة ذهنية للنكتة و القفشة الحراقة إذا حكمت.


كان سبب لقائى به فى ديسمبر ١٩٩٦ هو إجراء حوار صحفى معه بمناسبة تكريم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي له فى هذا العام, وكان للتكريم سببان مهمان, أولهما هو وجود خمسة عشر فيلماً مأخوذة عن رواياته بين أحسن مائة فيلم أنتجتها السينما المصرية طوال تاريخها في الاستفتاء الذي أجراه المهرجان فى هذا العام,والسبب الثانى كان احتفال أديبنا الكبير بعيد ميلاده الخامس والثمانين في فترة انعقاد المهرجان حيث ولد في حي الجمالية في ١١ ديسمبر عام ١٩١١.


وأديبنا الكبير هو أول أديب مصري يتجه للكتابة للسينما وذلك في عام ١٩٤٥ عندما كتب سيناريو فيلم (عنتر وعبلة), ثم كتب سيناريو فيلم(المنتقم), والاثنان من إخراج صلاح أبو سيف,واحترف نجيب محفوظ كتابة السيناريوهات حتى وصل عدد السيناريوهات التى كتبها إلى١٢سيناريو, وقد تحولت أولى روايته لفيلم سينمائي عام ١٩٦٠ على يد صلاح أبو سيف أيضاً وكانت هى رواية (بداية ونهاية ).


ويعد نجيب محفوظ أكثر الأدباء العرب إسهاماً في مجال السينما سواء في الأفلام التي أخذت عن قصصه ورواياته, أو التي كتب لها السيناريو أو المعالجة السينمائية, ونجيب محفوظ أيضاً ارتبط ارتباطاً وظيفياً مباشراً بالسينما منذ عام ١٩٥٩ وحتى خروجه على المعاش عام ٧١ حيث عمل كرقيب على المصنفات الفنية ثم رئيس لمؤسسة السينما.


عندما سألته عن أول مرة شاهد فيها السينما في حياته, قال لى:


ـ كان ذلك في سيدنا الحسين في سينما الكلوب المصري, وهي أقدم سينما في مصر, كانت سني وقتها ٤ـ٥ سنوات وتعلقت بها, وكنت مع نهاية كل عرض أصطحب زملائي إلى شارع جعفر خلف السينما بحثاً عن الأبطال وماذا يفعلون, وقد شاهدت في تلك السينما أفلام شارلي شابلن وغيره, ومن وقتها أحببت السينما وأصبحت حريصاً على متابعتها.


قلت له إن السينما أثرت في الأدب الروائي العالمي كما أثر هو فيها فهل تستطيع أن تحدد ملامح تأثر إنتاجك الأدبي بفن السينما ؟


ـ أنت كمن يقول لي صف (مشيتك), أنا لا أستطيع ذلك لأنني لا أرى نفسي وأنا أمشي, ولكن الناس يرونني ويستطيعون أن يصفوا المشية, لاشك أننا تأثرنا بالسينما وبغيرها من الروافد الأخرى, ولو كنت قد تأثرت بها لظهر ذلك من أولى رواياتي لأنني كنت أشاهد السينما منذ طفولتي .


إلى أي مدى تأثر كاتب السيناريو نجيب محفوظ بالروائي نجيب محفوظ ؟


ـ الاثنان لا ينفصلان عن بعضهما فالسيناريست جزء من الروائي لأن السيناريو يحتاج لموهبة الحكى والوصف .


كنت دائماً حريصاً على تحويل أعمال غيرك إلى سيناريوهات نفس حرصك على تجنب تحويل أعمالك الروائية إلى سيناريوهات تكتبها أنت وكنت تترك المهمة لغيرك ما هو السبب؟


ـ أنا لا أجد الحرية في تحويل أعمالي الروائية كسيناريوهات لأنني أكون مضطراً لصياغتها مرتين, وهي مسألة صعبة جداً وأنا أشبهها بالدكتور الجراح الذي يجري الجراحات لكل الناس وعند ابنته يسلمها لجراح آخر, لأنه لا يستطيع أن يجري لها الجراحة بنفسه .


ولكن في الغرب يعتقدون أن الأديب هو أصلح من يستطيع تحويل أعماله إلى سيناريوهات والأمثلة كثيرة ؟


ـ كنت أقرأ أنهم يستغلون أسماء الأدباء أكثر من الاستفادة منهم في تحويل أعمالهم لسيناريوهات فهناك أناس متخصصون عندهم لعمل ذلك ولكن اسم الأديب يوضع للأسباب التجارية .


يلتفت الأستاذ نجيب لتلاميذه ويروي .. مرة جاء فوكنر إلى مصر وقالوا إنه يعمل على تحويل إحدى رواياته لسيناريو سينمائي, وذهب فتحي غانم لزيارته فوجده سكرانا ولا يكتب, فالذي يكتب السيناريو شخص محترف غيره.


ما هو مفهومك للعمل الرقابي فترة توليك الرقابة على المصنفات الفنية ؟


ـ بالطبع كنا لا نراقب على كيفنا ولكن هناك قانوناً للرقابة ونحن نطبقه إما بروح بوليسية وإما بروح طيبة وكنا نتعاون مع الفنانين .


هل تذكر فيلماً منعته من العرض وأنت الرقيب العام ؟


ـ منعت فيلماً أجنبياً عن(اليابان) وكان يصورهم في صورة مزرية وكانت اليابان قد حسنت علاقتها بعبدالناصر ورأيت أنه من غير المناسب عرضه, واختلف معي مدير الرقابة على الأفلام, وشكلت لجنة عليا للنظر في الفيلم فأيدت قراري بمنع عرض الفيلم.


هل وقعت في أزمة ما فترة توليك الرقابة ؟


ـ ليست أزمة ولكنها كانت هناك أغنية من ألحان عبدالوهاب لصباح في فيلم من إخراج عز الدين ذوالفقار, ووجدت أن اللحن خارج, خاصة عندما تخيلت الطريقة التي ستؤدي بها الأغنية, واشتكوني للوزير الذي شكل لجنة أبدت قراري وأقرت حذف الأغنية من الفيلم.


من من الممثلين المصريين كنت تراه أصدق تعبيراً عن شخصيات رواياتك كما كتبتها ؟


ـ يحيى شاهين في السيد عبدالجواد, رغم أنني عندما شاهدت أحمد سعيد وهو يؤدي نفس الشخصية في المسرح أقنعني جداً, وعندما اختار حسن الإمام يحيى شاهين سألته لماذا لم تختر أحمد سعيد فقال لي أحمد سعيد مظهره (وشخطته)السيد عبدالجواد ولكنه لن يقدرعلى أداء الشخصية سينمائياً, وكان الحكم للمخرج.


من من الممثلين ترى أنه ابتعد بأدائه عن الشخصية التي كتبتها في روايتك ؟


ـ لا أحد فكل الممثلين الذين عملوا في أفلام من رواياتي أجادوا, ولا أذكر أن أحداً من الذين انتقدوا هذه الأفلام قد أخذ شيئاً على أحد من الممثلين, كان فقط أغلب نقدهم عن أن هذه الأفلام شوهت عن الرواية المكتوبة .


هل أنت راض عن هذه الأفلام ؟


ـ نعم ؟


وهنا انتهى الحوار لأنني أخذت من وقت الأستاذ الذي يخصصه للاستماع والنقاش مع محبيه ومريديه أكثر من حقي بكثير فلملمت أوراقي وجلست بينهم أستمع للأستاذ.