أنال شرف الحديث عنه

08/09/2016 - 1:18:38

  محفوظ وسط شلة الحرافيش محفوظ وسط شلة الحرافيش

بقلم: حمدى الكنيسى

فى طفولتى وصباى بدأت أتعرف على نجيب محفوظ من خلال رواياته وقصصه القصيرة، إذ كنت سعيد الحظ بأن أنشأ فى أسرة تهتم بالثقافة، وكان والدى رحمه الله يعشق كتابات محفوظ، ويحتفظ فى مكتبته بكل ما يصدر من رواياته وقصصه، وعندما اكتشف حبى للقراءة وهواياتى الأدبية أدخلنى عالم نجيب محفوظ عندما نصحنى بأن أقرأ رواية “كفاح طيبة” ثم “مصر القديمة” ثم “رادوبيس” ثم “عبث الأقدار”.


وعندما دخلت مرحلة الشباب.. التقيت به مباشرة فى مناسبة لا أنساها وكانت فى “نادى القصة” عندما قدمنى رفيق رحلته الأدبية “الروائى الكبير محمد عبدالحليم عبدالله” فى إحدى الندوات كأديب شاب، وكم كانت سعادتى أن أرى فى الصفوف الأولى نجيب محفوظ ويوسف السباعى ويوسف إدريس وتضاعفت سعادتى بأول وسام أدبى أناله وهو إشادة نجيب محفوظ بقصتى وموهبتى، وكان من الطبيعى أن يصبح يوم الخميس من أهم أيام الأسبوع بالنسبة لى لأنه كان اليوم الذى يقيم فيه كاتبنا الكبير فى مقهى “ريش” ندوته ولقاءاته الحافلة بالنقاش والحوار عن أعماله وأعمال الأدباء الشبان، ولم تكن تعليقاته تخلو - كالعادة - من روح المرح والقفشات واللاذعة مع الجدية الرائعة، ولسوء حظى احتوانى عملى الإعلامى ولم أعد مواظباً على ندوة العبقرى!!


ولعلنى وجدت صعوبة فى الكتابة عنه اليوم، لأننى تغرينى حياته وإبداعاته بأن أطلق لقلمى العنان دون التزام بأى مساحة للكتابة وهذا ما لا أملكه الآن ، ومن ثم أكتفى بوقفات سريعة أمام بعض المحطات فى حياة نجيب محفوظ:


-١ أثرى نجيب محفوظ المكتبة الأدبية العربية والأجنبية بأكثر من خمس وثلاثين رواية، وما يصل إلى عشرين مجموعة قصصية وثلاثمائة مقال، إلى جانب سيناريوهات لأنجح الأفلام.


-٢ لم يشأ نجيب محفوظ أن يمارس العمل السياسى، بالرغم من أن رواياته وقصصه ومقالاته تجسد فيما تجسد فهمه العميق ورؤاه الدقيقة لكل ما يتصل بالسياسة والسياسيين، حتى لو بدت “كثرثرة فوق النيل!!”.


-٣ امتلك نجيب محفوظ الشجاعة ليعلن تأييده لمعاهدة السلام - بالرغم من حذره التقليدى - فقد أيدها وكتب أكثر من مقالة توضح أهميتها مصرياً وإنسانياً، والمعروف أن موقفه ذلك عرضه للمقاطعة العربية حيث صدرت قرارات من دول المقاطعة بعدم نشر أو تداول رواياته وقصصه ومقالاته، لكنه كان أكبر وأقوى من أية مقاطعة، فمن ذلك الذى كان يحرم نفسه من قراءة رواية أو قصة لنجيب محفوظ؟!


-٤ لا شك أن روايته “أولاد حارتنا” تحتل مكانة خاصة وهامة فى مسيرته الإبداعية لقيمتها وتداعيات نشرها،والمعروف أنه كتبها بعد فترة صمت أدبى لأنه كان قد توقف عن الكتابة بعد الثلاثية ليعود فى عام ١٩٥٩ بهذه الرواية التى تجسد “الواقعية الرمزية، والتى كانت من بين أربع روايات رشحته عن جدارة لجائزة نوبل، كما أنها كانت - للأسف - من أسباب تعرضه لمحاولة اغتيال فى ١٩٩٥ عندما طعنه شاب أخرق فى رقبته، وقد اتضح أنه لم يقرأ أولاد حارتنا ولا يعرف الكثير عن أعمال نجيب محفوظ، وكان دافعه هو ما وسوس به سلفيون واخوانيون” بتهمة أنها رواية كافرة !


كما كانت هذه الرواية محور اهتمام الزعيم عبدالناصر الذى لم يتقبل دعوات البعض لمحاكمة نجيب محفوظ بتهمة الإساءة لشخصيات دينية كبرى.


ارتبط نجيب محفوظ بمسمى “الحرافيش” ليس بسبب روايته بذلك الاسم بقدر ما كان يعنيه لقاؤه الأسبوعى فى إحدى المقاهى مع مجموعة محددة من الفنانين والمفكرين والطريف أن ذلك اللقاء بدأ باسم “ اجتماع الدائرة المشئومة” لأن مصر وقتها كانت تعيش أسوأ مناخ سياسى واجتماعى، ثم تغير الاسم إلى “الحرافيش بعد الحوار الذى دار فى أحد اللقاءات عن كتاب رفاعة الطهطاوى “تخليص الإبريز فى تلخيص باريز” حيث لاحظ الفنان أحمد مظهر ما كتبه الطهطاوى عن مقاهى باريس وكيف كان يجلس فيها “الحرافيش” وقال ضاحكا: “يعنى إحنا كده يا حضرات حرافيش” وجاء تعليق نجيب محفوظ السريع: “باعتبارك أول حرفوش، سنسجل لك حق اسمنا الجديد “الحرافيش” وكالعادة دوت الضحكات.. واشتعلت المناقشات الأدبية والفكرية.


-٦ المحطة الأخيرة فى رحلة نجيب محفوظ لم تكن وفاته التى صدمتنا بالرغم مما كنا نعرفه عن مرض الشيخوخة الذى أقعده، لكن المؤكد أنه لم يرحل عنا فهو مازال يملأ حياتنا بإبداعاته الأدبية والسينمائية!


وإن كان “التمثال” الذى أقيم له “بميدان سفنكس” أقل ما يستحقه، فإن إعادة النظر فيه أمر جدير بالاهتمام، تماما مثلما تجددت المطالب بإقامة “متحف نجيب محفوظ” فى أحد أحياء مصر القديمة التى ألهمته بأعظم الروايات ولعل ما يتردد فى هذه الأيام عن بدء العمل فى متحفه بمنطقة الحسين يكون إضافة لوفائنا لكاتبنا الكبير الذى شرفنا يوم توقف العالم ليتابع الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل، وما جاء فى كلمته الرائعة وقتها ليفتح الأبواب أمام الأدباء المصريين والعرب لينالوا حقهم من التكريم العالمى..