حوار حول الانتماء والتوازن عند نجيب محفوظ

08/09/2016 - 1:16:57

أجرته: سناء السعيد

نجيب محفوظ الإنسان المنتمى، الذى يؤمن بقيم كثيرة.. الروائى المصرى الذى أحس بوطأة التناقض بين الإيمان بالقيم الاجتماعية والميل السياسى والشك الفلسفى واللامحدودية فى التكوين الفكرى، وهى تناقضات قد يمر بها العقل أو الإنسان فى فترات الانتقال وفى الأزمات.


أما الخلاص عنده من هذا التناقض فلا يكون إلا بالانتماء والتوازن.. هناك أكثر من مدخل تنفذ به إلى عقل نجيب محفوظ.. يتحدث عن الحرية كقيمة مدلولها.. ومعطياتها.. ودلالاتها.. وثمنها.


أما الآلية فيفرضها نجيب محفوظ فى حياته أحيانا ويرتضيها أجيانا أخرى وذلك لكى يتمتع بالحرية فى النهاية.. الحرية كقيمة لا مجرد شعار.


فى الذكرى العاشرة لرحيل الروائى المصرى العظيم، والتى حلت فى الثلاثين من الشهر الماضى استدعى هنا أفكاره ورؤاه عبر لقاءتى العديدة معه.. وأتوقف هنا تحديدا عند لقاء تم معه فى إبريل ١٩٨٥ تطرقت فيه إلى الحديث عن الحرية وعن فردية الإنسان وهل ذابت أم أنها فى طريقها للذوبان، وهل قهر الفردية هو نتيجة حتمية للحكم الشمولى، وهل الديموقراطية هى وسيلة لتفرد الفردية وانتعاشها؟ فأجابنى قائلا:


(لايمكن قهر التفرد الإنسانى لأنه أساس الإنسان وركيزته. من الممكن تهدئة الفردية أو ترويضها. ولكن لايمكن قهرها بحيث تمحى كلية، فهذا أمر لايمكن أن نتصوره ونرجو إلا نراه).


ولكن هناك بالقطع فرق شاسع بين فردية الإنسان فى عالم ديموقراطى وبين فردية الإنسان فى عالم خاضع لحكومات شمولية؟


ليس هناك شك فى أن فردية الإنسان فى العالم الديموقراطى متوفرة وحية ومنتعشة ولهذا فهو لايتنازل عنها بسهولة، وأن الحكومات الشمولية تلجأ دوما إلى محاولات ترويض الفردية والحد منها، ولكن ومع ذلك قد ندهش أحيانا حينما نصطدم فى المجتمع الديموقراطى بمن يشكو بأن الفردية قد تضيع لحساب القطاع الخاص لا القطاع العام وتضيع فى المؤسسات ومن خلال الإعلانات.


ـــ مما لاشك فيه أن فردية الإنسان تحاول دوما أن تسترد ذاتها حتى لاتذاب.. ووسط هذا تبحث عن الحرية كسياج يعمقها ويؤكد وجودها. وأتساءل ما مدلول الحرية وحجمها من وجهة نظركم؟


الحرية هى جملة حريات.. حرية الفكر والعقيدة والعمل والنشاط والسياسة واختيار الحاكم وكلها ضرورية لتحقيق الذات.


ـــ ماذا عن كم الحرية الذى يعيشه الفرد فى مصر اليوم.. هل هو كم وافر وواف أم أنه لايزال يعوزه الكثير خاصة أن هناك من يرفع الشعارات، مؤكدا أن الشعب لايتمتع بحرية كاملة. ومن أجل هذا فهو قد يلجأ إلى مخالفة القانون للاستمتاع بنوع من الحرية حتى ولو كانت مغتصبة؟


لكى نجيب على هذا السؤال يجب أن نبدأ بشىء من الاستقراء لنرى ماهى مظاهر الحرية، التى استمتعنا بها أخيرا وفى هذه الفترة منذ ثورة يوليو حتى الآن وما الذى يعوزنا.. أولا لابد أن نعترف بحرية الصحافة، وأننا نتمتع اليوم بحرية لم نتمتع بها من قبل على الأقل فى فترة الثورة، فالمعارضة تقول ماتشاء، والصحف القومية تنشر مختلف الآراء.. وحتى إذا وجد انضباط أو تحفظ أحيانا فى بعض ما ينشر فى الصحف القومية فإن المعارضة تقول ما تشاء كيفما وأينما شاءت، فهذه حرية لا شك عظيمة. ومثل هذه الحرية تمارس أيضا فى مجلس الشعب. بالاضافة إلى أن الأحزاب تتحرك بحرية فتلتقى بأنصارها وتجتمع وتخطب، فهناك حرية محمودة جدا وهى حرية سياسية تشهد للديمقراطية فى مصر بأنها جادة ومعطاءة. حرية الفكر أيضا تتمتع بأبعادها ولا توجد آية رقابة فكرية على الصحف والمجلات.


ـــ هل هذا يعنى أننا وصلنا إلى حد كامل من الحرية غير المنقوصة؟


الحقيقة هناك أمور تنقص الحرية بعضها على مستوى الدولة وبعضها على مستوى الشعب، فعلى مستوى الدولة تنقصنا حرية تشكيل الأحزاب، فهى حتى الآن مقيدة، فليس فى مقدور كل كتلة متجانسة أن تكون حزبا وهو ماجعل خريطتنا الحزبية متوترة ومختلطة.. بل إن أوضح ما فيها هو من يغيب عن الصورة. هناك أمر آخر يعوز الحرية على صعيد الدولة وهو ما نراه من ممارسة الدولة لتشدد مفاجىء فى الرقابة على الفن. ولا نعرف مدى هذا التشدد ولا الكيفية التى سينتهى إليها.. ولكنه يقينا ليس فى صالح الفكر أو الابداع. وهى الرقابة التى يشكو منها التليفزيون والرقابة على المصنفات الفنية.. ومن الغريب أن يقترن هذا بحياة ديموقراطية تعيشها مصر اليوم بكل هذا النضوج والتسامح والشمول.


ـــ ربما أريد بالموجة الحالية من الرقابة احتواء نوعية معينة من الفن الهابط. وعليه قد تكون رد فعل طبيعى لموجة عارمة من الإسفاف والهبوط سادت لفترة؟


لايزال الناس يشكون من الإسفاف حتى الآن.. بمعنى أن الرقابة لم تحد من الإسفاف.. بل من المستغرب أن تحول الرقابة دون ظهور بعض الأفلام والبرامج.. وعندما يسعى الساعون إلى رفع قيد الرقابة وتعطى جواز المرور يفاجأ المرء بأن هذه الأفلام والبرامج أنقى وأروع، مما يسمح بعرضه عادة، ومما لا تعترض عليه الرقابة بداية.


ـــ المزاجية تتحكم فى المواطن المصرى، فتصرفاته توجهها مزاجية حادة قد تؤدى بصاحبها إلى اغتصاب حرية الآخرين.. هل يمكن أن يرتبط هذا بطريق أو بآخر بكم الحرية المعطى له؟


هذا يسلمنا إلى ما ينقصنا من الحرية على مستوى الشعب، فهناك موجة إرهابية تقودها فئات من الشعب ضد الفكر والفن.. وهذه الفئات رغم أنها لا تملك فى يدها سلطة إلا أن تأثيرها يكون عادة أقوى ممن يملك السلطة لأن اتهاماتها أخطر ولأنها فى النهاية ترعب المفكرين والمبدعين.


ـــ عود إلى مزاجية المواطن المصرى، التى يتحكم بواسطتها فى مصادرة حرية الآخرين، فبإمكان أى مواطن مصرى وهو لا يملك آية سلطة أن يغتصب حرية أكثر من فرد، وذلك بتجاوز القانون ومخالفته؟


القضاء على المزاجية الحادة هذه يأتى بوسيلتين.. الأولى التربية العامة كمظهر من مظاهر الحضارة، والوسيلة الأخرى هى تطبيق القانون وعدم التغاضى عنه تحت أى سبب من الأسباب.. أن لكل ظاهرة نشكو منها قانونا يعالجها ورغم ذلك لا نطبقه.. لقد أحرزنا بعض التقدم فى تجربة المرور عندما طبقنا القانون.. ويمكن أن يصدق هذا على كل مظاهر الحياة فى مجتمعنا. لا حيلة لنا إلا بهاتين الوسيلتين. فكل يسير وفق مزاجه ومن ثم فهو لا يهتم بالآخرين. وعليه يصبح الأساس كيف نحوله إلى مواطن يمارس مزاجه فى نطاق اعتبار الآخرين أو بالأحرى فى نطاق المشروعية.


ـــ الحرية الحقة تفرض على صاحبها الاضطلاع بالمسئولية والالتزام بالإيجابية؟


نعم. كما أنها تفرض على المرء متابعة الأحداث وإبداء الرأى فيها واتخاذ موقف ما فى وقت من الأوقات، فهى ليست مجرد لفظ مغر كما يتخيله حامل شعارها. واؤكد أنها يوم أن تصبح مطلباعاما حقيقيا مثل الغذاء فإننا سنصبح شعبا آخر. أن الحرية مثال منشود وحلم رائع ولكننا وللأسف لانجدها كمطلب حقيقى إلا عند قلة من الرواد.


ـــ كأرضية مهيئة أيهما أسبق ــ هل الحرية هى التى تأتى بالوعى أم أن الوعى هو الذى يأتى بها ويستدعيها؟


هذه قضية جدلية، ولكن لا شك فى أن الوعى يسبق عادة الحرية. لأن الأصل فى الإنسان عدم الحرية.. إن انبثاق الوعى بوسائل كثيرة وظروف مختلفة هو الذى جعل للحرية قيمة، وهو الذى تسبب فى ثورات لا حصر لها فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة.


ـــ معنى هذا أن ترديد شعار الحرية دون أن تسايره معانى مثل الوعى والإرادة واليقظة هو ترديد أجوف لا معنى له؟


أتفق معك وأضيف إلى ما ذكرتيه من وعى وإدراك ويقظة الممارسة والتربية.. فإذا حسب المرء أن تعليم الناس الحرية يتأتى بتكديسهم فى المدارس لحمل الشعارات وحفظها وترديدها فى الامتحان فلن يكون هؤلاء أحرار فى يوم من الأيام.. والأمر يختلف إذا كان العلم عن طريق المناقشة والحوار وفتح المجال للاختيار، فهنا ستجدين الطفل قد تربى تربية ديمقراطية وأنه تعلم الحرية.


ـــ أحيانا توجد واجهة الديمقراطية فى دولة من الدول ومع ذلك تغيب الحرية. بما تعزون ذلك؟


قد تتوافر الديموقراطية من خلال وجود المؤسسات ومجلس شعب ومجلس وزراء وفصل بين السلطات ــ ولكن إذا نظرنا إلى التربية لوجدناها تحمل ملامح النظام الديكتاتورى.. أى أن التربية، التى تتبع تكون كفيلة بتخريج المواطن الصالح فقط لدولة ديكتاتورية.. وهذا لأنها تربية تركز أساسًا على إلغاء عقله.


ـــ نجيب محفوظ الذى يتحدث عن الالتزام اتهم يوما بأنه خارج المنبع الرئيسى للحياة، وبأنكم لا تعايشون وجدان الجماهير؟


ماهو هذا المنبع الذى تقصدين؟


ـــ مخاطبة وجدان الجماهير.


إن من ينتج أدبا مثلى لابد أن يكون مخاطبا لوجدان الجماهير خاصة إذا تحول إنتاجه إلى أفلام وتليفزيون.. هذا من ناحية ـ ومن ناحية أخرى اتفق معك إذا عنيت بالاتهام المشاركة العملية، فأنا فى هذا بعيد عن الجماهير.. وهذه مسألة تعود إلى استعدادى، فأنا قد أناصر نظريا بالرأى والرؤية.. أما عمليا فلا أستطيع أن أناصر.. لا لشىء إلا لأننى أصلا لا أملك الاستعداد.. وهناك فارق بين هذا وبين أن يكون لدى استعداد فطرى وأرفض المناصرة عمليًا.. بإيجاز أنا إنسان لا أملك استعداد المشاركة العملية.


ـــ ربما كان هذا محض اتهام سبق لشخصكم فى فترة من الفترات. ولكنكم ما لبثتم أن شاركتم بفاعلية عندما جمعتم إلى جانب النتاج الأدبى كتابة المقال السياسى وإبداء وجهات النظر فى كل ما يعني للمجتمع من قضايا؟


اشتغال الأديب بالسياسة ليس له علاقة بالأدب وإنما له علاقة بظروفه.. وأنا أن كتبت المقالة السياسية يوما فإننى لم أخترها وإنما اقترحت على فاستجبت.. وإذا نظرت إليها اليوم لرأيت أنها كانت تعبر عن المنطق.. وأعتقد أن العمل الفنى أعمق وأشمل فى التعبير عن صاحبه من المقالة المنطقية.. لأن المنطق جزء من الإنسان أما الفن فيعبر عنه كله.. عقله ومنطقه وما ليس من المنطق، فهو يكشف عنه بصورة أعمق وأشمل وأقوى.