نجيب محفوظ خارج الخدمة التعليمية

08/09/2016 - 1:14:42

 ايمان رسلان ايمان رسلان

بقلم- ايمان رسلان

نجيب محفوظ اسمه يعرفه التلاميذ والطلاب بالمدارس قد يكون بسبب أن اسمه مذكور باعتباره الأديب المصرى الوحيد الفائز بجائزة نوبل، وقد يكون “وتتعوفوا” فى بعض دروس القراءة اسماء لعناوين لروايات نجيب محفوظ.


هذا عن اسم نجيب محفوظ؟ ولكن من هو نجيب محفوظ؟ ولماذا فاز بنوبل؟ وما هى سيرة حياته تفصيلا ؟ لا أعتقد أن مناهجنا الدراسية فى اللغة العربية قد اهتمت سواء فى حياة نجيب محفوظ أو حتى بعد وفاته بأن يدرس الطلاب .


وهنا تحضرنى قصة ومعلومة حضرتها بنفسى وهى أنه بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨، وفى أوائل التسعينيات تحديداً ثم دراسة أمرين أن تقرر على طلاب الإعداية- قصة كفاح طيبة، وكان ذلك فى عهد وزير التعليم المستنير والطبيب د. حسين كامل بهاء الدين ولكن لم تستمر القصة طويلاوالغيب بعدها ولا اعرف عادت آخري هذا تماماً ما تحدث عنه لماذا لا يعرف طلابنا فى المدارس أسماء الأداب والشعراء والمثقفين المعاصرين ويدرسون أعمالهم التى تناسب المراحل السنية للطلاب.. لماذا يدرس الطلاب نماذج من الشعر الجاهلى وشعر الهجاء والمديح ويسمعون عن المعلقات، وكل هذا جميل وهام أن يعرفه الطلاب والأفضل بالتأكيد أن يدرسوه بشكل ما، مع ترك التخصص العلمى الدقيق وتحليل البلاغة وغيرها إلى المرحلة الجامعية المتخصصة.


لماذا لا يعرف طلابنا كثيراًً عن صلاح عبدالصبور وحتى صلاح جاهين ولن أقول محمود درويش وآخرين.


لماذا لا يدرس بجانب رواية د.طه حسين الأيام كفاح طيبة رغم أن بها تاريخ أيضا، وقد تقرب الرواية التاريخ المصرى القديم الأنرهان الطلاب بدلاً من العناوين بلا مضمون كما فى كتب الدراسات الاجتماعية التى يدرسها طلابنا.


وبما أننا فى حصة المناهج التعليمية سوف أروى تجربة معاصرة يعيشها طلاب المدارس الدولية والشهادات الأجنبية فى مصر لا سيما المدارس الفرنسية والألمانية.


ففى حصص اللغة العربية وهي غير لحصص أكثر تدرس مناهجنا المقررة من وزارة التربية والتعليم


وإنما حصص اللغة العربية الحقيقية يقرأ الطلاب “توفيق الحكيم” ويتناقشون فى أعماله بل إن منهج اللغة العربية فى هذه المدارس الدولية مقسم إلى عدة اجزاء وفى “حصة” الأدب يعرف هؤلاء اسم نجيب محفوظ جيداً ويتعرفون على أسماء أهم أعماله، وفى أحيان كثيرة رغم انها قد لا تكون ضمن المقرر الدارسى يطلب قراءة بعض الأعمال له، ويتم مناقشة هذا العمل اذا أقترح الطلاب ذلك، فليس هناك ما يمنع من القراءة والمناقشة لأن حصة الأدب ليست المنهج المقرر والقصته التاريخية فقط ولكنها أيضا حصة للأدب بعضها قد يكون تاريخياً كما يحدث فى سنوات دراسية وبعضها أو أغلبها للأدب المعاصر فى العصر الحديث.


وهنا تحضرنى واقعة أن ابنى جاءنى يوماً منذ سنوات وأعتقد أنه كان فى بداية المرحلة الثانوية ليطلب رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وأحضرتها له لأنها ومازالت أحب أعمال محفوظ إلى عقلى، لأننا بها من الفلسفة والرؤية والسرد ما يجعلها رواية متفردة بحق فى أدبنا الحديث تماماً كما أحببت فى مرحلة متأخرة أحلام فترة النقاهة لما بها من عمق ورؤى فكرية قد تتفوق احياناً على القصص القصيرة لتشيكوف على روعة هذا الأديب الذى لا تموت قصصه أبداً قرأ ابنى وبعض زملائه الرواية، اندهش للغاية منها ومن أسلوبها، بل ومن الرمزية والوضوح بها واستعجب أن تكون الرواية “العبقرية” كما وصفها كتبت فى نهاية الخمسينيات، وعندما ذهب هو وزملاؤه للمدرس دار حوار أدبى وعقلى وفلسفى وحضارى حول الرواية وحكى لهم مدرس الأدب، كان “غير مصرى” الوقائع المصاحبة التى حدثت عند إصدار الرواية مسلسلة فى الأهرام وموقف الأزهر والمتشددين وموقف نجيب محفوظ أيضا منها.


على العكس تفهم الطلاب الرواية وما حدث حولها ولم يفقد أى منهم إيمانه بالله وأن يخرج عن الدين.


هكذا سمح لهم نظام التعليم الأجنبي والمدرس ذو الأصول التونسية وبعدها ذو الأصول اللبنانية والسورية للطلاب أن يقرأوا ويستوعبوا ويتحاوروا وهذا هو الأهم بدون خطوط حمراء أو عيب أو خروج من الملة ؟!


فى حين أن القصة المقررة على تلاميد المدارس وأغلبها فى السنوات الماضية الأسماء مجهولة وبعضها موغل فى سرد التاريخ القديم.


وأغلبها قصص دينية وليس هناك مانع على الأطلاق من ذلك ولكن لماذا لا يدرس الأدب المعاصر بجانب القديم أو من إنتاج السلف الصالح الذين نجلهم ونجل أعمالهم لماذا لا يمتد الأمر لنهايته فيدرس الطلاب ما يدور حولهم فى عصر يعيشوا الى حد ما أدواته ومفردات لغته كما حدث معنا وعن تلاميذ من أكثر من ثلاثين عاماً.


أذكر أن أول علاقة لى بنجيب محفوظ كانت أيضاً فى بداية المرحلة الثانوية وطلب منا مجموعة من الأصدقاء قراءة رواية “الحب تحت المطر” ثم نجرى نقاشاً حولها وكان ذلك فى أواخر السبعينيات وأوائل الثماننات.


كانت الرواية تحديداً والأدب عموماً هو الباب الحقيقى للمناقشات والحوار سواء التاريخية أو الفلسفية والأوضاع الاجتماعية، وساهمت الرواية ثم بعد ذلك الأفلام والمسسلات فى خلق وعى جديد للشباب سواء عن طريق حب تحت المطر لنجيب محفوظ أو توفيق الحكيم وحماره، ويوميات نائب فى الأرياف حتى أن عبدالناصر نفسه قال إن هذه الرواية قد ساهمت فى تشكيل وجدانه فى وقت مبكر وعرفته على حقيقة الأوضاع التى يعانى منها المصريون فى ذلك الزمان والتى لا أعتقد رغم مرور ما يقرب من قرن أنها أصبحت علي النقيض تماماً، مما في الرواية نعم حدث تحسن فى الريف المصرى ولكن مازال تحسدن طفيفا لا يناسب مرور ما يقرب ١٠٠ عام على صدور الرواية تماما كما فى تدريس نجيب محفوظ سرد ورصد حقيقى للواقع المصرى فى الحارة والشارع والمجتمع وإذا درسهم الطلاب أو حتى تم قراءته بعيداً عن المقرر سوف يطلع على الأحوال ويعقد المقارنات بين الواقع فى ذلك الوقت وبين الحياة التى يعيشها الآن .


وأعتقد أن ذلك هجوما لا يريده تعليمنا فى أن يتعرف الطالب من خلال الرواية حتى لو كانت لأديب نوبل من كفاح طيبة مروراً بثرثرة فوق النيل وحتى رواية قشتمر أحلام وفترة النقاهة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية التى تمر بها بلاده.


هم يريدون فقط أن يدرسوا القصة المقررة، وغالباً هى قصة فى التاريخ القديم “ليس التاريخ الفرعونى” وإنما فى مرحلة فقط من التاريخ المصرى رغم أنه تاريخ قديم يعود إلى أكثر من ٧ آلاف عام كما هو معروف.


على الرغم من طلابنا يعرفوا أن كليوباترا والفراعنة أكثر مما درسوه في المناهم من مجرد وجود فيلم اسمه كليوباترا للممثلة العالمية اليزابيت تايلور، تماما كما عرفوا صلاح الدين الأيوبى وهزيمته للصليبين من فيلم صلاح الدين ليوسف شاهين حتى قصة وإسلاماه عرفها أكثر الطلاب من فيلم لبنى عبدالعزيز وإنت فين يا جهاد وهو أيضاً ما ينطبق على كاتبنا الكبير نجيب محفوظ خاصة أن جزءا كبيراً من رواياته تحول إلى أفلام سينمائية بل هو نفسه كتب سيناريوهات لعدة أفلام .


هنا إذا كنا نريد لطلابنا معرفة نجيب محفوظ بل ومعرفة التاريخ والأحوال علينا تدريس هذه الروايات أو حتى مشاهدة الأفلام لأنها سوف تخلق بعد ذلك طلبا على الرواية الأصلية.. هذا هو التعليم خاصة فى مناهج اللغة العربية التى للأسف تقع فى أعلى مرتبة لايحبها الطلاب المصريون كمادة دراسية وجميع الأوائل فى الثانوية العامة على مر السنوات كنت أسألهم هذا السؤال، فكانت الإجابة أن أكثر مادة لا يحبوهنا هى اللغة العربية والمناهج الدراسية التى تقرر عليهم من وزارة التربية والتعليم.


مع أن نفس الشباب أو الطلاب فى نوع آخر من التعليم بل وعلى نفس الأراضي المصرية يحب اللغة العربية بل ويأخذها كلغة أساسية بجانب اللغة الأجنبية بفضل المناهج الدراسيةوشرح المعلمين و التى تعرفوا من خلالها على نجيب محفوظ .


فهل ستكون أحلامنا في فترة ما بعد القرن العشرين ان نطالب بثورة شاملة فى مناهج اللغة العربية حتي لا تؤدى إلى كره اللغة العربية نفسها.