نجيب محفوظ.. بالذات!

08/09/2016 - 1:11:34

بقلم: سليمان عبد العظيم

مرت بي شخصيات كثيرة خلال عملي الصحفي الذي يزيد على ٣٠ عاماً.. شخصيات أثرت فينا جميعاً، بعضها سحرنا تماماً، وبعضها ندمنا على مُجرد معرفته، وبعضها أثار فينا دهشة ظلت مُشتعلة طوال الوقت.. وتبقى شخصية محفوظ شديدة الخُصوصية.. تستوقفك فوراً، لاسيما لو كانت لديك عينان فاحصتان كعيني الصحفي، فوراً ستعرف أنك أمام شخص مُختلف .. لا تندرج تحت الأنواع التي ذكرتها، حتى (النوع الساحر)، تشعر بخليط من الأشياء حين ترى محفوظ، أشياء تستوقفك وتدخلك في حالة تأمل!.


كان هُنا قبل ١٥ عاماً، تحديداً في الباخرة «فرح بوت»، ذلك المكان الذي كان محفوظ يعقد فيه ندوته الأسبوعية مع الحرافيش منذ منتصف التسعينيات، ذهبت إليه مدعواً من رجل الأعمال محمد أبو العينين، في ذلك التوقيت كان أبو العينين قد أشترى (فرح بوت) من رجل الأعمال الدكتور إبراهيم كامل.. كان أبو العينين رئيس لجنة الصناعة بمجلس الشعب قد دعا عدداً من المحررين البرلمانيين ونواب البرلمان لكي يلتقوا بصاحب «نوبل».. وكان اللقاء قبل حوالي ١٥ عاماً من الآن..!.


تابعت محفوظ وهو يرد على أسئلة النواب.. رحب الأفق، ذو قدرة خاصة على الابتسام، وقدرة أكثر خصوصية على استيعاب ثقافة الآخر.. وقدرة أخص على الرد على تساؤلاتهم.


دار في ذهني أن نوعية النواب التي يتكلم معهم محفوظ في تلك اللحظة، ليست هي نفس النوعية التي عرفها وشجعها وانتجها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت أقصد بالتأكيد نواب «الوفد» في أفضل مراحله التاريخية، ولكن محفوظ تعامل معهم بـ»أريحية» واضحة، قافزا فوق ٥٠ عاماً من الاختلاف التاريخي والثقافي والعقلي.


دار في ذهني أيضاً أن هذا الرجل في تلك اللحظة، كان يقترب من التسعين عاماً.. مُتخطياً ليس فقط حواجز الثقافة والتاريخ بينه وبين هؤلاء النواب، بل مُتخطياً للسن التي كانت كفيلة بإسكاته تماماً.. لكن محفوظ هو الذي أسكت السن، ضارباً عرض الحائط بأعراض الشيخوخة التي وإن بدت جلية على وجهه، لكنها كانت بعيدة تماماً عن عقله وأفكاره وأسلوبه في التعبير.


نجيب محفوظ- إذن- شخصية مُختلفة، تُجبرك على التأمل، والصمت، والاستماع، والتعلم.. كأنك تستمع إلى أعظم معلميك.. الأهم، أنك تشعر بأن أباك موجود بالفعل في المشهد: فنجيب محفوظ كان وحده الباقي من جيل آبائنا.. الحقيقة أن محفوظ ينتمي إلى نفس جيل والدي رحمه الله عليه، أبي كان مولوداً في سنة ١٩٠٧، ومحفوظ مولود في ١٩١١، إنه هذا الجيل الذي شاهد ثورة ١٩١٩ وهو في سن الطفولة، وشب وكبر في ظل ليبرالية الوفد، والأهم.. أن هذا هو الجيل الذي تبلورت فيه الشخصية المصرية، بكل قيمها النبيلة، وتركزت فيه أفضل مفاهيم الثقافة المصرية.


أذكر أنني وأبى رحمه الله عليه كنا في «مشوار عائلى» عند مجمع التحرير، وكان ذلك في مطلع الثمانينيات.. التفت أبي إلى الجهة الشرقية من الميدان.. حيث كافتيريا «على بابا».. قال لي بعفوية: نجيب محفوظ بتاع «سى السيد» بيقعد هنا كل يوم! لم أندهش لأن والدي كان يعرف المعلومة، فهو وإن كان قد كبر في السن؛ إلا أنه ذكي ولماح وسريع البديهة، لكنني اندهشت من الحفاوة التي ذكر بها أبي واقعة جلوس نجيب محفوظ كل يوم في هذا المكان..!، تذكرت أنهما من جيل واحد، تربى على قيم واحدة!.


نجيب محفوظ – بالذات - كانت فيه روح الأب.. جيلنا والأجيال التي سبقتنا وأجيال جاءت بعدنا.. تعلمت منه فن الرواية، وفن القصة القصيرة، وتعلمت منه كيف يبني الإنسان ثقافته، ويكّون تفكيره، ويشكل شخصيته، ويصل إلى (العالمية) برغم إغراقه في المحلية.. فيحصل على (نوبل) دون أن يسعى إليها بل دون أن يفكر فيها.. مجرد تفكير!.


نجيب محفوظ – بالذات – كانت فيه روح الأب.. الذي تلتئم حوله المجالس بانتظام في كل أسبوع، بالطبع لم يسعدني زماني وأجلس وسط شلة «الحرافيش» – وإن كنت أعرف معظم أعضائها إن لم أكن أعرفهم جميعاً.. وبعضهم أعرفه بصورة شخصية – ولكنني أتصور أن نجيب محفوظ كان لديهم بمثابة الأب.. صحيح أن فارق السن بينه وبينهم محدود.. لكنه الأب في المعنى، وفي الدور، وفي المقام!.


نجيب محفوظ – بالذات – هو أهم من نحت شخصية (الأب).. سي السيد أحمد عبد الجواد، القاسي الحنون في آن واحد في الثلاثية، تلك الشخصية التي لا تزال من أشهر شخصيات الأدب العربي، وبها بدأ الأدب العربي تطوره كما اتفق النقاد وأكدوت!.


بعد عشر سنوات من رحيل نجيب محفوظ تجد روحه متجددة، نفتقدها كثيراً.. نفتقد ابتسامته، ضحكته، كلامه، أسلوبه في الكلام، شخصيته، حضوره، أفكاره، ثقافته، وقبل هذا كله.. نفتقد كتاباته!.


نجيب محفوظ – بالذات – واحد من قلة محدودة من الأسماء التي نفتقدها، فافتقادهم واجب على كل مثقف وطني!.