الحوار الأخير : لا أرى .. لا أسمع .. لا أتكلم

08/09/2016 - 1:09:56

بقلم: عادل سعد

كنت محظوظا بالجلوس مع الأستاذ نجيب محفوظ عدة مرات،لإجراء حوارات صحفية لمجلة الكواكب، نعم للكواكب، ويواعدنى دائما فى السابعة صباحا،على كافتيريا "على بابا" بميدان التحرير،وهذا معناه أن أصحو فى الخامسة والنصف لأصل من الهرم.


أحيانا كنت أدخل الكافتيريا قبل الموعد بربع أو نصف ساعة، لكن الأستاذ لا يرانى،لأنه يتعامل مع الزمن بصرامة،من السادسة إلى السادسة والنصف سيرا على الأقدام من البيت مرورا على كورنيش النيل للوصول لميدان التحرير،ومن السادسة والنصف حتى السابعة فنجان القهوة وقراءة الصحف،وكل ساعة كاملة يشعل سيجارة واحدة،وهكذا فإن وصولى لن يغير عاداته،وهو لن يرى أحدا،حتى تدق السابعة ،وينظر فى ساعته ويزيح الجرائد،ويتلفت حوله مبتسما وعندما يرانى يقف ليصافحنى لنبدأ الحوار.


تعرض الأستاذ لطعنة مميتة بسكين صدئة على يد نقاش أحمق يدعى محمد ناجى وأنقذوا حياته فى مستشفى الشرطة ،وظل طوال الوقت يقول إنه لا يوافق على إعدام المعتدى،حتى بعد تنفيذ الحكم.


قال الإرهابى الذى لم يتجاوز العشرين فى التحقيقات أنه لم يقرأ سطرا للأستاذ نجيب وأن فتوى صدرت من د. مزروعة ود.عمر هاشم وعبد الآخر حماد وعمر عبد الرحمن بتكفيره ،وضرورة قتله.


نفى د.عمر هاشم علاقته بالتحريض،وبحثت عن عبد الآخر حماد وهو أحد قيادات الجماعة الإسلامية المعتدلين فأقسم بأنه لم يفعل.


آخر حوار صحفى أجراه الأستاذ نجيب محفوظ فى حياته قبل رحيله عن الدنيا بأسبوع وكان من نصيبى،وكان عنوانه : " لا أسمع .. لا أرى .. لا أتكلم "


كنت قد قررت الاتصال بالأستاذ فى عصر أحد الأيام بعد أن ترددت أنباء عن تدهور صحته .


فوجئت بأن الأستاذ الكبير يجيب على الهاتف بنفسه،استفسرت عن صحته وعن أحواله،وقلت مازحا : "ماشاء الله أنت بخير .. أنا سأطمع فى إجراء حوار صحفى معك" فقال : " أنا موافق " فوجئت بالرد ودارت رأسي وقلت للأستاذ: "حوار لجريدة الاتحاد" فقال: "نعم " قلت : " والموعد ؟ " قال : " غدا في الخامسة عصرا" قلت : " أين ؟ " قال : " في البيت .. بجوار كافتيريا نعمة " وأغلقت التليفون مذعورا.


قبل أن أفيق تناولت السماعة مرة أخرى،وقلت : "أستاذ نجيب هذا الحوار لجريدة الاتحاد الإماراتية" قال : " أعرفها جيدا .. وفى انتظارك"


فى الخامسة بالدقيقة كنت أدق جرس باب الشقة بالدور الأرضي كان هناك أحد الحرس،وفوجئت بأن الأستاذ يفتح الباب بنفسه.


كان يرتدى الروب ويده ترتعش وكل ما فيه ينتفض وهو يقول : " أهلا وسهلا .. تفضل "


حاولت أن أبدى هلعى وامتنانى لاستقبال الأستاذ،وهو يتحرك بصعوبة ،لكنه قادنى لغرفة المعيشة،وأشعل الضوء وقعد ثم قام ليسأل : " تشرب أيه ؟"


كان نجيب محفوظ يقف أمامى بكل أدبه العظيم،وحاولت التهرب بلا جدوى حتى طلبت شايا ليستريح.


وكان حوارا ممتعا،مع هذا الرجل،الذى ظل وفيا لسعد زغلول ومباديء حزب الوفد وتداول السلطة،ووقتها طرحت عليه سؤالا ، عن موقفه من فصل على سالم من اتحاد الكتاب بعد زيارته لإسرائيل.


قال نجيب محفوظ : هذا لا يليق، على سالم يستحق مثل غيره،عند ارتكاب مخالفة أو مايراه الأعضاء مخالفة،أن يستدعى للمناقشة،لكن الاتحاد أصدر قرارا بفصله،وهذا تعسف،كانت نتيجته أن على سالم أقام دعوى قضائية مستعجلة ضد الاتحاد لإلغاء قرار إسقاط العضوية،وبمجرد فوزه بالقضية وعودته كعضو بالاتحاد بحكم القضاء قدم استقالته فى اليوم التالى.


سألت الأستاذ نجيب : هل صحيح أن كتبك تباع فى إسرائيل؟


قال: صحيح وأنا لم أطلب والجامعة الأمريكية تتولى توزيع أعمالى.


قلت: هذا يعرضك للمقاطعة العربية .


قال : الأخوة العرب ينشرون كتبي ويبيعونها بلا أي مقابل أوحقوق ،والغريب أن إسرائيل لا تفعل ذلك.


قلت: ولماذا لا تشكو ؟


قال : شكونا كثيرا للجامعة العربية ولوزراء الثقافة العرب ومعظمهم أصدقاؤنا لكن بلا جدوى .


قلت : هل صحيح أنك كنت تستضيف مثقفين إسرائيليين هنا فى بيتك ؟


قال : نعم .


قلت : كيف هذا يخالف جموع المثقفين ؟


قال : هذا رأيي ،وإذا كان هناك إنسان مصرى آخر يرى مقاطعتهم فهذا رأيه،نحن للأسف لا نؤمن بثقافة الاختلاف.


قلت : هل ذلك ما زال مستمرا ؟


قال : لا .. أنا وافقت على استضافة هؤلاء الناس فى بيتي فى زمن إسحق رابين،وكانت الأرض ممهدة للسلام،والدعوة للتطبيع قائمة،ولا يوجد سلام بدون تطبيع،وكنت أرى ان هناك تطبيعا يجب أن يتم بين الجانبين طالما أن إسرائيل ستلتزم بإعادة الحقوق لأصحابها فلماذا لا نحترم ذلك ؟


قلت : وماذا جرى بعدها ؟


قال : قتلوا رابين وتراجعوا عن وعودهم وصعدت الصقور مكان الحمائم وبدأت المذابح ضد الفلسطينيين والعرب فأغلقت الباب فى وجوههم .


قلت : ماذا أضافت نوبل لنجيب محفوظ ؟


قال : نوبل نقمة،كنت أستمع يوميا إلى ثومة وكنت أتجول يوميا على النيل،الآن أقرأ بصعوبة وأكتب بصعوبة بالغة وبمساعدات،تقريبا لا أرى .. ولا أسمع .. ولا أتكلم .. فهل هذه حياة ؟


رحم الله الأستاذ الكبير .