حوارات مجلة «دى باريس ريفيو» كشفت الجانب الآخر من حياته «مجنون» حىّ العجوزة!

08/09/2016 - 1:05:13

بقلم: محمود عبد الدايم

«هو الآن فى الثمانين، يعيش فى حى العجوزة فى القاهرة مع زوجته وابنتيه، يتجنب الظهور، ويتجنب بصفة خاصة الأسئلة التى تتناول حياهةالشخصية، فذلك قد يصبح - على حد قوله- «موضوعا سخيفا فى الصحف والبرامج الإذاعية».


ما سبق كتبته تشارلوت الشبراوي، فى مقدمة حوارها المنشور مع الكاتب الراحل، نجيب محفوظ، فى صيف العام ١٩٩٢، بمجلة «دى باريس ريفيو» التى تأسست سنة ١٩٥٣ على أيدى كل من هارولد هيومز وبيتر ماتيسين وجورج بلمتون (الذى رأس تحريرها حتى وفاته سنة ٢٠٠٣)، وهو الحوار ذاته الذى ضمه الكاتب أحمد الشافعى لكتابه الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب، والذى حمل اسم «بيت حافل بالمجانين»: حوارات «باريس فيو» .


«تشارلوت» أشارت فى المقدمة ذاتها إلى أن نجيب محفوظ، يعتبر أن حافظ نجيب- اللص الشهير والسجين الذى دوخ الشرطة وألف اثنتين وعشرين رواية بوليسية- هو صاحب أول تأثير أدبى عليه، وقالت « كان نجيب محفوظ ابن عشر سنوات فحسب حينما قرأ رواية «بن جونسن» لحافظ نجيب بتوصية من أحد زملائه فى المدرسة الابتدائية، فكانت تلك - فيما يعترف نجيب محفوظ- تجربة غيرت حياته كلها.


فى السابعة تماما.. وفى عدد من أيام الخميس، كانت المحاورة «تشارلوت» تجلس على مقعد إلى يسار «محفوظ» على مقربة من أذنه السليمة، لتحاوره، وهى لقاءات قالت عنها «محفوظ على المستوى الشخصى متحفظ إلى حد ما، ولكنه دائما صريح ومباشر، يضحك كثيرا ويرتدى بذلة زرقاء عتيقة الطراز، يغلق جميع أزرارها. يدخن ويحب القهوة مُرة.


الأدب لم يكن الباب الوحيد الذى طرقته «المحاورة»، فالسياسة هى الأخرى كانت حاضرة - وبقوة- حيث رد «أديب نوبل» على سؤالها حول وجود تقدم نحو الديمقراطية والحرية قد تحقق منذ زمن ناصر والسادات، بقوله: طبعا.. ما من شك فى ذلك، فى زمن ناصر كان المرء يخاف من الحوائط. كان الكل خائفين، كنا نجلس فى المقاهى والخوف يمنعنا من الكلام، كنا نخشى الكلام حتى فى بيوتنا، كنت أخاف أن أكلم ابنتى عن شيء حدث قبل الثورة فتذهبا بعد ذلك إلى المدرسة لتقولا ما يساء تفسيره. أما السادات جعلنا نشعر بمزيد من الأمن، وحسنى مبارك؟ دستوره غير ديمقراطى، ولكنه هو ديمقراطى، نستطيع الآن أن نقول رأينا. الصحافة حرة. نستطيع أن نجلس فى بيوتنا ونرفع أصواتنا كما لو كنا فى إنجلترا، ولكن الدستور بحاجة إلى تعديل.


الديمقراطية «المنقوصة» التى تحدث عنها «محفوظ» - وقتها، عندما سألته المحاورة عن مدى جاهزية الشعب المصرى لتقبلها كاملة، أجاب عليها قائلا: «أغلب الناس فى مصر اليوم مشغولون بلقمة العيش، بعض المتعلمين فحسب هم الذين يفهمون كيف تعمل الديمقراطية، ما من شخص يعول أسرة لديه ولو لحظة ليتناقش فى الديمقراطية».


انتقلت المحاورة بعد ذلك إلى «التدين» فى حياة أديب «نوبل»، حيث سألته «هل كنت متدينا فى طفولتك؟.. وهل كنت تذهب مع أبيك إلى المسجد كل جمعة؟، ليجيبها «محفوظ» بقوله: كنت متدينا بصورة خاصة وأنا صغير، ولكن أبى لم يكن يضغط على للذهاب لصلاة الجمعة، برغم أنه كان يذهب كل أسبوع، فيما بعد بدأت أشعر بشدة بأن التدين ينبغى أن يكون منفتحا، وأن الدين منغلق العقل- اللعنة، يبدو لى الانشغال المفرط بالدين ملاذا أخيرا يلوذ به الناس حينما تنهكهم الحياة، إننى أعتبر الدين بالغ الأهمية، ولكنه قد يكون خطرا أيضا، فلو أردت التأثير فى الناس وتحريكهم، فإنك تبحثين عن نقطة حساسة، وليس فى مصر شيء يؤثر فى الناس ويحركهم أكثر من الدين، ما الذى يجعل الفلاح يعمل؟ الدين. ولهذا السبب، ينبغى تفسير الدين بطريقة منفتحة، ينبغى أن يتكلم فى الحب والإنسانية، الدين مرتبط بالتقدم والحضارة، لا بالعواطف وحسب، ولكن تفسيرات الدين اليوم للأسف غالبا ما تكون متخلفة ومناقضة لاحتياجات الحضارة.


وعندما وصل قطار الحوار إلى محطة «جائزة نوبل»، قال «محفوظ»: كانت زوجتى ترى أننى أستحقها، ولكننى كنت دائما أشك أن نوبل جائزة غربية، وكنت أظن أنهم لن يختاروا أبدا كاتبا شرقيا، ومع ذلك كانت هناك شائعات وكان الكاتبان العربيان المرشحان هما يوسف إدريس وأدونيس، ويوم إعلان النتيجة كنت فى الأهرام فى ذلك الصباح، ولو كنت بقيت هناك نصف ساعة إضافية لا أكثر لكنت عرفت على الفور، ولكننى ذهبت إلى البيت وتناولت الغداء، وجاء الخبر إلى الأهرام من وكالات الأنباءء واتصلوا بى فى البيت. أيقظتنى زوجتى لتخبرنى، ولكننى ظننت أنها تمزح، وأردت أن أكمل نومى، ثم قالت لى إن الأهرام على التليفون. تناولت السماعة لأجد شخصا يقول لى مبروك. ذلك الشخص كان الأستاذ محمد باشا - مدير تحرير الأهرام آنذاك- وكان باشا يمازحنى أحيانا، فلم أتعامل مع كلامه بجدية، خرجت إلى صالة البيت بالبجامة، فلم أكد أجلس حتى رن جرس الباب، ودخل شخص تصورت أنه صحفي، ثم تبين لى أنه السفير السويدي! فاستأذنت منه لكى أبدل ملابسي.. وهذا ما حصل.


وقبل نهاية الحوار، لم تجد المحاورة أفضل من سؤال «كيف تصف نفسك؟» لتوجهه إلى «محفوظ، الذى قال: «شخص يحب الأدب، شخص يؤمن بعمله ويخلص له. شخص يحب عمله أكثر مما يحب المال أو الشهرة، طبعا لو جاء المال والشهرة فأهلا بهما وسهلا، ولكنهما لم يكونا قط هدفى، لأننى أحب الكتابة أكثثر من أى شيء آخر، قد يكون هذا ضارا ولكنى أشعر أنه بدون الأدب لا معنى للحياة، قد يكون لدى أصدقاء جيدون، رحلات، رفاهية، ولكن بغير الأدب كانت حياتى ستكون بؤسا كاملا، هذا شيء غريب، ولكنه ليس كذلك فعلا، فأغلب الكتاب كذلك، ولا وأعنى بذلك أننى لم أفعل فى حياتى غير الكتابة، أنا متزوج وعندى ابنتان، وبعد أن أصابتنى تلك الحساسية فى عينى منذ عام ١٩٣٥ صرت أمتنع عن القراءة والكتابة طوال الصيف، ففرض هذا شيئا من التوازن على حياتى، توازن من عند الله، صرت أعيش فى كل عام ثلاثة أشهر حياة رجل عادى لا علاقة له بالكتابة، فى هذه الشهور أقابل أصحابى وأبقى ساهرا خارج البيت حتى الصباح.. أفلم أعش؟.