قبلة أسترالية على خد نجيب محفوظ !

08/09/2016 - 1:03:24

بقلم: حمدى رزق

وهاتفنى من «سيدنى» صديقى فى المهجر الصحفى اللبنانى أنيس غانم، رئيس تحرير صحيفة «التلغراف» الأسترالية، الناطقة بالعربية، يخبرنى بقدوم شاعرة أسترالية عظيمة القيمة إلى القاهرة، وتتمنى لقاء الأستاذ نجيب محفوظ، وتحمل معها قصيدة كتبتها خصيصا بمناسية حصوله على جائزة نوبل، وكل أمنيتها أن تجلس إليه وتلقى قصيدتها بين يديه.


التقيت الشاعرة الأسترالية المعروفة ” أن فيربيرن « فى شقتها بشارع حسن صبرى بالزمالك ”.. امرأة كهلة، مديدة القامة, واسعة العينين، تتدفق حيوية ونشاطا، وتتحدث بلباقة دافقة، ولديها دراية واضحة بتاريخ ” الأدب العربى، شعره ونثره « مع عطفة تخصصية فى أدب « وادى الرافدين ” قديمه وحديثه.


وتعد فى بلادها جسر عبور الأدب العربى إلى المهجر عبر ترجمات لعديد من شعراء العراق والشام ومصر، والتقتها أخيرا الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت عند زيارتها إلى سيدنى، وتحل ” أن فيربيرن « ضيفا عزيزا على المهرجات الثقافية العربية فى المهجر وسافرت إلى العراق والشام وخبرت أدبهما، وظلت لديها أمنية أن تأتى إلى القاهرة للقاء أمير الرواية العربية نجيب محفوظ.


أسرت «أن فيربيرن» لشخصى أنها حلمت بهذا الأديب الخرافى وحدثها وسمعت منه فى الحلم، وتحمل معها قصيدة وهدية، أما القصيدة فهى «حديقتان بالقاهرة»، توفرت عليها بشحنة إعجاب يوم أعلن فوزه بجائزة نوبل، وهى القصيدة التى تغنت بها طويلا، وكانت تلقيها فى كل محفل للأدب العربى فى المهجر باعتبارها أيقونتها الخالدة، ويطلبها منها إلقاء بعربيتها اللطيفة أدباء المهجر وسفراء العرب، وكانت فى كل مرة تناجى طيف هذا العظيم وتحلق بقصيدتها تطلب اللقاء.


القصيدة منشورة فى صحيفة «أخبار الأدب»، سلمتها أمانة إلى الراحل الجميل جمال الغيطانى، لينشرها قاهريا بترجمتها شخصيا، كانت كتبتها بالإنجليزية وترجمتها، ونشرها أنيس غانم فى «التلغراف» مع إشارة لاحتضان صحيفة «أخبار الأدب»، الذائعة الصيت فى العالم العربى، لأبياتها، مزينة بصورتها، وللأسف دون إشارة إلى كونها كبيرة المترجمات الأدبيات فى المهجر.


لم أكن أعرف من أين أسلك الطريق إلى مجلس الأستاذ، وكفانى الروائى الرائع، يوسف القعيد، مؤنة الحيرة، وطلب منى اصطحابها بعد إخبار الغيطانى إلى مجلس الأستاذ غروب الثلاثاء الأسبوعى فى الباخرة الشهيرة «فرح بوت»، وأخبرتها فكادت تطير من فرحتها، وتزينت، وارتدت أرق ما حملته من سيدنى، وفى السيارة الصغيرة التى أقلتنا، كانت تسرح طويلا ثم تفاجئنى بسؤال به من العربية والإنجليزية مس شوق، حقيقى هنقابل الأستاذ محفوظ، وأطمئنها على قرب تحقق الحلم، وأنا مبهور بالأستاذ، وراسى عال يكاد يلامس سقف السيارة، التى تكابد الزحام القاهرى فى الطريق إلى لقاء غريب ومثير.


لم يكن قد وصل، على وصول، ومجلسه اكتمل الأساتذة جمال الغيطانى، ويوسف القعيد وآخرون لم ألتقهم قبلا، قبلها كنت من قراء الأستاذ لست من حوارييه، لا أملك من صفات حواريى الأستاذ شيئا، لا معلوم، ولا مقرب، ولا أنا شاعر ولا روائى ولا حتى ملما بالصحافة الأدبية، التى تؤهل لولوج هذا المجلس حتى من باب الصحافة، ضيف غريب على مائدة الأدباء والشعراء والمفكرين.


للمجلس المحفوظى طقوس، الاقتراب بحساب، والجلوس بقواعد، والحديث بصوت عال، والأحاديث الجانبية نادرة، الأستاذ نجيب وقد كل بصره وضعف سمعه بعد محاولة اغتياله الآثمة كان يعانى صحيا، ويتكفل أحدهما القعيد أو الغيطانى فى نقل ما يدور إلى أذن الأستاذ نجيب، وكأنهما يصبان الكلام صبا فى أذنه، فإذا كانت قفشة أو طرفة انبسطت أساريره، واستنار وجهه بابتسامة، وإذا أعجبته ضحك عاليا، أقرب إلى القهقهة حتى تبان أسنانه، التى اصفرت من أثر التدخين.


 ع الساعة وكل حين بحسب تعليمات الطبيب يشعل أقربهم سيجارة للأستاذ، يأخذ نفسا أو نفسين، ويسحبها من أمامه من أشعلها إلى حين، قبل أن يطلبها هى له، آلة الزمن مضبوطة عند الأستاذ، والساعة البيولوجية لم تفسدها مطواة الجهل، التى اخترقت رقبته الضعيفة، كان يقظا كامل الحواس، رائعا وهو يعقب بكلمة صغيرة، أو جملة من اسم وخبر، فعل وفاعل، وبالأسماء تعيها ذاكرته الحديدية.


جلسنا بعيدا أقرب إلى المجلس المحفوظى، الذى التئم على مائدة بسيطة طعمية ومشتقاتها، وسمح لنا الأستاذ بعد تعريف لطيف من الأستاذ يوسف،» فيه واحدة جاية من استراليا عاوزة تسلم عليك «، ابتسم الأستاذ، من استراليا مستبعدا المسافة، وعقب سنها قد أيه، قالوا يعنى كبيرة شوية، فعقب وماله جبر الخواطر، وحكمت القافية وضحك الجمع وضحك الأستاذ، كانت فين من زمان، وقفشة أخرى طبعا المشوار طويل.


والسيدة فى عالم آخر، سرحانة فى حضرة الأستاذ، واقتربت بتؤدة، وأفسح القعيد مكانه لتجلس السيدة، التى فاجأت الجمع بطبع قبلة على خد الأستاذ، ولمحت ثمة خجلا على محياه، وقالت هذا هو الحلم، أما القصيدة وألقت أبياتا بصوت واهن، يقينا لم يسمعها الأستاذ على ما بدا منه من إطراق المستمع، هز راسه مرات.


ونهضت تفتح الهدية، لوحة صغيرة فى حجم المنديل من مقتنياتها النادرة، عمرها يؤشر على إثريتها، تقبلها الأستاذ بكل الرضا، ونال قبلة ثانية، وعقب الأستاذ، اعزم عليها يايوسف تقعد معنا، وسهرنا واياها فى حضرة الأستاذ، والتقطت صورا تذكارية مع المجلس وبالقرب من الأستاذ، ونشرت الصور حينها فى «المصور»، وحملت فى حقيبتها نسخة من الصور، وتركت القصيدة «حديقتان بالقاهرة» أمانة فى حوزتى لنشرها فى «أخبار الأدب»، التى عرفتها على رئيس تحريرها الروائى الكبير جمال الغيطانى.


 ولم تغادر حتى جمعت روايات نجيب محفوظ وشيئا من روايات الغيطانى والقعيد، وأديت الأمانة ونشرت القصيدة كما وعدتها بكرم حاتمى من الأستاذ الغيطانى، وعبثا حاولت البحث عن أبياتها أو طرف منها، ولم أعثر لها على أثر على الشبكة العنكبوتية، لم تكن الصحف دخلت العصر الإلكترونى بعد، وأرسلت لها على عنوانها فى سيدنى نسخا من أخبار الأدب، وردت بخطاب رائع كله حب فى الأستاذ نجيب محفوظ.


حاشية ١:


كشفت الشاعرة الأسترالية «أن فيربيرن» أنها قرأت قصيدتها المعنونة «حديقتان بالقاهرة « للمرة الأولى فى حضور الأديب الكبير بالقاهرة، والذى أبدى إعجابا وتقديرا لها.


حاشية ٢:


 الأديب فى المهجر شربل بعينى يقول عن «أن فيربيرن»: «أدخلتنا التاريخ العالمى من بابه الواسع، وهمست فى أذنه: إذا لـم تدخل هؤلاء الأدباء العرب إلى جنّتك، فبئس التاريخ أنت. أفلـم يحن الوقت لندخلها نحن إلى قلوبنا وبيوتنا، ونمنحها شرف المواطنيّة العربيّة، ونقول لها بصوت واحد، من الخليج إلى المحيط: شكرًا.