بين حتمية الضرورة ومواجهة الغضب الاحتكارى هل أخطأ الجيش حين تدخل فى أزمة ألبان الأطفال؟

08/09/2016 - 12:53:27

بقلم : د. حسن أبوطالب

الجيش المصرى فى عين العاصفة دائما، فى مواجهة الإرهاب وفى إعادة بناء البنية التحتية للدولة المصرية، وفى تقديم الدعم للمواطنين حين تكون هناك ضرورة ملحة، وفى الإشراف على المشروعات الكبرى. وفى كل هذه العواصف تظهر مبكيات مُفتعلة ليس فقط من مصريين بل من أجانب ودوائر غربية مريبة وكأنهم هم أصحاب الحق ساعين بخبث إلى إقناعنا بأن ما يقولونه هو لصالح مصر وتحولها الديمقراطى. وللأسف هناك من يقع فى الفخ ويُعيد بث ما تنشره هذه المصادر من أكاذيب وافتراءات وكأنها حقيقة لا غبار عليها.


العاصفة هذه المرة تتعلق بالقرار الذى اتخذته القوات المسلحة فى المساهمة فى حل مشكلة ألبان الأطفال، والتى ظهرت بين عشية وضحاها نتيجة لسوء الإدارة من قبل وزارة الصحة، والتى قرر وزيرها فجأة وبدون تمهيد مناسب عدم بيع ألبان الأطفال المدعمة عن طريق الصيدليات ومراكز التوزيع المعتادة، وأن ينشئ لذلك منظومة إلكترونية لضبط عملية التوزيع على المستحقين دون غيرهم. هذا الأسلوب العنترى والمفاجئ تسبب فى غضب الأمهات والآباء، وهو غضب مشروع لأن الاشتراك فى المنظومة الجديدة يتطلب بعض الوقت وليكن يومين أو ثلاثة قد تمتد الى أسبوع، وهى فترة لا يمكن لأى أم أن تتغاضى فيها عن إطعام فلذة كبدها. ولو أن وزير الصحة تعامل مع المنظومة الجديدة التى يسعى إلى إنشائها بتدرج وحكمة ومراعاة للحاجات الرئيسية للأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، فغالبا لم تكن هناك مثل هذه الأزمة الغبية، اللهم إلا إذا كانت هناك أسباب أخرى غير معلنة تسببت فى حدوث الأزمة، كنقص الموارد المالية الأجنبية المخصصة لاستيراد الألبان المدعمة، وهو أمر يمكن معالجته بالتنسيق مع البنك المركزى، والذى خصص العديد من عطاءاته فى الأشهر الماضية لشراء الأدوية وألبان الأطفال.


المهم فى الأمر أن الجميع فوجئ بأزمة سوء توزيع ألبان الأطفال، وهنا نجد تفسيرين؛ أحدهما منسوب لمصدر رسمى باسم وزارة الصحة بأن الألبان متوافرة، وما حدث يتعلق فقط بالارتباك بشأن المنظومة الجديدة للتوزيع. أما التفسير الثانى فيتعلق بأن الألبان نفسها غير موجودة، أو أن المتوافر منها أقل بكثير من حجم الطلب عليها فكان لابد من اتخاذ إجراء لضبط الطلب إلى حين تتوافر الألبان بكمياتها المعتادة. وكلا التفسيرين يشوبهما غياب الشفافية ودليل على تقصير وزارة الصحة وقصر نظر المسئولين فيها.


تدخل الضرورة


هنا تدخلت القوات المسلحة بأن أعلنت عن استيراد ٣٠ مليون علبة لبن أطفال، على أن تُباع بنصف السعر، فى حدود ٣٠ جنيها للعلبة الواحدة كمسعى لتخفيف حدة الأزمة وزيادة المعروض بسعر مناسب تتحمل فيه القوات المسلحة جزءا من العبء يصل الى ٥٠٪ من السعر الأصلى. فى هذه الحالة كما فى حالات سابقة ترددت انتقادات عديدة للجيش المصرى وأذرعه الاقتصادية، بهدف تأكيد مقولة كاذبة أن جيش مصر بات القوة الأولى فى كل شيء، فى السياسة والاقتصاد والتجارة والمشروعات وأخيرا فى تسويق ألبان الأطفال، وأنه بدلا من القيام بمهام الدفاع ورد العدوان بات الجيش يتوسع فى القطاع الاقتصادى رغبة فى تحقيق الأرباح لكبار رجاله وضباطه. بعبارة أخرى تصوير الجيش المصرى وكأنه غول يستهدف الهيمنة المطلقة على الوضع المصرى ككل لحساب مجموعة من ضباطه الكبار، وكأن الجيش المصرى مجرد مشروع يعمل لحساب أشخاص وليس مؤسسة وطنية تنهض بالشعب ويحميها الشعب ويعود عائدها فى الخبرة والإنجاز فى أى مجال للشعب كله وبدون استثناء. هنا محاولة التشويه للجيش المصرى هى جزء من عمليات تشويه النظام المصرى ككل، وجزء مقصود به بالأساس إحداث قطيعة بين الشعب وجيشه، بداية من البلبلة واصطناع المعلومات الخاطئة بلا توقف، وتشويه المواقف الجادة وتصويرها كمواقف انتهازية مغرضة. ورغم أن كل ما قيل من قبل لم يأتِ بآثاره التى يستهدفها المغرضون، فهم لا يتوقفون ولن يتوقفوا، لأنهم باختصار ليسوا سوى أدوات تحركها قوى شر أكبر تخوض معركة البقاء مع إرادة مصر وشعبها.


بيان المواجهة والحسم


وفى مواجهة الأكاذيب التى طالت هذا الموقف ذا الطابع الإنسانى والوطنى، جاء بيان المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة حاسما، حيث تضمن ثلاثة عناصر رئيسية:


الأول أن القوات المسلحة لاحظت قيام الشركات المختصة باستيراد عبوات لبن الأطفال، باحتكار العبوات للمغالاة في سعرها ما تسبب في زيادة المعاناة على المواطن البسيط.


الثانى أن تحرك القوات المسلحة يستند إلى دورها المدنى، وهو ما يحدث بالتنسيق مع وزارة الصحة، بالتعاقد على نفس عبوات الألبان، وتوزيعها بطريقة مناسبة لتصل للكل، وهو تحرك يستهدف التخفيف على المواطن البسيط.


الثالث أن الهدف من هذا الإجراء هو ضرب الاحتكار لدى الشركات والتجار العاملين فى مجال عبوات أطفال الألبان.


رابعا أنه لا يوجد لدى القوات المسلحة أي عبوات مخزنة، وسيتم استيراد أول دفعة من الألبان، اعتبارا من ١٥ / ٩ / ٢٠١٦، ليتم استلامها من الموانئ وتوزيعها على الصيدليات بسعر (٣٠) جنيها للعبوة.


الخطوط الفاصلة


هذا البيان الرسمى يضع خطوطا فاصلة بين تدخل الضرورة وبين تدخل الغصب، الأول تحتمه دوافع وطنية بالأساس، وهو الأمر المعتاد فى تحركات الجيش المصرى إزاء كل قضية تخص المواطن البسيط. والثانى يُعنى أساسا بالاحتكار والهيمنة وتوسيع رقعة النفوذ على حساب الغير، وبالتالى على حساب التطور الطبيعى للمجتمع وقواه المدنية، وهذا هو دأب الفئات الجشعة التى تنهش فى أجساد المصريين وجيوبهم، ويوضح مضمون البيان موقف القوات المسلحة من واحدة من أهم القضايا التى تعانى منها مصر وهى الاحتكار الذى تتورط فيه بعض الشركات وكبار التجار وما يسببه ذلك من معاناة للمواطنين لاسيما البسطاء ومحدودى الدخل. كما يوضح أيضا دور هذه المافيات فى إطلاق الشائعات والأكاذيب لهز ثقة المصريين بجيشهم. وهو فى المحصلة امتداد لمواقف سابقة أسهمت فيها القوات المسلحة بدور كبير فى التخفيف على شريحة عريضة من المواطنين من خلال استيراد سلع أساسية وطرحها بأسعار مناسبة للحد من انفلات الأسعار الذى تفتعله دوائر ومافيات كبرى من التجار وكبار المستوردين والوسطاء وبعض المسئولين كبار وصغار فى وزارات خدمية لا ضمير لهم، ولا هدف لهم إلا تحقيق أرباح خيالية على حساب المواطنين البسطاء، ودون أى مراعاة للحظة الحرجة التى تعيشها البلاد. وهى مافيات توجد فى الكثير من المواقع داخل وزارات مهمة كالزراعة والتموين والإسكان والتعليم والصحة.


تدخل القوات المسلحة بهذا المعنى ووفقا لهذا السياق العام الذى تعيشه مصر هو إجراء احترازى منعا لتفاقم مشكلة تهم قطاعا كبيرا من المصريين، ولا تسعى من ورائه الحصول على أى مكاسب مادية، أما مكسبها الرئيسى فهو الإسهام المباشر جنبا الى جنب باقى مؤسسات الدولة فى ضبط التوترات المجتمعية التى تظهر بين الحين والآخر نتيجة سوء إدارة البعض ومن ثم تحقيق الاستقرار للمجتمع، والذى يمثل لأى جيش فى العالم القاعدة الرئيسية للقيام بمهامه الرئيسية الكبرى للدفاع عن البلاد ومواردها ورد كافة صنوف العدوان والتهديد.


متربصون بالجيش من الخارج والداخل


غير أن المتربصين بالجيش المصرى فى الداخل والخارج تعاملوا مع الموقف على غير حقيقته، وكالعادة ظهرت فى مواقع التواصل الاجتماعى أشكال فجة من السخرية والكلمات البذيئة فى حق الجيش المصرى، كثير من المشاركين فى هذه الحملة العدائية معروفون بكونهم معارضين على طول الخط لكل ما حدث بعد ٣٠ يونيه، وبعضهم الآخر محسوب على مواقع إخوانية ولا ينتظر منها سوى بث كل ما هو غث وحقير، وثالثهم هو امتداد لما يُقال ويُنشر دون كلل ولا ملل فى مراكز بحوث أمريكية وأوربية ومواقع إخبارية خاصة بريطانية وألمانية تبدو ظاهريا موضوعية وهى فى حقيقتها مواقع تابعة مباشرة للتنظيم الدولى للإخوان أو تحصل على تمويل سخى منهم وجميعهم يتحدثون عما يسمونه بتوسع الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصرى، وكيف أن الجيش يسيطر على ما يقرب من ٤٠٪ من حجم الاقتصاد الكلى للدولة المصرية، دون أن يخضع لأى منافسة عادلة. والبعض وصل بالنسبة إلى ٦٠٪ فى مبالغة غير معقولة وبلا سند. فى حين أشارت تقديرات بعض رجال أعمال مصريين كبار إلى أن النسبة تتراوح بين ١٠ إلى ٢٠٪، مشيرين إلى أنها نسبة عادية وليست مؤثرة من وجهة نظرهم. وتصل الأكاذيب الى حد اللامعقول كالقول بأن هناك مهام سرية يقوم بها الجيش؛ مثل الادعاء أن الجيش يجمع الدولارات من أجل احتكارها، ولغرض شراء كميات هائلة من السلع لبيعها وتحقيق أرباح كبيرة، وأنه بات يسيطر على أراضى الأوقاف، وفى قمة اللامعقول أن الجيش يسيطر على ٩٨٪ من أراضى مصر!


وفى الإجمال فنحن أمام أكاذيب فاسدة وأيضا تقديرات غير موثقة تنطلى على البعض المأجور أو الجاهل الذى لا يُحسن قراءة الأمور ولا يجهد نفسه فى البحث عن الحقائق. وفى بيانات البنك المركزى المصرى عن مكونات الناتج القومى ومصادره، تتضح الحقائق الكاشفة وهى أن حجم النشاط الاقتصادى للأذرع الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة لا تزيد عن ٢٪، وهو ما صرح به الرئيس السيسى فى حملته الانتخابية لوكالة رويترز ٢٠١٣. وهذه الأذرع عبارة عن شركات ومؤسسات اقتصادية تخضع للقانون ورقابة الجهاز المركزى للمحاسبات وتدفع الضرائب مثل أى نشاط اقتصادى آخر. ووفقا لبيانات البنك المركزى للعام ٢٠١١ / ٢٠١٢ فقد أسهم القطاع الخاص بنحو ٦٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي، والقطاع العام والحكومي المدني بما فيها شركات قطاع الأعمال والقطاع العام وقناة السويس والكهرباء والطاقة وغيرها من الأنشطة المدنية أسهموا جميعا بنحو ٣٦,٢٪، والباقي أي نحو ١,٨٪ هيّ حصة الأنشطة الاقتصادية التابعة للجيش فى الناتج المحلي الإجمالي على أقصى تقدير.


الإشراف على التنفيذ .. ضرورته وتحدياته


وبالنسبة لتكليف بعض الأجهزة والقطاعات التابعة للقوات المسلحة مثل الهيئة الهندسية بالإشراف على تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى، فالأمر لا يعدو أن يكون إشرافا بالمعنى الفنى والادارى والمالى والخططى والتنفيذى، بهدف الإنجاز فى الزمن المحدد وبالتكلفة المقدرة. أما القائمون بالتنفيذ فهىّ شركات مدنية بالأساس، ففى مشروع إنشاء قناة السويس شاركت ٨٠ شركة مصرية من شركات المقاولات المصرية، وفى المشروع الخاص بالطرق القومية تشارك ٣٤ شركة من الشركات المتخصصة فى الطرق، وفى مشروع مدينة الجلالة تشارك ٨٠ شركة مصرية، وهكذا فى مشروع بناء الأنفاق التى تربط بين سيناء والوادى. وفى كل هذه المشروعات يشارك فيها عمال وفنيون ومهندسون مصريون. ووفقا لهذه المنظومة فإن الإشراف لا يحقق دخلا خاصا لمن يقوم به، ولكن من يحقق الدخل هو الجهة المنفذة بالأساس، أى الجهات المدنية أصلا.


ومن المؤكد أن التوسع فى تكليف قطاعات غير مقاتلة فى القوات المسلحة بالإشراف على تنفيذ مشروعات مدنية له من المزايا الكثير، ولكنه يطرح أيضا إشكاليات لا يجب التغاضى عنها، أول هذه الإشكاليات أن القطاعات المدنية المنفذة قد تفتقد حُسن الإدارة نتيجة غياب المبادرة والقيام بالجهد من بدايته إلى نهايته، وهو تحدٍ يفرض على القائمين على هذه الجهات التنفيذية سواء من القطاع الخاص أو من قطاع الأعمال معالجة أوجه القصور الذاتية التى أدت إلى تراجع معدلات الأداء، وحين وجد الإشراف من جهة تابعة للقوات المسلحة تلتزم بالانضباط والحرفية والالتزام بالمواعيد المحددة، نجحت هذه الجهات التنفيذية فى القيام بما عليها دون عوائق، فالمسألة تتعلق بتطوير الإدارة الذاتية لهذه الجهات المدنية.


أما التحدى الثانى فيتعلق بترهل معدلات الأداء فى القطاعات التنفيذية التابعة للوزارات الخدمية نتيجة الاسترخاء فى مواجهة الفساد الداخلى وعدم وجود برامج تدريبية لرفع معدلات الكفاءة بصورة دورية، مما جعل الالتزام ببرامج محددة لإنشاء مشروعات قومية كبرى مسألة غير قابلة للتنفيذ، كما حدث فى إنشاء الطرق ومنظومة توزيع الخبز وفساد تشوين القمح فى الصوامع الخاصة والعامة ومشروع زراعة ١,٥ مليون فدان وإنقاذ الإسكندرية والبحيرة حين تعرضتا للسيول الجارفة، ومن هنا جاء الإشراف من قبل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ليسد هذا النقص فى قلة الحيلة وتراجع الأداء.


أما التحدى الثالث فهو خواء الجهاز البيروقراطى وضعفه وتطبيقه لوائح بالية وقوانين معوقة، وهنا فالمطلوب ثورة حقيقية لخلق جهاز بيروقراطى حكومى قادر على توفير الخدمات المنوطة به بأعلى درجات الكفاءة والشفافية. وهىّ ثورة مدنية شاملة، سوف تواجه بعقبات وعمليات تشويه وإفساد متعمد من أجل إجهاضها وإبقاء الأمور على حالها، وهو ما نراه بالفعل فى تحركات بعض القوى لوقف تطوير الجهاز البيروقراطى الحكومى ومنع تطبيق الضوابط التى يتضمنها قانون الخدمة المدنية الجديد. ولما كان عامل الزمن لا يرحم، جاء اللجوء الى مؤسسة الجيش للمساعدة فى ضبط أداء القطاعات المدنية الفاشلة جزئيا كعلاج مؤقت وعابر، ويدرك الجميع بمن فيهم صُناع القرار أنفسهم أنه كلما حققت مصر التغيير المطلوب فى أداء الجهاز البيروقراطى وقطاع الأعمال العام والوزارات الخدمية وكلما تم التضييق بقوة على معدلات الفساد ومحاسبة المافيات المنتشرة فى تلك الوزارات، كلما أصبحت الحاجة لدور مباشر سواء فى صورة إشراف أو متابعة أو تنظيم من قبل القوات المسلحة تقل تدريجيا وصولا إلى النقطة الطبيعية والمعتادة.


بهذا المعنى نحن أمام تدخل ضرورى سوف يأخذ وقته لا أكثر ولا أقل. وهو ما نراه كعين الشمس فى رابعة النهار فى حالة سوء توزيع ألبان الطفال والتى دفعت القوات المسلحة إلى التدخل بالتنسيق مع وزارة الصحة لإنهاء معاناة الآباء والأمهات، وليس من أجل الحلول محل الوزارة .


وفى كلمة واحدة لم تخطئ القوات المسلحة فى مساعدة الشعب، ولم تخطئ فى توفير ألبان الأطفال.