الجيش المصرى والفقراء

08/09/2016 - 12:43:53

بقلم - عبدالقادر شهيب

بدلًا من توجيه الشكر للجيش المصرى لأنه يتدخل دوما لمساندة ومساعدة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة فى بلادى انهالت عليه بعض الأبواق تنهش فى سمعته وتوجه إليه الإساءات البالغة بدعوى أنه انصرف عن أداء مهمته الأساسية، وهى الدفاع عن أرض الوطن وانشغل بأعمال ومشروعات ونشاطات اقتصادية وتجارية وانخرط فيما يسمونه بالبيزنس!


غير أن هؤلاء الذين استمرأوا الإساءة للقوات المسلحة الوطنية وتمادوا فى توجيه الطعنات الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعى لها لا يعنيهم كثيرًا النشاط الاقتصادى لها، وإنما هم يغطون بذلك أهدافًا سياسية أهم وأكبر لهم من ذلك الهجوم المتواصل ضد قواتنا المسلحة.


فهم أول من يدركون أن ممارسة الجيوش فى العالم أنشطة اقتصادية ليست بدعة مصرية، وإنما أمر سائد فى كثير من هذه الجيوش بما فيه جيش الدولة التى يعتبرونها المثل والقدوة فى كل شىء ابتداء من الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحتى التصدى للفساد وإعمال مبادئ الكفاءة فى العمل، وهى الولايات المتحدة الأمريكية.. فإن جيشها له أنشطته الاقتصادية الخاصة به ومنذ وقت مبكر.. وهنا لن أتحدث عما يتداوله البعض الآن عن إنتاج البيتزا وبيعها باستخدام خدمة التوصيل إلى المنازل، ولكننى أتحدث عن أنشطة اقتصادية قديمة للجيش الأمريكى بعضها يدخل فى إطار إنتاج السلاح وبعضها يندرج فى مجال التكنولوجيا، خاصة تكنولوجيا المعلومات، وبعضها يصنف فى إطار الخدمات التعليمية والصحية أيضًا، ناهيك عن بعض المتاجر الضخمة والكبيرة أيضًا.


كما أنهم يدركون أيضًا أن الجيش المصرى بدأ مبكرًا نشاطًا اقتصاديًا محدودًا لتلبية احتياجات جنوده وقواته من الملابس والأحذية.. وبعد أن خاض أكثر من حرب متوالية اكتشف ضرورة توسيع هذا النشاط الاقتصادى لتلبية كل احتياجاته أيضًا فى هذا الصدد وأشياء أخرى ضرورية، خاصة أن اعتماده على غيره فى هذا الصدد يعرضه لمخاطر عديدة أولها خطر تسرب معلومات مهمة عنه وعن قواته وعن استعداداته وأنشطته، ولعلنا نتذكر ما قمنا به لإخفاء استيراد مضخات المياه التى استخدمناها فى التخلص من جبل الرمال الذى أقامه الإسرائيليون فى الضفة الشرقية للقناة على ضفافها لإجهاض العبور إلى سيناء.. وآخر هذه المخاطر خطر عدم توفر الاحتياجات الأساسية لقوات الجيش، فإن معرفة الكميات التى تستخدمها القوات المسلحة فى موقع ما من الغذاء كاف لاستنتاج ومعرفة أعداد هذه القوات، ومعرفة أنواع بعض المعدات التى تستخدمها يمكن من خلاله استنتاج نوعية تسليحها، وبالتالى معرفة المهمة المكلف بها.


وهؤلاء يدركون كذلك أن القوات المسلحة عندما انخرطت فى أنشطة اقتصادية لتدبير احتياجاتها الأساسية سواء من الملابس أو الغذاء أو السيارات والمعدات، عندما لجأنا إليها خلال الأزمات التى كنا نتعرض لها كانت تبادر فورا وبدون تردد بتقديم المساعدة الأهم والأكثر فعالية فى حل هذه الأزمات وتجاوز هذه المشاكل.. ولعلنا نتذكر عندما اشتعلت قبل عدة سنوات مضت أزمة رغيف الخبز وتحولت طوابيره المعذبة إلى مصائد للموت لقى فيها عدد من المواطنين مصرعهم نتيجة الإجهاد كيف خصصت القوات المسلحة خطوط إنتاج كاملة من مخابزها لتوفير كميات من رغيف العيش.. أما عندما التهبت أسعار اللحوم مؤخرًا فإن القوات المسلحة وفرت كميات كبيرة من اللحوم تبيعها للمواطنين فى منافذها، بل إنها أقامت عددًا من المنافذ، المتحركة لبيع اللحوم بنحو نصف سعرها المطروح فى الأسواق.


كل ذلك يعرفه ويدركه من يتطاولون على الجيش المصرى ويوجهون إليه قذائف إساءاتهم وسخافاتهم الآن، وأيضًا حتى الذين يرتدون ثوب الحكمة ويتجنبون توجيه الإساءات ويكتفون فقط بانتفاء قيام الجيش بما لا يدخل فى صميم مهمته الأساسية وهى الدفاع عن أرض الوطن، رغم أنهم يعرفون أن النشاط الاقتصادى للجيش ومشاركته تحديدًا فى الإشراف على المشروعات القومية الكبيرة تتم فى وقت يخوض فيه حربا ضارية وشرسة ضد جماعات الإرهاب التى استوطنت أرض الفيروز وحاولت أن تجعلها قاعدة انطلاق تسيطر على كل أنحاء المحروسة، وأيضًا يقوم فيه الجيش المصرى بتأمين كل حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية، ولولا ما يقوم به لاستباحت عناصر داعش التى تتجمع الآن فى ليبيا بعد مطاردتها دوليًا فى كل من العراق وسوريا أرض مصر وتسربت داخلها عبر حدودنا لتعيث فسادا فى هذه الأرض.


بل إن هؤلاء الذين يهاجمون جيشنا الوطنى العظيم كانوا يستفيدون بما ينتجه ويبيعه الجيش من سلع ويستمتعون بما يقدمه من خدمات ولم يفتح أحد فاهه ليتحدث مفتقدا وجود نشاط اقتصادى لجيشنا حتى تنحى حسنى مبارك وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد.. وقتها فقط تذكر هؤلاء أن للجيش محطات للبنزين ومصانع للمكرونة ومزارع لتربية المواشى.. وبعد أن كانوا يهتفون بقوة وحماس قبل تنحى مبارك والجيش والشعب أيد واحدة، اعترافًا بفضل الجيش وقيادته وقتها رفض توجيه أسلحته إلى صدور المتظاهرين، فإنهم انطلقوا يهتفون بعد أن تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شئون البلاد بهتافهم البغيض يسقط حكم العسكر.. بل وتمادوا أكثر ونظموا مسيرة انطلقت من وسط القاهرة حتى مقر وزارة الدفاع بالعباسية وحاصروها رافعين أعلام القاعدة السوداء فوطئه لاقتحامه، وهو ما حولوه فعلا بعد الإطاحة شعبيًا بحكم الإخوان الفاشى، حينما حاولوا اقتحام مبنى الحرس الجمهورى لاستعادة مرسى وإعادته إلى القصر الجمهورى.


إذن.. الهجوم الذى يتعرض له الجيش المصرى الآن من قبل عناصر الإخوان وعناصر تعزف على أنغام غيرها، ونخبويون حبسوا أنفسهم فى أقفاص أيدلوجية (ليبرالية متطرفة ويسارية متطرفة أيضا) أليس سببه هو الضيق من النشاط الاقتصادى الذى يقوم به أو رفض قيامه يمثل هذا النشاط أو الاقتناع حقا بأن الجيوش لا يجب أن يكون لها أنشطة اقتصادية، لأن ذلك غير موجود.. ولكن يكمن وراءه أسباب وأغراض سياسية فى الأساس، سواء كانت لأشخاص أو جهات وحركات فى الداخل أو لهيئات وحكومات فى الخارج.


فإن هؤلاء يعرفون أن الجيش بأنشطته الاقتصادية لا يوفر احتياجاته الأساسية فقط وإنما يسهم بدور فى مساعدة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة، وذلك بتوفير قدر من احتياجاتهم خاصة من الغذاء وذات الأمر ينطبق على ألبان الأطفال التى كشف تدخل الجيش فى توفيرها بالصيدليات أن مستورديها وتجارها يحصلون على هامش ربح يتجاوز مائة فى المائة.. ولعل ذلك تحديدا هو سبب ضيق هؤلاء مما يقوم به الجيش.. أى ضيقهم من قيامه بمساعدة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة أيضًا بتوفيره سلعًا وخدمات يحتاجونها بأسعار مناسبة وتقل عن أسعار السوق كثيرًا فإن الذين يهاجمون الجيش الآن منهم من يريد الانتقام منه لأنه انحاز لإرادة الملايين فى٣٠ يونيه وساند رغبتهم فى التخلص من حكم الإخوان الفاشي.. ومنهم من يحلم بإعادة حكم الإخوان مرة أخرى محددًا ويرى فى الجيش عقبة فى سبيل تحقيق هذا الحلم، الذى هو بمثابة الكابوس الفظيع للأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا.. ومنهم أيضًا من يعتقد أن الجيش حال دون قفزه إلى السلطة، سواء بعد تنحى مبارك أو الإطاحة بمرسي.. ومنهم كذلك من يرى أن وجود جيش قوى وقادر وفعال يمنح الدولة المصرية قوة ويقيها مما كان يخطط لها ولبقية دول المنطقة وهو تقويض كياناتها الوطنية.. وأخيرًا منهم أيضًا من يرى أن الجيش بما يقوم به من دور اقتصادى وبنائى وإنشائى إنما هو يسهم فى نزع فتيل أزمات معيشية ومشاكل اقتصادية حادة كان يمكن أن تراكم غضبًا فى صدور عموم المصريين.. خاصة البسطاء منهم - راهن كل هؤلاء على أن يحين وقت قريب وينفجر هذا الغضب مجددا ليس فقط ليتم التخلص من الحكم القائم وإبعاد الرئيس السيسى عن موقعه كرئيس للجمهورية، وإنما لنشر فوضى فى عموم أرض المحروسة تجهض كل محاولات البناء والنهوض وتنال من قوة الجيش نفسه، فالجيش بمساعدته للفقراء وأصحاب الدخول المحدودة إنما يحرم كل هؤلاء من أن يكسبوا رهانًا جديدًا لا يختلف عن رهانهم فى يناير ٢٠١١ أو يوليو ٢٠١٣.. إنهم يعتبرون أنفسهم خسروا معركة أو معركتين، ولكنهم لم يخسروا الحرب بعد.. ولذلك هم مستمرون فى هذه الحرب وأخطر أسلحتهم الآن التى يعولون عليها كثيرًا سلاح الإساءة بجيشنا الوطنى العظيم وتشويه سمعته والنيل من معنويات مقاتليه.


لذلك.. مادام جيشنا سيظل يقدم مساعداته للفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، ومستمرا فى البناء والإشراف على المشروعات القومية الكبيرة، ومساندا وداعمًا لرئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى، علينا أن نتوقع أن تتواصل الحرب الدعائية والإعلامية ضد محاولات الإساءة إليه والتشهير به.. وهنا يتعين محاسبة كل من يتطاول على جيشنا الوطنى، محاسبة قانونية حازمة وقوية، مع جذب مزيد من الشركاء فى عملية التنمية فى مواجهة التنظيم الاحتكارى الذى يسيطر على اقتصادنا.