القوات المسلحة المصرية ومشكلات الأمن القومى

08/09/2016 - 12:39:22

بقلم - لواء د. محمد الغبارى مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق

إن الجيش المصري من أقدم جيوش العالم صاحب تاريخ مجيد وعظيم منذ عهود الفراعنة وعلى مر العصور، حيث كانت قوة الدولة وكيانها تتوقف على قوة وكفاءة هذا الجيش وتواجده على الساحة الإقليمية والدولية وتضعف الدولة في حالة عدم وجوده أو ضعف كفاءته وقدراته القتالية وظهر هذا فى أزمنة الاحتلال (الهكسوس- الدولة الفارسية -الإغريق-الرومان) وتقوى الدولة المصرية وتسيطر على المنطقة حين يتواجد بقوته وكفاءته رجال وتسليح وتنظيم (مينا –أحمس الأول –رمسيس الثانى ........) والتاريخ أكبر شاهد على ذلك وكان الهدف الأول لأي دولة استعمارية في محاولاتها السيطرة على مصر هو إما حل هذا الجيش أو تخفيض قوته وتعداده بعد هزيمته بتحالف دولي مثل ماحدث مع محمد علي باتفاقية لندن عام ١٨٤٠م ثم الاحتلال البريطاني لمصر ١٨٨١م.


- مهمة الجيش المصري (القوات المسلحة) على الرغم من وضوح هذه المهمة للجميع سواء في داخل مصرأو خارجها، وكذلك للمثقافين والمتعلمين والسياسيين أو أفراد عاديين إلا أن الدستور المصري الذي كتب بخبرة ومطالب ثورتين عظيمتين هما ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م وثورة٣٠يونيه٢٠١٣م قد نص على مهمة القوات المسلحةحيث جاء في الفصل الثامن المادة (٢٠٠) على الآتي:


القوات المسلحة ملك للشعب مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها والدولة وحدها هي التي تنشىء هذه القوات ويحظر على أى فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أوشبه عسكرية ويكون للقوات المسلحة مجلس أعلى ووزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة كل ذلك نص عليه الدستور وكان ترجمة لما قامت عليه القوات المسلحة من مبادىء وعقائد،حيث إن أبناءها هم أبناء الشعب وتفتخر بأنها ليست طائفية ولا حزبية ولا طبقية وانتماؤها الوحيد لهذا الوطن وأرضه وشعبه الوفي وأبناؤها على اسعداد دائم لفداء هذا الوطن بدمائهم وأرواحهم، وقد ظهر هذا جليا وواضحا في أحداث ثورتي ٢٥يناير و٣٠يونيه، حيث انحازت القوات المسلحة إلى الشعب دون الحاكم أيا كانت صفته.


من هذه المهمة يتضح أن القوات المسلحة هي المسئول الأول عن تحقيق الأمن القومي للبلاد بمجالاته مسئولية كاملة تتحدد في أحد المجالات بالمسئولية الكاملة مثل المجال العسكرى والأمني وبالمشاركة مع باقي جهات الدولة المتخصصة في باقي المجالات حيث تتحدد مجالات الأمن القومي الثمانية فى الآتى:المجال السياسي- المجال العسكري-المجال الاقتصادي- المجال الأمني-المجال الاجتماعي- المجال الإعلامي-المجال البيئي- المجال الجيوجوليتكي المجال السبراني(المعلوماتي) وعلى ذلك ولتنفيذ هذه المهمة فهي المراقب الفعال لرصد ومتابعة وتغيرات ومؤشرات التحديات أو التهديدات المنتظرة للأمن القومي المصرى.


نماذج لتدخل القوات المسلحة في المجال الاقتصادي والاجتماعي


عندما تضع الدولة تخطيطها الإستراتيجى للتنمية الشاملة والمستدامة فإنها تحتاج إلى تنميةاقتصادها ولن يحدث ذلك إلا بجذب الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ المشروعات العملاقة لدعم ذلك الاقتصاد ولتوفير فرص عمل للشباب للقضاء أو تقليل البطالة، ولأن القوات المسلحة تمتلك الخبرة والانضباط فى العمل الجاد فقد كلفت وقامت بالإشراف على المشروعات القومية العملاقة وتنفيذ جزء منها حيث نفذت خلال العامين السابقين فقط،وتأتى مشاركة القوات المسلحة من خلال الإشراف والتعاون مع مئات الشركات المصرية التى نفذتها وبأيدى وخبرة مصرية ونعرض نماذج منها كالآتى:


مشروع قناة السويس: ذلك المشروع كان يلزمه تخطيط وتنظيم ورقابة صارمة لتنفيذه في التوقيت المحدد بأقل تكلفة فتم تكليف القوات المسلحة بالتنظيم والإشراف والتخطيط على المشروع، وتم بنجاح كبير أذهل العالم ولم يسلم هذا المشروع من التشكيك والشائعات في القدرة على التنفيذ أو في جدوى المشروع.


مشروع استصلاح وزراعة المليون ونصف مليون فدان: والذي بدأ إنتاجه الفعلى في واحة الفرافرة من استصلاح وزراعة عشرة آلاف فدان قمح على طريق سد الفجوة في احتياجات مصر من القمح بالإضافة إلى إنشاء وصيانة صوامع تخزين وتشوين القمح.


مشروعات إنشاء شبكة الطرق العملاقة التي تربط مناطق الاستثمار بمحافظات مصر لتسهيل وتوفير ضمانات تنفيذ التنمية الشاملة للدولة مع مجموعة الكباري الضخمة طبقا للمقاييس الدولية وذلك لتشجيع وتنمية مناخ الاستثمار الذى ترتكز عليه عملية الاستثمار فى مصر.


إنشاء مجموعة الأنفاق الجديدة والتى تشمل على خطوط سكة حديد لأول مرة فى جنوب بورسعيد وجنوب الإسماعيلية لربط سيناء بالدلتا وبمناطق الاستثمار الجديدة (شرق تفريعة بورسعيد –وغرب مدينة السويس- ومدينة التكنولوجيا بالإسماعيلية ) لتحقيق التنمية الجادة لسيناء وفى أسرع وقت ممكن بالاضافة إلى إنشاء سحارة سرابيوم لنقل مياة النيل لرى الأراضى المستصلحة للزراعة شرق قناة السويس بعد ازدواجها.


تخفيف العبء عن محدودي الدخل فى مجال الخدمات المباشرة لكسر احتكار التجار وجشعهم وضمان الأسعار المناسبة لتلك السلع الضرورية في جميع أنحاء الوطنبواسطة جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة باتخاذ الإجراءات التالية:


بإنشاء منافذ توزيع السلع الأساسية واللحوم.


مكافحة أزمة المواد البترولية منذ عامين وخاصة السولار المؤثرعلى حركة نقل البضائع وارتفاع أسعاره فى السوق السوداء يتسبب فى تفشى الغلاء.


ﺟ- تقديم الدعم المادى للفقراء فى المناسبات والمواسم والكسوة الشتوية لهم .


د- تقديم العلاج فى المستشفيات العسكري بأسعار رمزية وخاصة للأمراض المستعصية.


ﻫ- مكافحة الكوارث بالاشتراك مع الهيئة الهندسية مثل انهيار جسر قرية عبد القادر والسيول فى محافظتى الإسكندرية والبحيرة العام الماضى بعد فشل الأجهزة التنفيذية للمحافظتين لمجابهة آثار تلك السيول.


إن دور القوات المسلحة المصرية فى وأد والقضاء على الفتنة الطائفية وخاصة فى قرى الصعيد كان واضحا وجليا فى إعادة النازحين عن مساكنهم بعد إعادة بنائها أو ترميمها وكذلك لدور العبادة المعتدى عليها.


ان القوات المسلحة المصرية أخذت على عاتقها خلال الأربعة عقود الماضية بإمداد سوق العمل المصرية بالعمالة المهنية والحرفية المؤهلة قبل انتهاء مدة الخدمة العسكرية للمجندين وكذلك السائقون من الدرجة الاولى بالإضافة لتأهيل شباب الخريجين بنظم وتكنولوجيا المعلومات لتهيئتهم للوظائف الجديدة فى مجال العمل.


إن المدارس الرياضية العسكرية ومشروع البطل الأوليمبى والتى تبنته القوات المسلحة قد أتى وجنى ثماره خلال الأعوام الماضية وخاصة الألعاب الفردية.


بالإضافة إلى كثير من المشروعات والأعمال على مستوى الجيوش والمناطق بالتنسيق مع المحافظات لدفع عجلة التنمية فيها.


في مجال الإسكان تم إنشاء مليون وحدة سكنية كانت باقورتها إنشاء حي الأسمرات في إطار مكافحة العشوائيات ذلك ببناء عشرة آلاف وحدة سكنية خلال ستة شهور.


القوات المسلحة ومقاومة الفساد


إن الفساد في مصر يضرب بجذوره من عقود وأصبح معوقا للتنمية الشاملة وتقدم هذا الوطن وتحقيق رفاهيته أو حتى الاحتياجات الأساسية لأفراد الشعب.


وذلك باسغلال موارد وإمكانيات الدولة لصالح مافيا الفساد وظهر ذلك جاليا في تنفيذ المشروعات حيث تمتد لمدد تنفيذ طويلة مما يزيد التكلفة لأى مشروع فكان اشتراك القوات المسلحة فى أول عمل لهابإنشاء كوبري السيدة زينب في السبعينيات حيث نفذته القوات المسلحة بثلاثة ملايين جنيه، وكانت ترسية العطاء للشركات المنفذة تقدر بخمسة عشر مليون جنيه في ذلك الوقت واستمر الحال حتى الآن تتدخل القوات المسلحة لتخفيض الأسعار والمدة الزمنية وكسر الاحتكار والحفاظ على أموال الشعب.


واخيرا ظهرت مشكلة أساسية تؤثر على الأجيال القادمة مثل مشكلة ألبان الأطفال حيث تقدر عدد الأطفال المطلوب لهم ألبان في مصر ٢٠٠ألف طفل تقريبا كل ستة شهور وهم إما أن يكونوا أطفالا مبتسيرين أو لأمهات لا يستطعن رضاعة أولادهن لظروف مرضية، فعند نقص هذه الألبان تؤثر على النمو الصحيح لهؤلاء الأطفال مستقبلا أو تدخلت مافيا استيراد الألبان في صناعة هذه المشكلة بالتخزين لإظهار النقص في المجتمع وزيادة الأسعار فهنا أعلنت القوات المسلحة تدخلها لإنقاذ هذا الموقف وأعلنت باستيرادها الكميات المطلوبة وستطرحها في الأسواق اعتبارا من يوم ١٥/٩/٢٠١٦م وبسعر ٣٠جنيها للعبوة وهي يعادل نصف الثمن المطروح من الشركات، وهنا ثارت ثورة أصحاب المصالح الفاسدين وبدأت حملة التشكيك في القوات المسلحة فمن ادعى أنها تخزن الألبان لزيادة الأسعار ومنهم ادعى أنها تحارب الشركات القائمة بالاستيراد لتحقيق مكاسب شخصية للقوات المسلحة رغم أنهم يعلمون أن بيان المتحدث العسكري عندما حدد توقيت طرح السلع بالسوق وتخفيض سعرها وهذا يعني انذارا للشركات المخزنة للألبان كي تدفع بما تخزنه في الأسواق حاليا قبل أن تخسر ما كانت تظن أن تحصل عليه من أرباح من دم هذا الشعب وبالتالى توفيره فى الأسواق والقضاء على الأزمة المصطنعة والمغرضة.


- إن ما قامت به القوات المسلحة وتقوم به لصالح التنمية فى مصر لم ينسها مهمتها الأصلية فقامت بتحديث معداتها وتسليحها خلال العامين الماضيين بما لم يحدث منذ حرب أكتوبر١٩٧٣م ولم تتوان أو تتقاعس عن محاربة الإرهاب فى سيناء وعلى أرض مصر كلها فى ذات الوقت وحققت ما لا يتوقعه أحد (خاصة الدوائر الأجنبية) من نتائج إيجابية فى مكافحة هذا الإرهاب الدولى المنتشر فى المنطقة العربية والمدعوم دوليا وهى مستمرة فى ذلك على جميع الاتجاهات الاستراتيجية المصرية.


- فهل هذا العمل الذي تقوم به القوات المسلحة وهو من صميم عملها لسد فجوة أو تحد أو تهديد لمجال من مجالات الأمن القومي مثل المجال الاقتصادي والمجال الاجتماعي يعتبر عملا تجاريا تنافسيا أم عملا إيجابيا لصالح الشعب وهل آن الآوان لنا كشعب أن نعي حجم التشكيك والمغالطات الدائمة والمستمرة في أعمال وخدمات القوات المسلحة.


- إن الهدف المباشر والدائم والأساسى والرئيسى للقوات المسلحة المصرية هو حماية الأمن القومى بمفهومه الكامل الجامع الشامل ولا يمكن حصر دورها فى المجال العسكرى فقط ، وغض الطرف والنظر عما يحدث بالدولة من أحداث وأزمات وكوارث تتسبب فى زعزعة الاستقرار والتأثير على عجلة التنمية دون التدخل وحل تلك الأزمات ومكافحة نتائج الكوارثوالحد من عواقبها. فحماية الأمن القومى لا تقف عند المفهوم العسكرى فقط ولكنها تشمل الأمن السياسى الاجتماعى والاقتصادى والأمنى والعسكرى والبيئى، فإذا حدث أى خلل فى أى عنصر يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومى للدولة، كما أنه يؤثر على استقرارها ووحدتها.