بناء الكنائس بين النشطاء والسلفيين

07/09/2016 - 2:20:02

بقلم: جمال أسعد

من المعروف أن القانون أى قانون يجب أن يواجه مشكلة مجتمعية حالة قد وصلت إلى درجة جعلت المجتمع بعلاقاته غير مستقر الشىء الذى يمثل حالة قلق وتوتر ونتائج سلبية لا تصب فى صالح أحد . فى ذات الوقت لابد أن يكون هناك قبول عام لدى الشارع السياسى والرأى العام بأهمية هذا التشريع حتى يمكن أن يكون هناك تجاوب جماهيرى للقانون عند تطبيقه وعلى ذلك قد وجدنا أن قانون ترميم وبناء الكنائس ومنذ ما يسمى بالخط الهمايونى عام ١٨٥٦ وحتى الآن يكون الحديث عنه ذات مسارات متعددة ومتعرجة ومتداخلة حيث إن الرأى العام ومنذ الفتح الإسلامى لمصر خاصة والشارع الإسلامى قد تكون لديه قناعات تراثية واجتهادات فكرية وممارسات عملية بعدم وجوب بناء الكنائس حيث إن الواقع حين ذاك قد أفرز تلك القناعات نظيراً للمعطيات السياسية ونظم الحكم التى خلطت بين الدينى والسياسى ليس حبا فى الدينى ولكن كان هذا توظيفاً للدينى لصالح السياسى.


فإذا كان للسياسى حججه وقدرته المادية والسلطوية فللدينى خاصة فى مصر القداسة المطلقة ليس للنص الدينى فقط والذى هو أساس العقيدة وصحيح الإيمان ولكن تحول هذا إلى الذات والآراء والاجتهادات والتفاسير التى فى أحيان كثيرة لا تتفق مع صحيح النص بل تتناقض مع المقاصد العليا للدين ذاته.. ولذا فقد اقتنع الضمير الجمعى بعدم مشروعية وشرعية بناء الكنائس. ولما كانت هذه القناعات تمثل نسبة مقدرة فى الشارع السياسى خاصة لأصحاب الصوت العالى دينياً ولمن يربطون مصالحهم الذاتية والسياسية والتنظيمية فدائماً ما تسير العامة غير المدركة وغير المثقفة وراء كل ما هو مبرر دينياً وأياً كان هذا التبرير . وذلك يعنى أن النظام السياسى أى نظام وأياً كانت اتجاهاته وتوجهاته لا يستطيع البتة تجاهل هذا الشارع ولا الاكتراث بهذا الرأى العام. لأنه لا يوجد ما يسمى بتطبيق القانون قسراً أو قهراً خاصة لو كانت المشكلة التى يعالجها هذا القانون ذات طابع دينى وتمتلك تراكماً تاريخياً طويلاً قد تشعب فى الإطار السياسى والاقتصادى والاجتماعى والأهم هو وجود مناخ طائفى يغذى هذا المناخ ويؤكد تلك القناعات كل هذا يعنى أن قياس حالة ردود الفعل والنتائج المترتبة على ذلك تمثل تهديداً أمنياً، وهذا تحليل طبيعى فى سياق الواقع لا علاقة له بالسلوك الطائفى الذى قد يصيب بعض هؤلاء المسئولين عن الأمن وعن هذه التقارير فالطائفة وسلوكها ليست قسراً على أحد لأن الجميع هم أبناء هذا المجتمع وذاك المناخ وتلك القناعات ولو بنسب متفاوتة . ولكننا هنا نحاول توصيف وتحليل هذا الواقع الطائفى. وبالطبع لا نقول هنا غير أن المناخ الطائفى هو قاصر على الشارع المسلم بل هو مرضى قد أصاب الجميع ولو عن طريق الوراثة الخاطئة لأفكار خاطئة من كلا الجانبين الإسلامى والمسيحى، وإن كانت نتائج السلوك الطائفى إيجابية فى بعض الأحيان مثل الاعتداء على الكنائس وحرقها مثل حوادث كثيرة أهمها تاريخياً حرق الكنائس بعد فض رابعة يوم ١٤ أغسطس ٢٠١٣ بتحريض وتنفيذ التيار الإسلامى السياسى بأغلب فصائله لأنه كما قلنا سابقاً إن موضوع عدم جواز وجود كنائس فيما يسمى بلاد الإسلام غير شرعية ويمكن أن تكون على الجانب الآخر الطائفية سلبية فى إطار الاعتداءات المادية ولكن كلا منهم يصب فى قناة واحدة وينتج ذات النتائج السلبية التى أبسطها شق الوطن وتفتيته وإعطاء الفرصة للآخر الخارجى أن يلعب بهذه القضية ودائماً ما يستغل هذه الورقة على مدى التاريخ. ولذا فعندما نجد من يتاجر ويستغل هذه القضية وتلك المشكلة من الجانبين سواء من من يسمون بنشطاء الأقباط أو من السلفيين فأولئك وهؤلاء تسيطر عليهم الطائفية ولا يجيدون قراءة الواقع السياسى والأهم هم لا يسعون إلى طريق الحل الصحيح بهدف حل المشكلة ولكنهم يزايدون ويتاجرون بها حيث إن فى تواجد المشكلة تواجدهم وفى حلها غيابهم وضياع مصالحهم المادية والمعنوية ولذا فقد وجدنا هؤلاء النشطاء وتحت مسميات طائفية مثل تنسيقية الأقباط وأقباط متحدون وماسبيرو .. الخ وهذه المسميات طائفية منذ البداية وكذلك يتم طرح المشكلة على أرض طائفية حتى ولو شاركهم بعض الشخصيات العامة المستنيرة . ولكن الأهم أن هؤلاء لا يتعاملون بالمنهج السياسى الذى يقرأ الواقع قراءة صحيحة حتى يجد الحل الصحيح وليس العكس. بمعنى أن الشارع تربى على أفكار ضد بناء الكنائس . ويوجد متطرفون يمارسون التطرف بسبب قناعاتهم الخاطئة والنظام لا يستطيع مواجهة الشارع خاصة أن المتطرفين يتحدون النظام ويسقطون القانون ولذا يجب أن يكون هناك رأى عام مواجه لهذا الرأى وبالطبع يكون من المسلمين العقلاء والفاهمين أى أنه لا يجب أن يتم استفزاز هذا الشارع لمحاولة تحييده حتى نهيئ الرأى العام لقبول القانون فهل الحديث عن مقارنة بناء المساجد بالكنائس يكون فى توقيته؟ وهل القضية هى تمرير القانون أم تعويق بناء المساجد حيث سيكون رد فعل ذلك الطرح كذلك؟ وهل من الحكمة خلط قضية بناء الكنائس بما يسمى بحقوق الاقباط ؟ فماذا تريدون وإلى أى هدف تقصدون أيها المتاجرون الطائفيون وهنا لا نعرف قانونية تلك المنظمات غير المشروعة فهذه ليست أحزاباً رسمية وقانونية كذلك ليست جمعيات أهلية مسجلة بوزارة التضامن الاجتماعى. فهل هذه سلوكيات تصب لصالح الأقباط ولصالح الوطن؟ ولماذا لا تنضم هذه الجماعات إلى الأحزاب ونطالب بهذه المطالب فى الإطار السياسى حتى تكون هذه القضايا قضايا سياسية تهم وتعنى كل المصريين وليس الأقباط فقط. خاصة أنه طالما حاصرنا هذه المشاكل فى إطارها الطائفى لا ولن يتجاوب معها الشارع المسلم لأن هذا سيكون طبيعيا لأنها كمشاكل لا تخصه ولا يعانى منها فهناك كثير من المشاكل يعانى منها الجميع وتتطلب تضافر وتوحد الجميع . وعلى الجانب الآخر قد وجدنا حزب النور السلفى يرفض القانون فى البرلمان ليس من باب القناعة السياسية أو الممارسة الديمقراطية حيث إن هناك الكثيرين الذين رفضوا القانون لعدم اتفاقه مع قناعاتهم ولا مع ما كانوا يصبون إليه أو لوجود ملاحظات على بعض المواد وهذا طبيعى فى إطار الممارسة البرلمانية . ولكن النور السلفى رفض من حيث الفكر الدينى الذى يعتنقه وليس الدين رفض من منطلق القناعة أن الاقباط يأخذون حقوقهم أكثر من المسلمين وأنهم لا يحتاجون إلى كنائس فهم يريدون زرع الأرض كنائس وتحويل مصر إلى دولة مسيحية فى الوقت الذى يقر فيه الدستور حسب رؤيتهم أن مصر دولة إسلامية وبالطبع تلك الممارسات وذلك الموقف وهذه التصريحات هى نوع من إثبات الوجود السياسى الذى تراجع خاصة بعد نتائجهم المتواضعة فى البرلمان وما يصبون إليه في المحليات القادمة . أيضاً ذلك الموقف هو امتداد طبيعى لموقف النور النفعى البوجماتى الذى يعتمد على مبدأ التقية الشيعية هو ترجمة لتعاليم برهامي الأب الروحى للنور وهو فى ذات الوقت رسالة خطيرة لاتباعهم ولمريديهم أن يسيروا على الطريق ويظلوا رافضين لبناء الكنائس وحرقها إذا لزم الأمر . هنا من حق كل أحد أن يؤمن بما يريد من فكر أو عقيدة ولكنه ليس من حق أحد أن يمارس عملاً سياسياً برلمانيا يشارك فى اتخاذ القرار من نفس الأرضية الفكرية التى تتعارض مع صحيح الدين من وجهة نظر الكثيرين وهى هذا الدستور وتمثل تهديداً حقيقياً لسلامة الوطن. فالفكر غير العمل والسياسة غير الإرهاب نعم النظام يجامل النور وهو حزب دينى غير دستورى لمشاركته فى ٣ يوليو وحتى لا يتهم النظام أنه ضد الإسلام وليس ضد التنظيمات المتاجرة بالإسلام وتريد خطف الوطن. نعم النظام لا يملك غير الموافقة السياسية والتى اقتنعت بها الكنائس عند موافقتها على القانون ولكن المشهد خطير والطائفية تتصاعد والطرفان يمثلان خطورة حقيقية . وتلك السلوكيات من هنا وهناك تؤكد الدولة الدينية بامتياز ولذا فالقانون ليس ولن يكون نهاية المطاف. فهو الخطوة الأولى فى طريق طويل وشاق والأهم هو القضاء على المناخ الطائفى. وتعميق العلاقات الإنسانية وقيام الجميع بدوره قولاً وعملاً بعيداً عن الشعارات الفارغة حتى تكون مصر لكل المصريين.