كيف يعتبر السلفيون بناء كنيسة توغلا للأقباط فى المجتمع؟

07/09/2016 - 2:17:14

د. سامح فوزى

الاختلاف بين التيارات الإسلامية فيما يتعلق بالشأن القبطي- كما يقول علماء المنطق- في الدرجة، وليس في النوع، هم يجمعون على اعتقاد جازم بأن الأقباط «مواطنون من الدرجة الثانية» أو «ذوات منقوصة المواطنة»، لا يدركون مفهوم «الدولة القومية» أو «الدولة الوطنية» التي تقوم على حق المواطنة الكاملة لكل مواطنيها المقيمين على أرضها، ويعلنون في – باطنهم وظاهرهم- انتماءهم للدولة الإسلامية.


سألت يوما أحد المراجع الإسلامية المعتبرين ما تعريف «الدولة الإسلامية». أجاب، وهو الفقيه الحاصل على الدكتوراه في الفقه من أفضل جامعات العالم : أفهم أن هناك دولة غالبية سكانها من المسلمين، وأعرف كذلك أن هناك دولة تهتدي بمبادئ الشرع الإسلامي، ولكن الدولة التي تتحدث عنها التيارات الإسلامية لا أعرفها، وهي دولة كهنوت، لا وجود لها في الإسلام.


تنطلق نظرة التيارات الإسلامية إلى الأقباط من ثلاثة منطلقات:


أولا: الدولة إسلامية، المواطنة الكاملة فيها للمسلمين، أما غير المسلم فهو إما ذمي يُطلب منه الجزية (التصور الكلاسيكي)، أو ذمي معدل – حسب وصف تعبير الراحل الدكتور وليم سليمان قلادة- عليه أن يكون في وضع أدني من المسلمين على صعيد التمثيل السياسي، والحقوق الثقافية، قد يٌطلق عليه مسمى «مواطن»، لكنه لا يمتلك فعليا الحقوق التي تفرضها هذه الصفة قانونا أو سياسية أو ثقافية.


ثانيا: المسيحيون وسط المسلمين، ولاؤهم مشكوك فيه، هم مسيحيون، والغرب كذلك مسيحي، يجب احتضانهم شكليا في لحظات استضعاف المسلمين، أو استخدامهم ورقة في التعامل مع الغرب، أو تعاملهم على نفس الدرجة التي يتعامل بها الغرب مع المسلمين الذين يعيشون في بلدانه. ويتجاهل أصحاب هذا الاعتقاد أن المسيحيين في مصر كانوا في طليعة من قاوموا المحتل الأجنبي، ورفضوا التعامل معه عبر العصور.


ثالثا: الوطنية صنم، أما الأممية الإسلامية فهي القاعدة والأساس. أن يحكم مصر ماليزي مسلم لا مانع، العلم والنشيد الوطني صنم، لا يجب احترامه أو تبجيله، وبالتالي فإن رابطة المواطنة ليست أساسا لتأسيس الدولة، أو عقدا اجتماعيا يلتف حوله المصريون، لكن المعتقد الديني يعلو على الوطنية، هو المقدس الذي لا يضاهيه نسبي.


رابعا: المجتمع ينقسم إلى مسلم وغير مسلم، وبالتالي فإن الاختلاط أو تبادل التهاني أو ما شابه موالاة غير مقبولة من المسلمين لغير المسلمين، وبالتالي لا يصح اتخاذ أصدقاء منهم أو التماهي معهم، حتى وفق الخرائط الطبقية والاجتماعية، لأن في ذلك تشبها بالكفار. ألم نسمع من يقول بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم، أو رفض أن تستعين الأسرة المسلمة بمربية أو خادمة غير مسلمة، أو عدم ترحم المسلمين على موتى المسيحيين باعتبارهم كفارا، لا يُطلب لهم رحمة أو حتى عدم المبادرة بإلقاء السلام عليهم، أو الذهاب إلى كنائسهم لأداء واجب اجتماعي وهكذا.


بالطبع تتراوح التيارات الإسلامية في موقفها تجاه المسيحيين، بعضها ينهج التشدد الكامل، وبعضها يبدي بعض المرونة، لكن في النهاية يجمع كل أصحاب هذا المعتقد السياسي- وليس الديني- النظرة الفوقية، والشعور بالسمو، وعدم الإقرار بمساواة المختلف في المعتقد الديني معه.


بناء الكنائس يمثل بالضرورة مختبرا مهما للحركات الإسلامية، فهي مبني مسيحي، يعلوه صليب، وتدق الأجراس، ويرتاده المسيحيون.


ذهب يوما مفتي الإخوان المسلمين الشيخ عبد الله الخطيب في فتوى شهيرة طالب فيها بهدم الكنائس في البلاد التي فتحها المسلمون عنوة مثل الإسكندرية، وترك الكنائس دون إحلال أو تجديد أو ترميم في البلاد التي فتحها المسلمون صلحا، أما في الأماكن التي استحدثها المسلمون مثل العاشر من رمضان أو السادس من أكتوبر وغيرها لا يجوز إقامة كنائس بها على الإطلاق- عذرا لم يقل كنائس ولكن وصفها بالأشياء.


عاد الإخوان المسلمون وقالوا إنه رأي شخصي يمثل قائلها ولا يعكس رأي الجماعة التي لم تفصح عنه صراحة في أي مناسبة. في حوار مع المستشار مأمون الهضيبي عام ١٩٩٤م سألته صراحة هل الأقباط مواطنون أم أهل ذمة، أجاب الاثنان. قلت أريد توصيفا أكثر تحديدا قال: أهل ذمة. وعندما سألته عن بناء الكنائس، قال يمكن النظر في القواعد القانونية القائمة إذا لم تعد ملائمة، ويمكن أن يفوض المحافظ في اتخاذ قرارات بهذا الشأن، لكن الكنائس تبني للاحتياج، وليس للمباهاة أو تكون مجرد علم في الأرض.


هذه ذهنية الحركة الإسلامية تجاه بناء الكنائس، قد تجد اختلافات محدودة بين تيارات أو أشخاص، لكن هذا المبدأ: الاحتياج إلى بناء كنيسة، ليس الغرض منه المباهاة، والخوف من أن يؤدي ذلك إلى وجود كنيسة في كل مكان، ويبدو أن هذا الاعتقاد تسرب مجتمعي عند أطراف ليست من الحركة الإسلامية، لكن باتت تؤمن بهذا النمط من الشعبوية الدينية.


عشية التصويت في مجلس النواب على مشروع قانون بناء وترميم الكنائس، صرح أحد نواب حزب النور السلفي هو الدكتور أحمد العرجاوى، ويشغل وكيل لجنة الصحة بالبرلمان، بأن الدستور نص على أن دولتنا «إسلامية»، والدستور لم يذكر أننا دولة مسيحية، ولما الغرب يعمل للمساجد زى ما بيعملوا للكنائس يبقى إحنا نقول نعم للكنائس.


وأضاف: «نحسبها بكل المقاييس وعدد السكان والمساحة هنلاقى هذا هو وضع الأقباط، ولا يمكن أن يتوغلوا أكثر من ذلك، وإزاي مينفعش آخد القرار من كبار المسئولين في بناء الكنائس ويكون القرار في أيدى سكرتير الوحدة المحلية، وبعدها نلاقى في كل عزبة وكل مكان «كنيسة»، فهذا ليس منطقا، لافتا إلى أن جميع الأقباط يعيشون في مصر بكل أمان وبكامل حريتهم في عبادتهم، واحنا بنحترمهم، وهم شركاء الوطن ولهم كل الحقوق، وهذا لا يعنى أننا نترك الحبل على الغارب».


ما ذكره هذا النائب «الطبيب»، يجسد نظرة الحركة الإسلامية لبناء وترميم الكنائس، ويعكس المنطلقات السابق الإشارة إليها في النظرة إلى الأقباط.


الدولة إسلامية، والدستور لم يقل إنها دولة مسيحية، وبالمناسبة لم يقل الدستور كذلك إنها دولة إسلامية. هي دولة مواطنين، حكمها مدني، تخضع للمبادئ الكلية للشريعة الإسلامية، والتي لا تقف حجر عثرة في سبيل حرية العبادة لغير المسلمين، والذين اختصهم الدستور بنصوص تؤكد على المساواة، وحرية الرأي والاعتقاد، الخ.


أقباط مصر يعاملون كما يجب أن يعامل المسلمون في الغرب، وهي مغالطة تاريخية، وجهل فاضح بحقائق الاندماج الوطني، فعندما أقر ما يعرف بالخط الهمايوني عام ١٨٥٥م لم يكن هناك مسلم واحد في الغرب سوى الرحالة والمغامرين أو الدارسين، وعندما صدرت شروط العزبي باشا وكيل وزارة الداخلية عام ١٩٣٤م لم يكن هناك حضور من جانب المسلمين في الغرب، وعندما خاض المسلمون والأقباط في مصر نضالهم من أجل الديمقراطية، والاستقلال، وحاربوا معا دفاعا عن الأرض، واستشهدوا معا، لم يكن هناك حديث عن مسلم ومسيحي، أو شرق وغرب. والغرب الذي يتحدث عنه نائب الأمة (لاحظ مصطلح الأمة) قبل أن ينتخب «عمدة مسلم» في واحدة من أكبر عواصم العالم- لندن- في حين لم يقبل المجتمع المصري عقب ثورة ٢٥ يناير التي جسدت حضور المسلمين والمسيحيين معا أن يكون هناك محافظ قبطي.


الأقباط يُستضافون في المجتمع المصري، لكن لا يجب أن يتوغلوا حسب تعبيره، وهو مصطلح عسكري أو أمني، وليس إنسانيا أو وطنيا، التوغل، والانتشار، هو مصطلح يناسب الجراثيم التي يعني بها نائب «الأمة» بحكم عمله المهني، أي انتشار ما ليس مرغوبا فيه، أو ما يجب حصاره والحد منه، والذي لا ينبغي ترك الحبل له على الغارب، كما قال، وهو تعبير ينم عن أن السيطرة هي أساس العلاقة، يجب على المسلمين – أو الدولة الإسلامية المعبرة عنهم- أن تمسك الأقباط بحبل، لا تتركه لهم على الغارب، تشده حينا، وتقيده بهم أحيانا، لكن لا يفكون منه.


الحديث في هذا الشأن قد يطول، ولكن يثبت حزب النور السلفي، وهو ليس استثناء عن الحركات الإسلامية بوجه عام، أن إدراكه للوطن مشوه، وحواره حول المستقبل غير استيعابي بل استبعادي، وأيا كان موقفه من قانون بناء الكنائس، فقد اعترض عليه بعض الأقباط من منطلق الرغبة في المساواة، وإقرار قانون موحد لبناء دور العبادة للمسلمين والمسيحيين، فإذا بهم يرتطمون بفكر ينكر عليهم أن يكون لهم أصلا تنظيم بناء الكنائس، ويتركهم لثقافة المنح والمنع، شد الحبل أو تركه قليلا، ولا عزاء للمواطنة، إن قانون بناء الكنائس الذي أقر منذ أيام ليس نهاية المطاف، لأن هناك إدارة قد تكون تأثرت بالشعبوية الدينية، وجمهور سلفي ينكأ الجراح، ويثير الغبار، ودولة تحتاج إلى إرادة تفرض حق المواطنين في أداء شعائرهم الدينية، وتنتصر لحكم القانون.