تجديد الخطاب الفكرى.. المهمة المقدسة الممكنة

07/09/2016 - 1:24:19

بقلم: د. حسين عيسى

عندما دعيت من الأساتذة الأعزاء غالى محمد، رئيس التحرير، وسليمان عبدالعظيم، مدير التحرير، لأكتب فى مجلتى المفضلة المصور انتابتنى حيرة شديدة فعن ماذا أكتب وبأى شكل أطل على القارئ العزيز فى ظل صخب وضجيج إعلامى لا يتوقف صباحًا ومساءً عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى. واهتديت إلى عنوان «تأملات فى المسألة المصرية » لكى يكون عنوانًا عامًا لسلسلة من المقالات تتناول الشأن المصرى بكل أبعاده المصرية والعربية والإقليمية والدولية لعلنا نساعد فى إنارة العقول وشحن الوجدان بقيم إيجابية تبعث على التفاؤل وتحث على التغيير والتنوير المنشود لمختلف مجالات حياتنا فى مصرنا الغالية.


وأبدأ اليوم بمناقشة قضية أراها شديدة الخطورة والحساسية، وهى قضية تجديد الخطاب الفكرى، والذى تحدث عنها رئيس الجمهورية أكثر من مرة، وفى أكثر من مناسبة، مناشدًا الأزهر الشريف وكل التيارات الثقافية المختلفة لأن يساهموا فى وضع ملامح وخطط وآليات واضحة لعملية تجديد الخطاب الفكرى، التى ينتظرها المجتمع المصرى والعربى أيضًا.. وأحب فى هذا الصدد أن أشير إلى النقاط التالية:


تجديد الخطاب الفكرى أكثر شمولًا وعمقًا من تجديد الخطاب الدينى فقد يفهم أن تجديد الخطاب الدينى ينصب على إعادة فهم وصياغة دور الدين فى حياتنا وكيفية تفسير وتطبيق النصوص الدينية فى حين أن تجديد الخطاب الفكرى يشمل الرؤية الفكرية للحياة والكون من خلال الخطاب الثقافى المطروح، والذى يحتوى على أبعاد دينية واجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، وليس التركيز على البعد الدينى فقط.


البعض ينظر إلى تجديد الخطاب الفكرى كمهمة مستحيلة فى ظل حالة الاضطراب والتخبط التى أصابت معظم المصريين، ولا أستثنى منهم النخبة فى حين أننا يجب أن نتكاتف جميعًا لنحول هذه المهمة إلى مهمة ممكنة، وليست مستحيلة، وفى حقيقة الأمر فهى ليست مهمة ممكنة فقط، ولكنها مهمة مقدسة أيضًا فمصر عبر تاريخها الطويل لم تكن فى حاجة إلى إنجاز هذه المهمة كما هى فى حاجة إليها الآن.


هناك أعراض عامة فى المجتمع تشير إلى حتمية تجديد الخطاب الفكرى، ولعل رفض نواب حزب النور بمجلس النواب لقانون ترميم وبناء الكنائس ثم رفضهم لقانون تجريم ختان الإناث يوضح فداحة الخلل الفكرى، الذى أصاب فئات عديدة فى المجتمع.


يخطئ من يتصور أن تجديد الخطاب الفكرى هو مسئولية جهة بعينها، فالآمر يحتاج إلى جهد وكفاح مشترك بين المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدنى والأسرة المصرية.


هناك خلط واضح بين الدين والسياسة.. فالدين ينظم العلاقة بين الإنسان والخالق العظيم، كما ينظم العلاقة بين الإنسان والآخرين بما يحويه من عقائد وعبادات وفقه.. والقوة الروحية والقيم الأخلاقية المستمدة من الأصول الصحيحة للدين لها دور كبير فى إسعاد الإنسان وخلق حالة فريدة من التوازن العقلى والنفسى لدى البشر.. أما السياسة فهى تقوم على كل ماهو متغير من أفكار ونظم سياسية تختلف باختلاف الزمان والمكان والموقف.. وبالتالى فإن محاولة البعض للخلط بين الدين والسياسة تشكل تضليلًا واضحًا وإهدارًا لقيمة الدين وإحداث إضطرابات سياسية لا معنى لها.


البعض يفرق فى المعاملة بين الناس حسب الديانة وليس وفقًا لمعايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء.. وهذا أمر يحقق انعدام تكافؤ الفرص وينشر الإحباط بين مختلف فئات وطوائف المجتمع.. وقد كانت مصر دائمًا رمزًا متوهجًا للوسطية والاعتدال الفكرى وكان المنتج الثقافى متألقًا فى جوانبه الأدبية والفنية بشكل يحقق التوازن بين كل الأطياف والاتجاهات.. إلا أنه فى العشرين سنة الأخيرة لاحظنا جميعًا الميل الحاد إلى الانغلاق الفكرى والتفسير الضيق للنصوص ومحاربة الثقافة الحقيقية بدعاوى مختلفة غير موضوعية.


البعض لديه انفصام تام بين الاعتقاد والسلوك.. فالكثيرون منا يضعون هذا الحائط العالى بين الانفلات السلوكى والانهيار الأخلاقى فى المعاملات من ناحية والالتزام الشديد فى العبادات من ناحية أخرى.. وهذا يؤدى إلى عدم إدراك الدور الحقيقى للإنسان فى هذه الدنيا.. فالله سبحانه وتعالى غنى عن عباده وعباداتهم على مدى الدهر.. ولكننا نحن الذين فى حاجة إلى عبادته والتسبيح بحمده، لقدخلق الإنسان لتعمير الأرض وبسط الرزق وإسعاد الآخرين ونشر قيم الحق والخير والعدالة ولم يخلق لكى يقتل أو يذبح من يخالفه الرأى والعقيدة.


تقوم نظم التعليم فى مصر على الحفظ والتلقين بعيدًا عن الإبداع والابتكار، مما يساعد على انتشار الأفكار الظلامية والتى لا تجد أى مقاومة عند الانتقال من جيل إلى جيل.. ناهيك عن وجود عدد لا يستهان به من المدرسين ممن يعانون من مشاكل نفسية واجتماعية وثقافية تحقق مبدأ فاقد الشىء لا يعطيه.. ويمكن أن نكتب أبحاثًا مطولة حول دور التعليم فى تجديد الخطاب الفكرى لشعب مصر.. وحتى لانغرق فى أوهام وخيالات علينا أن نضع استراتيجية جديدة للتعليم شديدة الإيضاح والتركيز تدور حول تصميم وتنفيذ منظومة جديدة للتعليم مع الاستعانة بتجارب الدول الناجحة فى هذا المجال، وأن يكون الهدف واضحًا ومحددًا وهو إعادة صياغة العقل والإدراك الجمعى من خلال خطاب فكرى جديد يقوم على الثقافة والمعرفة والابتكار.


الثقافة هى سر الحياة.. والإنسان المثقف بما له من آراء واتجاهات فكرية يمكن أن يلعب دورًا مؤثرًا فى تجديد الخطاب الفكرى من خلال تقييم القائم وعرض الجديد وقياس الاثر على المتلقى.. ولعل أجيالًا عديدة تفتقد الآن عمق أفكار العقار وطلاقة أسلوب طه حسين وإبداعات توفيق الحكيم والبناء القصصى لنجيب محفوظ وغيرهم من قامات مصر العظيمة، التى ساهمت دون شك فى إيجاد خطاب فكرى شديد الرقى والتحضر والمعاصرة نفتقده الآن وبشدة.. لذلك يجب أن تتاح كل الوسائل والسبل أمام الأدباء والمفكرين لنشر انتاجهم وإحياء مشروعات الترجمة وتشجيع أعمال وأنشطة النقد الأدبى حتى نصل إلى ملامح منظومة فكرية جديدة تتلاءم مع مقتضيات وظروف العصر الذى نعيشه والذى يتسم بأقصى حالات التغير وعدم الثبات واختلاط المفاهيم والأفكار.


لا يمكن إنكار دور الإعلام فى تجديد الخطاب الفكرى.. ولكن أى إعلام.. هل الإعلام الحالى، الذى يساهم فى نشر حالات اليأس والإحباط أم إعلام تنموى تنويرى يقوم على نشر المعلومات الصحيحة والتحليل الأمين للأحداث وقراءة الواقع واستشراف المستقبل.. الإعلام فى حاجة إلى استراتيجية ومنظومة جديدة تساهم فى تجديد الخطاب الفكرى.


•نزوح آلاف الأسر المصرية إلى العمل بدول الخليج وغيرها من الدول فى الثلاثين عامًا الأخيرة، وعودتهم بعد ذلك قد أدى إلى تعرض هذه الأسر إلى اتجاهات فكرية متطرفة بعيدة عن وسطية مصر المتسامحة وإسلامها المعتدل.. وبالتالى نحن فى حاجة ماسة إلى إعادة صياغة دور الأسرة المصرية فى تجديد الخطاب الفكرى للمجتمع المصرى، وذلك من خلال تنظيم حملات علمية منظمة لتوعية الأسرة بدورها فى التربية السليمة وقيام الجامعات ومنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية بتنظيم دورات تدريبية لعرض أحداث الاتجاهات العلمية فى أسس وأساليب التربية ودعم مشاركة الأسرة المصرية فى أعمال تنمية البيئة والمجتمع، مما يؤدى إلى تعميق مفهوم المواطنة وترسيخ القيم التنموية البناءة.


ونأتى إلى المؤسسات الدينية ودورها البالغ الأهمية فى تجديد الخطاب الفكرى للمجتمع.. فالأزهر الشريف فى حاجة إلى إنطلاقة كبرى تقوم على علماء يجددوا ويفكروا ويربطوا ثوابت الاسلام بمتغيرات الحياة مما ينير العقول المظلمة ويحيى الأمل فى النفوس البائسة.. كما أن الدور الوطنى للكنيسة المصرية لا يمكن انكاره ومن الممكن ان تتعاون الكنيسة مع الأزهر فى إقامة العديد من الأنشطة والفعاليات التى تجمع ولا تفرق.. تنير ولا تظلم.. تنشر الحق والخير وتدعم قيم الإنسانية والديمقراطية والحرية.


إننى أدعو السيد رئيس الجمهورية إلى تشكيل لجنة علمية تضم قامات مصر العظيمة فى مختلف مجالات التعليم والثقافة والإعلام والفكر الدينى والتربية تضع لنا خطة واضحة متكاملة لتجديد الخطاب الفكرى للمجتمع المصرى تقوم على تطوير نظم التعليم ومنظومة الإعلام والثقافة والتأكيد على دور الأسرة والمؤسسات الدينية على أن تشمل هذه الخطة أهدافًا محددة وسياسات للتنفيذ وأساليب للمتابعة والتقييم.. نحن فى أشد الحاجة إلى البدء فى هذه المهمة الجليلة الممكنة والتى لا أعتقد أن هناك مصريًا وطنيًا يمكن أن يتردد فى المعاونة والمساهمة فى هذا الأمر، فنحن بذلك نبنى المستقبل ونزرع الأمل ونطمئن على أولادنا وشبابنا.