محاولات إحياء جماعة ميتة «كتلة التحالف» وعودة الإخوان للحياة

07/09/2016 - 12:18:43

بقلم : ثروت الخرباوى

دخلت جماعة الإخوان عبر تاريخها في أزمات كبرى، ولكنها بعد كل أزمة كانت تعود إلى الحياة مرة أخرى بعد أن ظن كل الناس ألا عودة لها! ففي زمن الملكية ارتكبت الجماعة في لحظات غرور حمقاء عدة اغتيالات، كان آخرها اغتيال النقراشي رئيس الوزراء، ومن بعدها حدثت واقعة اغتيال حسن البنا، فكان أن اختفت الجماعة من الوجود لمدة عامين، إلى أن أعطاها الملك فاروق قبلة الحياة عندما دفع بالمستشار الهضيبي التابع له كي يكون مرشدا لها.


وفي زمن عبد الناصر ارتكبت الجماعة عشرات الحماقات، ثم ختمتها بمحاولة اغتيال عبد الناصر عام ١٩٥٤ فدخلت الجماعة إلى مقبرة التاريخ، وأخذ الناس يقولون كانت هناك جماعة ذات يوم اسمها الإخوان ثم ماتت، وكان موتها حقيقيا، ثم مات عبد الناصر، وكل حي يموت، وسبحان من له الدوام، ثم جاء الرئيس السادات فأخذ توجها سياسيا يخالف توجه عبد الناصر، فكان من خطته السياسية أن يعيد الحياة لتلك الجماعة مرة أخرى، فأصبح السادات هو مسيح الإخوان؛ إذ لمسها بيده فانبعثت الحياة فيها وخرجت من السجون، وأصبحت أداة في يد السادات، تساعده على تشويه عبد الناصر وسياساته، وتمشي وراءه نحو أمريكا سيدة العالم صاحبة التسع والتسعين من أوراق اللعبة، إلا أن الجماعة رأت أن تضع السادات على الصليب ألم يكن مسيحا لها! فقتلته وهو وسط جيشه في عرضه العسكري في أكتوبر من عام ١٩٨١، وكان من المقدر أن تختفي الجماعة من الوجود عقب هذا الاغتيال، ولكنها هذه المرة كانت في منتهى البراعة؛ إذ أوحت لنظام مبارك أنها بريئة من الاغتيال، وأن من قاموا بهذا الاغتيال الشائن هم عصبة من الأشرار لا علاقة لهم بها، وأنها وحدها دون غيرها هي التي تستطيع أن تقاوم تطرف هذه الجماعات الشريرة وإرهابها الكنود بوسطيتها واعتدالها! فكان أن أعطى لها مبارك إشارة الضوء الأخضر لتعود إلى الحياة وتنشط وتتحرك وتغزو النقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئات التدريس واتحادات الطلبة ومؤسسات المجتمع، وحين انتبه مبارك لخطورة استمرار الجماعة كان السيل قد بلغ الزبى، وفاض الكيل، وتحكمت الجماعة، وأصبحت يدهم هي اليد العليا ويد نظام مبارك هي اليد السفلى، فلم يكن أمام هذا النظام الضعيف الغبي إلا أن يدخل في مفاوضات مع ذلك الوحش الذي أطلقه في الحياة المصرية.


وللتأكيد على ما سبق حدث أن التقيت منذ عام تقريبا باللواء حسن عبد الرحمن رئيس جهاز أمن الدولة في زمن مبارك الأخير، كان ذلك في أحد الأفراح التي يلتقي فيها «الشامي مع المغربي» ولم أكن قد رأيته من قبل، وحدث أن كان مقعدي بجواره، وحين جلست إذا به يهمس في أذني قائلا: «أنا حسن عبد الرحمن» فسلمت عليه ثم قلت له: لقد ارتكبتم جريمة في حق الشعب المصري حين ترك نظامكم جماعة الإخوان تتوحش دون أن تعطوا للأحزاب السياسية فرصة عادلة لمنافستهم، فقال : لم يكن توحش الجماعة إلا بسبب دعم الغرب لهم حتى أنني قدمت لمبارك خطة كاملة للقبض عليهم جميعا وتقديمهم لمحاكمات وفقا للقانون؛ لأن تنظيمهم ليست له شرعية قانونية فضلا عن كشفنا لتدريباتهم على السلاح واتفاقاتهم مع حماس، إلا أن مبارك رفض تماما وطلب أن تكون هناك قضية واحدة بعد أحداث عرضهم العسكري في جامعة الأزهر، بشرط أن يكون عدد المتهمين فيها محدودا.. واستطرد حسن عبد الرحمن قائلا: ولمَّا استفهمت من مبارك عن سبب هذا الحذر الشديد والخوف من مواجهتهم بشكل شامل قال: «انت عاوز تقلب أمريكا والغرب علينا، دول واصلين للبيت الأبيض».


كانت هذه هي شهادة حسن عبد الرحمن أكبر رأس أمني حقيقي في زمن مبارك، وكانت مهمته الكبرى هي القضاء على الوجود السياسي والتنظيمي لجماعة الإخوان، فإذا به بأوامر من مبارك يتوقف عن القيام بدوره ويستبدله بالمفاوضات والصفقات التحتية، وظل في مكانه إلى أن قامت ثورة يناير التي كانت جماعة الإخوان أحد روافدها الرئيسية شئنا أم أبينا، وحين تم تقديم اللواء حبيب العادلي للمحاكمة الجنائية استعان للدفاع عنه بمحام إخواني من ساسه لرأسه، وبالقطع لم يختره لكفاءة ما فلم تشهد له المحاكم بهذه الكفاءة، ولم يكن له اسم رنان في عالم القانون، فقد كانت جناية المخدرات البسيطة هي أعلى ما ترافع فيه، وإذا باللواء حسن عبد الرحمن يحذو حذو الوزير ويقوم بتوكيل أحد المحامين المقربين من الإخوان ليس له هو الآخر أي تاريخ في المحاماة أو في عالم القانون بصفة عامة، فهل كان توكيلهما هو أحد أشكال المفاوضات؟ هذا السؤال سيجيب عنه التاريخ ذات يوم.


أما الآن فأمامنا فرصة ذهبية للقضاء التام على هذه الجماعة التي أفسدت السياسة، وشوهت صورة الإسلام، وقامت بتنفيذ مخططات تخريب البلاد، ولنا في الشعب وكراهيته لتلك الجماعة أسوة حسنة، نعم كان الجميع تقريبا يجهلونها، بعضهم ظن ذات يوم أنها جماعة وطنية لها بعض الأفكار والمعتقدات الدينية التي لا تخالف صحيح الإسلام، وبعضنا ظنها جماعة دينية وسطية ذات اعتدال! وبعضنا الآخر ظن أنها جماعة سياسية راشدة تبحث عن وسيلة ديمقراطية للوصول للحكم، ومن هذا الوهم ذهبت جحافل المثقفين إلى فندق فيرمونت لمبايعة الإخوان على الرئاسة! ومن هذا الوهم أيضا قاد هؤلاء المثقفون الملايين لانتخاب مرسي على زعم أنه رجل ديمقراطي، وأن الشعب إذا لم يرض عنه فإنه كما وعد .. لنا أن نذهب لميدان التحرير وعندها سيستقيل! صدق المثقفون الجهلاء دعايات الإخوان، ولكن الشعب المصري بعراقته وخبراته التراكمية اكتشف اللعبة مبكرا، فحينما وجد الإخوان يقفون ضد القضاء والشرطة والإعلام وأصابهم «فيروس» أخونة كل مؤسسات الدولة، عرف الشعب أن هؤلاء يبطنون أشياء في منتهى السوء، ثم بدأت المواجهات، وانتهت بنهاية الإخوان وطردهم شر طردة من الحكم.


وإن كنا قد قلنا من قبل إن الإخوان كانوا يعودون للحياة كل مرة بعد أزماتهم المتكررة، إلا أننا أرجعنا ذلك إلى أن مشكلاتهم في كل أزماتهم الفائتة كانت مع الحكومات والأنظمة، أما في هذه المرة فمشكلتهم مع الشعب نفسه، ومن دخل في مواجهة مع شعبه لا مستقبل له ولا حياة.


ولكن هل سنستثمر هذه الفرصة فنقضي على «أئمة الشر» ولا نبقي لهم أي أثر؟ جماعة الإخوان هم بالطبع أئمة الشر، ولكن لهؤلاء الأئمة أعوان تساعدهم في الخفاء، تريد أن تعطي لهم قبلة الحياة ليعودوا من جديد وكأن شيئا لم يكن، هؤلاء الأعوان تحركهم جماعات المصالح التي عقدت تحالفات سرية مع جماعة الإخوان، تستطيع القول إنه أشبه ما يكون بالتحالف الذي كان مع نظام مبارك والذي تحدث معي عنه اللواء حسن عبد الرحمن، والحديث عن هذا التحالف أمر محفوف بالمخاطر، وكأنه مشي على الأشواك، ولكن الله فرض علينا أن نكشف لهذه الأمة ما خفي، وما خفي كان أعظم.


الثابت بيقين أن الإخوان نجحوا عبر سنوات حكم مبارك في اختراق العديد من مؤسسات الدولة المصرية، وقد كشف بعضنا من قبل عن اختراقهم لوزارة الطيران ووزارة المالية ووزارة الكهرباء واتحاد الإذاعة والتلفزيون، وهلم جرا مما لا يمكن حصره، وقد وصل بعض الإخوان «السريين» إلى مناصب عليا في ظل حكم الرئيس السابق عدلي منصور، ثم في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، هؤلاء «السريون» هم الذين أطلق عليهم الإعلام «الطابور الخامس»، وهم فئة من الإخوان طُلب منهم أن يبقوا في أماكنهم الوظيفية ولا يُعبِّروا عن توجهاتهم السياسية والدينية والتنظيمية، إلى أن تُصدر لهم الجماعة أوامر ما، فعليهم حينئذ القيام بتنفيذها، أما عن تقديري الشخصي لأعداد هؤلاء فهي أنهم لا يقلون عن خمسين ألف موظف من أدنى السلم الوظيفي لأعلاه، تجدهم في مؤسسة القضاء لا يزالون، بعضهم أصدر أحكاما منذ أيام كشفت عن توجهاتهم، وتجدهم في مؤسسة الشرطة لا يزالون! وتجدهم في مناصب وزارية، وحينما كان الجميع في حالة غضب من وزير التموين خالد حنفي بسبب إقامته في فندق خمس نجوم طوال عامين كنت أتعجب، ألم تكشف الجهات الأمنية عن انتساب هذا الوزير للإخوان تنظيميا؟ ألم تكشف تحريات الأمن عن أمر كان مكشوفا وهو أنه كان يتبع الوزير الإخواني حاتم عبد اللطيف كظله! وما كان تابعا له إلا لأن حاتم عبد اللطيف «وزير النقل في زمن الإخوان» كان هو المسئول الإخواني الأعلى لخالد حنفي! هل لم تستطع أجهزة الأمن الكشف عن الهوية الفكرية والتنظيمية لخالد حنفي بسبب نقص المعلومات؟! أو لأن خالد حنفي استطاع الدخول في منظومة الحكم من خلال شهاداته العلمية التي حصل عليها من الخارج وعمله من قبل في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم مشاركته في العديد من المشروعات القومية، فكان أن وثقت به أجهزة الأمن ولم تبحث عن خلفياته التنظيمية ولا عن سفرياته الدائمة لأمريكا؟ أو لم تستطع أجهزة الأمن الكشف عن هويته الإخوانية لأن الإخوان استطاعوا الاستيلاء حقيقة ـ لا خيالا ـ على القاعدة المعلوماتية الموجودة لدى أجهزة الأمن حتى يستطيعوا التحرك بسهولة دون أن يكشف أحد خططهم، فظل خالد حنفي يتنقل بين وزارات محلب المختلفة ثم وزارة شريف إسماعيل بلا أدنى تقرير يكشف عن هذا الرجل ، ولم يكشفه إلا إقامته في فندق؟!! وإذا بحثنا خلف خالد حنفي فلننظر أول ما ننظر إلى القيادات التي قام بتعيينها في الوزارة أو ترقيتها أثناء عمله، ساعتئذ سنعرف بيقين أنهم من القيادات الوسطى في جماعة الإخوان.


خالد حنفي هذا ضربناه هنا على سبيل المثال ليس إلا، فمثله يتقلدون مناصب مختلفة في الدولة، ولكننا اتخذناه مثلا لنكشف للجميع أن هناك قيادات أمنية في جهات أمنية ما تعمل بكل جهدها للتغطية على أصحاب «الطابور الخامس».


نخرج من هذا التشخيص إلى قدر من التعميم كي يستقيم التحليل، فنجد أن كل الخصوم توحدوا لمواجهة خصم أكبر، هؤلاء الخصوم يريدون مساحة كبيرة لأنفسهم في الحكم، ويعلمون أن الإخوان لديهم قدرة تصويتية عالية، ولديهم دوائر من المتعاطفين معهم الخاضعين لدعاياتهم، هؤلاء من مصلحتهم أن تعود جماعة الإخوان للحياة مرة أخرى؛ كي تمارس قدرتها «التصويتية» بحرية، وهؤلاء يريدون استغلال قدرات الجماعة الإعلامية خاصة في أوساط الـ «سوشيال ميديا» من أجل الحط من النظام الحالي وتشويه سمعة الرئيس والتأثير على شعبيته، هؤلاء سيُحركون الجماعة من أجل هذا الغرض، وستتحرك الجماعة لتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه، وستحصل على قدر من المكاسب، كل هذا سيتم وستشتعل حرب «تشويه الرئيس» دون أن يكون لتلك الجهات التي تحالفت مع الإخوان أي مشكلة، فهم لن يظهروا في الصورة، واللجان الإلكترونية للإخوان هي التي تتحرك، أما هم فهم أبرياء.


ويبدو أن «كتلة التحالف» هذه لديها نفوذ قوي، ووجود فاعل مؤثر، فقد استطاعت إقناع الوزير مجدي العجاتي رجل القضاء والقانون أن يصدر تصريحات تخالف أي فهم راشد للقانون يقول فيها إن الدستور يلزم البرلمان بإصدار تشريع يتضمن التصالح مع الإخوان، وأن المشكلة هي مشكلة الدستور! مع أن الدستور لم يقل ذلك البتة، وبيننا وبينه مادة الدستور المجني عليها.


يحدث كل هذا في الوقت الذي لم يطلب فيه أحد من الإخوان الصلح مع الشعب المصري! ولن يطلب منهم أحد هذا الصلح! لأن قيادات الإخوان غير القادة السياسيين عندنا، قادة الإخوان يخشون من جمهورهم الذي يتصور أنهم وقعوا ضحية لشعب لا يحب الإسلام، وقد وضع قادة الإخوان هذا التصور في نفسية أتباعهم، فلا يمكن بعد أن يملأوهم بالغضب والتحدي ويأمروهم بالقتال وتخريب مؤسسات الدولة أن يتحدثوا معهم عن صلح مع الدولة مهما كانت الأسباب، هذا عن قيادات الإخوان، أما بعض القيادات السياسية للشعب المصري فهم لا يخشون الشعب ولا يهتمون به ولا بمشاعره وغضبه ولا حتى مصالحه، هم فقط يبحثون عن مصالحهم التي يتصورون أنها ستكون عند «كتلة التحالف».


فهل سينجح هؤلاء وتعود جماعة الإخوان للحياة مرة أخرى؟ هل سيعود حزبها؟ هل ستخرج قياداتهم من السجون؟ كل هذا لن يحدث، ولكن سيسعى كل طرف من الفريقين إلى الاستفادة من الآخر إلى آخر مدى، كتلة التحالف ستنال من الإخوان مأربها، وأظنها ستفشل بعد ذلك في تحقيق هدفها الأعلى، والإخوان سيتحركون لتنفيذ اتفاقهم، ولكنهم وهم في سبيلهم لذلك سيكشفون بعض أوراقهم، أقول هذا وفي فمي ماء، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، مشروع مواجهة الإخوان فكريا لم يظهر للوجود بعد، وأظنه لن يظهر على المدى القريب، ولكن مهما كان لن تعود الجماعة للحياة مرة أخرى فالله قد رفع المسيح، والجماعة ماتت، ولا ينقصنا إلا تشييع الجنازة.