العالم الافتراضى يسرق عقلك

07/09/2016 - 12:09:44

تقرير: إيمان السعيد

في الآونة الأخيرة انتشرت الهواتف الذكية بشكل كبير، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، إذا نظرت حولك الآن ستجد على الأقل شخصا واحدا يجلس يبدو وكأنه في عالم آخر ينظر إلى هاتفه ولا يهتم بأحد. ففي دراسة نشرتها مجلة الأيكونوميست البريطانية أشارت إلى أن الشخص الطبيعي ينظر إلى هاتفه ١٥٠ مرة يوميا وأن ما يقرب من ثلاثة أرباع مستخدمي الهواتف الذكية ينظرون إلى هواتفهم في خلال الـ ١٥ عشر دقيقة بعد الاستيقاظ مباشرةً، كما أفادت دراسة بريطانية أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و ٢٤ ينظرون إلى هواتفهم ٢٢١ مرة في اليوم بمعدل مرة كل ٤.٣ دقيقة.


منذ نشأة شبكة الإنترنت عام ١٩٨٣ كان الهدف الرئيسي من إطلاق هذه الشبكة هو تعزيز التواصل بين العالم وتقريب الشعوب ببعضها.


إلا انه في حقيقة الأمر النتيجة كانت عكسية فقد أصبح الانترنت وبعده الهواتف الذكية بديلا للنشاطات الاجتماعية وأصبح لدينا مصطلح نفسي جديد وهو «مدمن إنترنت»، كما أصبحت الهواتف الذكية شيئا أساسيا في حياة كل شخص منا، فمن لا يملك هاتفا ذكياً الآن إما فقير جداً أو كبير في السن لا يستطيع استخدامه.


يعتقد البعض أن مستخدمي الإنترنت يقع عليهم اللوم بسبب هوسهم الدائم بالنظر إلى هواتفهم، لكن اللوم لا يقع على مستخدمي الانترنت فقط. اهتمت الشركات الرقمية بشكل كبير بكيفية جذب المستهلك إلى برامج الإنترنت وطورت قسما مختصا من أجل تطوير برامج ليس لجذب المستهلك فقط بل لجعل هذه البرامج جزءا من حياته اليومية التي لايستطيع الاستغناء عنها، على سبيل المثال لعبة المزرعة السعيدة التي شغلت بال معظم مستخدمي الانترنت في الفترة ما بين ٢٠١١ و ٢٠١٤ اعتمد صانعو اللعبة على إثارة اهتمام المستخدمين بالاضافة إلى تطوير اللعبة بشكل يجعل من الضروري أن تتابعها كل ساعة حتى لا تفقد أرضك وبعدها لعبة «كاندي كراش» التي كانت ومازلت تشغل بال مستخدمي الإنترنت حتي الآن. الطريف في الأمر أنه تم ضبط نائب حزب المحافظين البريطاني نايجل ميلز وهو منهمك في لعبة « كاندي كراش» أثناء جلسة استماع لمجلس العموم. الأمر الذي أثار حفيظة الشعب البريطاني حتى بعد اعتذاره عما بدا منه أثناء جلسة الاستماع التي استمرت ساعتين ونصف الساعة والتي جعلته يشعر بالملل.


تلك هي الأشياء التي تعمل عليها الشركات الرقمية لجعل البرامج عادة يومية في حياة المستخدمين. فمن يشعر بالملل كالنائب البريطاني لديه الألعاب الالكترونية، ومن يشعر بالوحدة لديه مواقع التواصل الاجتماعي وهكذا....


المثير أن الشركات الرقمية لاتعمل بشكل فوضوي بل هناك علم سلوكي يعتمدون عليه من أجل جذب المستخدمين وجعلهم مدمنين للبرامج ويسمى «السلوكية الردكالية” وهي نظرية طرحها العالم النفسي الأمريكي جون واطسون وهو يعتمد على مكافأة المستخدمين بطريقة غير متوقعة ومتنوعة، وفقا لنظرية « السلوكية الردكالية»هناك ثلاث طرق للمكافأة الطريقة الأولى المكافأة القبلية: وهي حين يلجأ المستخدمون إلى وسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر من اجل المزيد من الإعجابات والمشاركات. والنوع الثاني من المكافآت هو مكافأة الصيد: فدائما ما نحاول تصفح صفحات أصدقائنا على مواقع التواصل الاجتماعي من اجل الوصول أو «صيد» أي معلومة جديدة ومضحكة. والمكافأة الثالثة هى الإشباع الذاتي: وهو يحدث عندما ننتقل إلى مستوى اعلى في لعبة أو عندما ننظر إلى البريد الإلكتروني ونجده خاليا بعد الانتهاء من قراءة كل الرسائل.


قد نشعر الآن انه ليس لدينا خيار آخر سوى الاستسلام للشركات الرقمية وعدم لوم أنفسنا على اهتمامنا الكبير بالانترنت والهواتف الذكية، لكن حقيقة الأمر أن عقل الإنسان دائما قادر على تحدي هذه الشركات، فدائما هناك اختيار ألا يصلك كل إخطارات البرامج كالفيس بوك أو تويتر وغيرها، فبدلا من أن نحملق في هواتفنا يمكننا ان نرفع أعيننا قليلا وننظر إلى العالم الحقيقي ونترك العالم الافتراضي ولا نجعل منه «سجائر العصر الحديث» كما يصفه البعض.