التنمية : نظرة جديدة

07/09/2016 - 10:54:27

د. حامد إبراهيم الموصلى

«فرص العمل لا تتساقط من السماء ولكنها تنتج من التنمية الصناعية « ، خلاصة ما توصل إليه تقرير التنمية الصناعية لعام ٢٠١٣ والذى أطلقته منظمة اليونيدو (الأمم المتحدة للتنمية الصناعية) «إن التنمية الصناعية فى مصر، بالرغم من كونها ضرورية وقابلة للتحقيق ، إلا أنها على مدار الفترة ما بين ١٩٦٣ و ٢٠٠٧ لم تتحقق ، مما يدل على فشل الحكومات السابقة فى سلك الطرق الصحيحة لتحقيقها» .


نفس الوضع يرصده التقرير لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ككل : فالوزن النسبى للقيمة المضافة للصناعة فى الدخل القومى الإجمالى كان ١١٪ عام ١٩٦٠ ولم يتعد ١٣٪ عام ٢٠٠٥، فى حين أن القيم المناظرة لماليزيا هى ٨٪ و ٣٠٪ على الترتيب. ألا يدفعنا هذا إلى إعادة النظر فى مفهوم وتوجه ومنهج التنمية ؟


شهد القرن العشرون ذيوع فكرة التنمية وارتباطها بتصور تقدم ورفاهية الشعوب، إلا أنه خلال عقد الخمسينات من هذا القرن – والذى تلى الحرب العالمية الثانية – وجدت هذه الفكرة أرضاً واسعة لها فى مجتمعات الغرب الصناعى . هكذا تبلور تصور للتنمية يجعل من النمو الاقتصادى بمعناه الكمى الهدف الأسمى للمجتمع (من الطريف أن مصطلح تنمية كما تم صكه فى لغتنا العربية يحمل أيضاً نفس المضمون : الزيادة، ففى مختار الصحاح يستخدم فعل نما كما فى «نما المال» مثلاً بمعنى كثر وزاد ، ويستخدم ابن خلدون كذلك مصطلح «تنمية» بمعنى العمل على الإكثار كما فى «معنى التجارة تنمية المال»)، وخلال هذا العقد أيضاً نال العديد من دول العالم الثالث الاستقلال وبدأت هذه الدول فى الاتجاه إلى التنمية ، وكان الشعور السائد وقتها أن «كل الطرق تؤدى إلى روما» وأن هناك نموذجاً واحداً للتنمية تتجه إليه البلدان المختلفة من بدايات وبإيقاعات مختلفة . ولقد شهدت العقود التالية بدءا من الستينات محاولات مكثفة بذلها الكثير من دول العالم الثالث لتبنى نموذج التنمية الغربى ، وخلال هذه الفترة ساد أيضاً استخدام مصطلح الدول النامية لنعت تلك الدول من العالم الثالث الآخذة بنموذج التنمية الغربى . إن هذا المصطلح فى لغته الأصلية Developing يكشف الرؤية الكامنة خلفه : أن الطريق واحد والهدف أيضاً واحد وإن حاضرنا هو ماضى دول الغرب الصناعى ، وليس علينا إلا إتباع النموذج الغربى الجاهز ، وخلال ربع قرن من محاولات اتباع النموذج الغربى تبدَّى بشكل واضح أن الطريق مسدود وأن خطط التنمية وفقاً للنموذج الغربى لم تؤت ثمارها ولم تحقق أهدافها فى أغلب دول العالم الثالث والتى أصبحت تئن حالياً تحت وطأة الديون المتفاقمة، بالإضافة إلى التمزقات الاجتماعية والمشكلات البيئية وانهيار الثقافات المحلية والاغتراب عن الهوية الحضارية ، هكذا يبدو أن البندول يتحرك فى اتجاه معاكس : فبعض تلك الدول التى تعرضت لخبرات مكثفة للتنمية وفقاً للنموذج الغربى قد اتخذت موقف العودة : العودة إلى الذات بالمعنى الحضارى : هذا الموقف اتخذته بالفعل دول عديدة وتتخذه شرائح متزايدة الاتساع من المثقفين ، بل والطبقات الشعبية ، فى الكثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .


معنى التنمية الذاتية


التنمية الذاتية هى عملية التحول المستمرة للمجتمع المحلى التى قد تبدأ بعوامل مساعدة من خارج المجتمع أو تكون نابعة بالكامل من داخله ، والتى تؤدى إلى إطلاق الطاقات الكامنة داخل المجتمع المحلى ، وتنمى قدراته على التجدد الذاتى والنهضة ، وبالتالى يتمكن من التعبير عن قيمه الحضارية المميزة حتى لو اتخذت تلك القيم تعبيرات جديدة تتمشى مع ضرورات الحاضر ومتطلبات المستقبل :


١ - هى دعوة للتخطيط من أسفل لأعلى : يبدأ برؤية الواقع الحىّ المعاش ، هى دعوة لمشاركة عامة الناس فى التنمية وإطلاق طاقات الناس الخلاقة وقدراتهم على التفكير والخيال والتعاون والعمل ، مما يفتح المجال للإبداع المحلى فى كل مجالات الفعالية الإنسانية والنهوض الحضارى فى كل مكان .


٢ - تنطلق التنمية الذاتية من الثقة فى الناس والرهان على كل ما هو إيجابى فى نفوسهم ، ومن الاعتماد على النسيج الاجتماعى الحضارى الحىّ للمجتمع المحلى ، ومن النظر إلى المجتمع المحلى باعتباره كائناً حياً قادراً على الفعل والحركة وحاملاً لمقومات نموه ذاتياً ذا هوية متفردة وملامح وقسمات تهبه طابعاً خاصاً ، وتميزه عن غيره من المجتمعات المحلية .


٣ - تنطلق التنمية الذاتية – على مستوى الفرد – من النظر لكل إنسان باعتباره معجزة فى ذاته ، وأن لديه إمكانات كامنة للفعل والإبداع تميزه عن غيره من بنى البشر، وأن أهم وظيفة للتنمية هى صناعة المناخ الذى يساعد وييسر على كل إنسان اكتشاف أو إعادة اكتشاف ذاته ، فى سياقات واقعية متزايدة الاتساع ، تبدأ من أصغر وحدة اجتماعية ينتمى إليها ، فالمجتمع المحلى ، فالقومى ، فالإقليمى ، فالعالم أجمع .


٤ - تتيح التنمية الذاتية – على مستوى الفرد أيضاً – الفرصة للتفاعل النفسى / الاجتماعى فى حدود طاقته على التواصل والتفاعل والعمل والمشاركة الإيجابية فى مجتمعه المحلى، وكذلك فى حدود قدرته على أن يرى ويلمس ويدرك ناتج تفاعله وعمله ، أى أن دائرة النية والعمل وناتج العمل تنغلق على مستوى المجتمع المحلى ، فيستطيع الفرد بالتالى أن يصحح رؤيته ويعدل مسار عمله ، فيدخل فى دائرة جديدة للتفاعل وهكذا .


٥ - التنمية الذاتية – من زاوية التدخل كعامل مساعد – هى الخروج بالناس من حالة الغيبوبة والعجز والسلبية وانتظار الحلول الجاهزة إلى المشاركة الفعالة فى صنع واقعهم واستعادة دورهم كفاعلين ومعاصرين فى سياق مجتمعاتهم المحلية .


٦ - تبدأ التنمية الذاتية بفهم السياق العام للمجتمع المحلى وما يحوزه من إمكانات ذاتية ، سواء كانت قيماً إيجابية دافعة للعمل والإبداع أم شبكات علاقات اجتماعية فاعلة أو أشكالا من التنظيم الجماعى المحلى أو معارف واسعة عن المحيط الحيوى والموارد المحلية التى يحوزها الناس أو التراث التقنى (المعارف والمهارات والخبرات التقنية)، وصولاً للخامات والموارد المحلية المتوفرة .


٧ - تعنى التنمية الذاتية الاعتراف بالتنوع فى الظروف الإيكولوجية والخبرات التاريخية والثقافة والبنى الاجتماعية الحضارية للمجتمعات المحلية ، وتوظيف ذلك التنوع والاستفادة منه ، أولاً لاكتشاف الميزات النسبية والتنافسية التى يتميز بها المجتمع المحلى كمنطلق لإقامة أنشطة اقتصادية ناجحة ، وثانياً لإثراء التجربة التنموية على المستوى القومى والإقليمى والعالمى .


٨ - تعنى التنمية الذاتية إنصاف العديد من عناصر الطابع المحلى فى المسكن والملبس والأثاث والمأكل والأنشطة الاقتصادية .. الخ . ولا يعنى ذلك تجميد هذه العناصر على صورتها الراهنة ، فالعديد من عناصر الطابع المحلى يمكن أن تحمل صفتى الثبات والتغير فى نفس الوقت ، فالبناء بالطين مثلاً فكرة ، لكن هناك بدائل عديدة فى المواد والتقنيات وكذلك التصميمات ، الأهم هو اكتشاف الشفرة والتعبيرية الحضارية الكامنة خلف الطابع المحلى ، مما يعطى اتجاهات متميزة للتفكير والخيال والإبداع المرتكز على خصائص البيئة المحلية والخصوصية الحضارية للمجتمعات المحلية .


٩ - ما الذى تعنيه التنمية الذاتية بأعم وأوسع وأشمل معانيها ؟ إنها تعنى استعادة الإنسان المصرى والعربى للمبادرة ، وحقه فى الاختيار : اختيار أهداف الحياة ، ومعنى التقدم ومضمونه ، وحقه فى المشاركة فى التنمية ، وفى بناء مستقبله ومستقبل مجتمعه / أمته، كذلك تعنى التنمية الذاتية تمكين أبناء المجتمعات المحلية تنظيمياً وعلمياً وتكنولوجياً كى يكونوا منتجين ومبدعين ، والتخلى عن التقليد الأعمى للنموذج التنموى الغربى وعن صيغة التحديث الجاهزة والمرتبطة بالتلقى السلبى لثمرات إبداع الآخرين فى صورة سلع وأساليب جاهزة للحياة والاستهلاك والإنتاج ، مما يؤدى إلى خمود القدرات الإبداعية الذاتية .


١٠ - التنمية الذاتية لا تعنى فقط مشاركة الناس – كل الناس – فى التنمية ، بل أن يشعر الناس أن قضية التنمية هى قضيتهم ، وأنهم يملكون مفاتيحها ، لذا فهى تخاطب الدوافع الأعمق للوجود لدى الناس ، ورغبتهم الأصيلة فى التعبير عن أنفسهم ، ومن ثم فالتنمية الذاتية من أهم شروط استدامة التنمية ، أى التنمية المستدامة .


التنمية الذاتية : نموذج من الواقع


عندما ذهبنا إلى قرية كفر العرب ، مركز فارسكور بمحافظة دمياط ، وجدنا وضعاً فى منتهى الغرابة : قرية تشتهر بصناعة الجبن الرومى والاسطمبوللى ، وكذلك بتربية الماشية من أجل إنتاج الألبان ولديها ٨ مصانع منتجات ألبان توقف ٤ منهم ويعمل الباقى بـ نصف إنتاجه، والسبب : أن العلف بمكوناته المستوردة يأتى من مصانع خارج القرية ، فلما ارتفع سعر العلف اتجه المربون بالتالى للتخلص من أمهات الماشية بالذبح وبيعها كلحم (وصل سعر الكيلو ٢٤ جنيها) !


هكذا ولدت فكرة المشروع فى حوار حميم مع أهل القرية : مشروع صناعة أعلاف غير تقليدية من عروش البطاطا وبنجر السكر وحطب الذرة الشامية وقش الأرز بأيدى المزارعين / المربين أنفسهم وبماكينات تم تصنيعها خصيصاً لتناسب الموارد المحلية المتاحة وكذلك القدرات المالية» والتقنية لأبناء القرية ، لكن طبعاً تحت الإشراف التقنى والعلمى لخبراء الجمعية . مثّل هذا المشروع الفرصة لاكتشاف وتكوين القيادات الطبيعية من أبناء القرية الذين أشرفوا على تنفيذ المشروع وقاموا بإنشاء جمعية كفر العرب لتنمية الثروة الحيوانية التى تمد خدماتها للمربين من أبناء القرية . لقد أحدث المشروع تغييراً فى نظرة أبناء القرية لمواردهم المحلية ، كما أحدث – على مستوى القرية - تغييراً فى التركيب المحصولى : الزراعة من أجل إطعام السكان وليس الحيوان (أنا كنت بازرع ١١ فدان برسيم ، دلوقتى بازرع فدان واحد برسيم والباقى قمح وبطاطس» .. تصريح لأحد المزارعين المربين .هو يقصد إن الأعلاف غير التقليدية التى تصنع من البواقى الزراعية المحلية قد حلّت محل البرسيم)