رحلة البوليس السياسي وأنظمة الحكم في مصر نجاحات وإخفاقات وجدل على الدوام

07/09/2016 - 10:52:52

  الملك فاروق الملك فاروق

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

دفع «البوليس السياسي» ثمنا باهظا كما أسلفنا في جريمة اغتيال (محمود فهمي النقراشي باشا) رئيس الوزراء ووزير الداخلية حينئذ في ديسمبر من العام ١٩٤٨م، وقد مثل حينها أكبر عملية اغتيال نفذتها جماعة الاخوان فضلا عن كونها تمثل ذروة الصراع المستعر، الذي كان يدور ما بين «البوليس السياسي» وما بين تنظيم الإخوان، الذي كان حينها يحظى برعاية ملكية من القصر وذلك لأغراض احتياج القصر لقوة منظمة بالشارع تلعب لصالحه وتنفذ تعليماته، أمام التيارات الغالبة الأخرى من الحراك الشعبي المتنوع الذي كان منخرطا في قضايا الجلاء ومكافحة الفساد وغيرها من القضايا، التي كانت تزعج القصر بشدة، لكن الحقيقة التي هي نقلاً لواقع العمل الأمني، الذي كان يدور في تلك الفترة الزمنية الساخنة أن «البوليس السياسي» كان واقعا تحت ضغط كبير، وهو الذي كان يتهدد الحالة الأمنية برمتها على هامش التوتر الحاد المصاحب للحرب في فلسطين .


لخص الوضع الداخلي الذي كان يشغل جهاز «البوليس السياسي» وهو ما كانت تعمل عليه وزارة الداخلية حينئذ في مجموعة من المهام الأمنية المتنوعة، ما ورد بالخطاب السري الذي تم تعميمه على كافة أقسام وزارة الداخلية كتعليمات وزيرها النقراشي باشا، وهى مخاطبة تمثل إخطارا من»البوليس السياسي» إلى مدير عام إدارة عموم الأمن العام.. ونصها كالتالى:


(محافظة القاهرة بوليس مدينة القاهرة القلم السياسى» ٦٤ ٢٦ سرى- سياسي» حضرة صاحب العزة/ مديرعام إدارة عموم الأمن العام، أتشرف بأن أخبر عزتكم بأننا علمنا بمناسبة ما ينشر فى الجرائد هذه الأيام عن الفظائع التى يرتكبها الصهيونيون في فلسطين ضد العرب، أن جماعة الإخوان المسلمين والشبان المسلمين ومصر الفتاة يعدون العدة للاعتداء على اليهود المقيمين بالقطر المصري، وعلى محلاتهم التجارية، وبصفة خاصة الأثرياء منهم وذلك انتقاما لما حدث للعرب بفلسطين. وقد أعطينا التعليمات اللازمة للفرق لاتخاذ الاحتياطات لملاحظة الحالة والمحافظة على أرواح اليهود ومحال أعمالهم. وهذا حتى تكمل الإحاطة. وتفضلوا عزتكم بقبول فائق الاحترام...،،، تحريرا في ١/٥/١٩٤٨ حكمدار بوليس مصر).


هذا الإخطار الذى أرسله «البوليس السياسي» لإدارة عموم الأمن العام يذكر صراحة اسم جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها إحدى الجماعات التى من المقرر أن تقوم بعمليات تخريبية ضد اليهود المصريين وممتلكاتهم، وهذا التحذير ليس تحذيرا روتينيا، بل كان مشفوعا حينها بتقارير معلوماتية رفعت لوزير الداخلية، وهو ما دفعه لأن يؤشر على الإخطار بخطه وتوقيعه بما يفيد ضرورة تعميمه على كافة وحدات الأمن العام على مستوى الدولة حينها، فقد قامت عناصر من التنظيم الخاص للإخوان بعمليات هجوم موسعة ضد ممتلكات اليهود المصريين، ربما الحوادث الأكثر مأساوية كانت في إشعال النيران في منازل حارة اليهود بالقاهرة التى وقعت في ٢٠ يونيه عام ١٩٤٨م، وصحب ذلك تفجير أحد المنازل مكون من ثلاثة طوابق تهدم على أسرة كاملة كانت تقطنه مكونة من خمسة أفراد وهي أسرة يهودية، ورجح المحققون حينها بأن هذا التفجير غير معلوم المصدر هو سبب انتشار الحريق في باقي منازل «حارة اليهود»، وهذا الحادث الذي وقع بعد نحو خمسين يوما من تقرير «البوليس السياسي» الذي تحدث بهذ الشأن عزز من مصداقية ما جاء فيه من تحذيرات حينها، وجاء تصديقه وتأكيد تفصيلاته لاحقا في مذكرات «علي عشماوي» أحد القادة البارزين في (التنظيم الخاص) عندما نشر ما هو نصه ....


(زعزعة الأرض تحت أقدام الحكام، ابتكره أحد أقسام الإخوان وهو «قسم الوحدات» الذى يشرف عليه صلاح شادى، فقام بتفجير عربة محملة بالمتفجرات في حارة اليهود بالقاهرة في ٥/٦/١٩٤٨، ثم أتبعها بتفجير عربة يد أخرى في نفس المكان وهو حارة اليهود في ١٩/٧/١٩٤٨، وقد كان هذا فى شهر رمضان، وقتل في هذا الحادث مفجر العربة وعدد من المارة الذين لاحول لهم ولا قوة، إلا أنهم يمرون في نفس الشارع المفروض أن يكون آمنا.


كان الرأى العام يدرك أن الإخوان هم أصحاب هذا النوع من العمليات، وكان كبير الثقة بالإخوان حتى إنه حين تقع حادثة ليست على المستوى كان يدرك أنها ليست من صنع الإخوان، وهكذا كان مثل هذا العمل الآثم محل فخر من الإخوان. الحقيقة أنني حين قررت أن أكتب في الجهاد من وجهة النظر الإسلامية، وجدتنى وكأننى أمشى على الشوك أتلمس خطاى ببطء، فطالما أجلت الحديث في هذا الأمر؛ لأنني سوف أغضب الكثيرين الذين تعلموا من الجهاد معاملة خاطئة من وجهة نظرى، فالجهاد هو البلورة التي يغازل بها الإخوان عيون الشباب المملوء بالحماس والاندفاع، وهو موضوع الساعة وكل ساعة، هو الذى أرغم الشباب على السمع والطاعة دون تفكير أو روية)!!!


ما أعقب تلك الفترة الملتهبة من حوادث كبيرة كانت بالطبع حادث مقتل «حسن البنا مرشد الجماعة» وهي التي لم تفك طلاسمها حتى الآن، وإن كانت بالذاكرة الجمعية المصرية التي ألح الإخوان عليها تضع دماء الرجل في عنق «البوليس السياسي»، ظنا منهم أن ذلك عمل انتقامي قاموا به ثأرا لاغتيال وزيرهم النقراشي باشا وكان هناك ربط أيضا برغبة ملكية لفاروق حينها بأنه هو من دعم تنفيذ تلك الحادثة، والفترة الزمنية باضطرابها وبما كان يدور ويموج بالشارع المصري كإرهاصات لثورة يوليو ١٩٥٢م جعلت الأمر مختلطا ومتناقضا لم يملك أحد الجزم أو القطع به حتى اللحظة، لكننا سنستدعي الروايات الأقرب لما تم تداوله حينها وممن كانوا بالقرب من الأحداث ربما تنجلي معها بعض من الحقيقة.


فنحن بداية أمام رواية إخوانية رسمية منشورة منذ هذا التاريخ من العام ١٩٤٩م وهي بالنسبة للجماعة هي الرواية الرسمية التي لا يرضون بغيرها بديلا والتي تذكر نصا:


(تعتقل وزارة النقراشي كل المعروفين من الإخوان عام ١٩٤٩م، فلما قتل النقراشي بدأت وزارة إبراهيم عبد الهادى تدبر مؤامرة اغتيال الإمام الشهيد لا انتقاما لمقتل النقراشي ولكنه طمأنة لفاروق حيث إن فاروق شعر أن دعوة الإخوان المسلمين تستهدفه، ولا ننكر أن «مصر الفتاة» لعبت دورا فى المجال نفسه ولو طال وجود فاروق لقتل «أحمد حسين» كذلك، وقد حدث أن اتصل أحد الوزراء بالإمام الشهيد في ١٢ فبراير ١٩٤٩ ليلقاه في مبنى جمعية الشبان المسلمين، وهو يقع فى أزحم شوارع القاهرة، وظل الإمام ينتظر هناك ومعه زوج شقيقته الأستاذ عبد الكريم منصور، ولما غابت الشمس ولم يف الوزير المنتظر بوعده، خرج الإمام والأستاذ عبد الكريم منصور واستوقفا تاكسيا وما إن استقرا فيه حتى أطفئت أنوار الشوارع، وأقبل اثنان أو ثلاثة من المخبرين وأطلقا سيلا من الرصاص على الأستاذ ومرافقه، ورغم أن إصابة الإمام كانت قاتلة إلا أنه تحامل على نفسه وعاد إلى جمعية الشبان المسلمين واستدعى الإسعاف بنفسه، ونقلتهما سيارة الإسعاف إلى قصر العينى، وكانت الأوامر قد صدرت بعدم إسعاف الإمام وتركوا جراحه تنزف، وقبل أن يلفظ النفس الأخير جاء فاروق إلى قصر العيني شامتا ومتشفيا وبصق على الغمام، ففتح عينيه وقال لفاروق: مزق الله ملكك . وكانت أبواب السماء مفتحة فاستجاب الله الدعاء وتمزق ملك فاروق إلى الأبد) .


لكننا لدينا شهادات أخرى غير تلك المتهالكة والتي بالطبع ثبت أن الملك فاروق لم يذهب إلى المستشفى نهائيا في هذا اليوم، لكنها وإن كانت هي الرواية المعتمدة لدى جماعة الإخوان إلا أن ما صدر عن القيادات الإخوانية فيما بعد، كان يستهدف تلك الرواية تحديدا ويرغب في تفنيدها لعل أشهر الشهادات كانت على لسان «أحمد سيف الإسلام حسن البنا - الابن الوحيد لحسن البنا»، عندما فجر في العام ٢٠٠٧م في حديث منشور (جريدة الفجرالصادرة في ٢٣/٤/٢٠٠٧ العدد ٩٨) مفاجأة من العيار الثقيل تنسف تماما «الرواية الرسمية المعتمدة» التي روجتها جماعة الإخوان طوال أكثر من ستين عاما، عن اتهام الملك فاروق باغتيال مرشدها الأول ومؤسس الجماعة حسن البنا، حيث ينفى سيف الإسلام قيام الملك فاروق بقتل والده حسن البنا، ويقول إن الملك فاروق برئ تماما من قتل والده، وذكر عن اغتيال حسن البنا: ( لقد حيكت مؤامرة دولية مدعومة من الداخل ضمن مخطط استهدف الإيقاع بالملك والنحاس والبنا، وأنه سيكشف ذات يوم خيوط تلك المؤامرة) ، ويعقبه في الأهمية من ناحية موقعه التنظيمي بالجماعة «محمد نجيب، القيادي السابق في النظام الخاص» وهو أقدم المتبقين من الرعيل الأول للإخوان، نشر (موقع العربية نت يوم ٢١/٢/٢٠٠٨ تحقيقا صحفيا) معه أكد فيه أن الملك فاروق بريء من دم البنا الذي اغتيل في نهاية أربعينات القرن الماضي، وتناقض هذه الشهادة من قيادي كان مقربا من البنا كل روايات الإخوان المستقرة منذ نصف قرن، على أن ملك مصر السابق فاروق وحكومته هم الذين قتلوا البنا أو على أقل تقدير تم قتله بتوصية من الملك شخصيا، وأكد محمد نجيب أن البنا كان على علاقة جيدة جدا بالملك فاروق، وعندما سئل عن تناقض ذلك مع كتابات الإخوان حول علاقتهم بالملك فاروق، وأنهم يعتبرونه المتهم الرئيسي في عملية الاغتيال، قال نجيب: (هذا رأيي في الملك فاروق ولدي ما يدعمه، وأعتذر لقيادات الإخوان، لأنني أعرف جيدا أنهم لا يتفقون معي فيه بل وربما يثير هذا الرأي مشاكل داخل الجماعة، الحقيقة لابد وأن تظهر مهما مرت السنوات، فالملك فاروق كان له دور كبير جدا مع الإخوان، ولكن للأسف الشديد لم يتكلم أحد عن حقيقة هذا الدور لأسباب مجهولة في نظري)، وعن رأيه في سر طمس علاقة الإخوان بالملك فاروق في كتاباتهم قال نجيب: (لأن الإخوان اتهموا فاروق بأنه وراء قتل البنا، فكيف يتكلمون عنه في كتاباتهم بعد ذلك. الحقيقة المؤكدة أن الملك فاروق بريء من هذا الاتهام، وبريء من دم البنا، ولم يشارك أو يسع في قتله، وهذا لا يعرفه إلا عدد قليل جدا من قيادات الإخوان، مات معظمهم ولم يتبق منهم إلا القليلون، وهؤلاء لا أعتقد أنهم يريدون أن يتكلموا في الأمر، أو يفتحوا لغز مقتل البنا من جديد، رغم أن كلا منهما قد مات، إلا أن حقيقة الاغتيال ستظل باقية وفاروق أيضا سيظل بريئا، لأنه بالفعل لم يقتل البنا) ، وهو كلام خطير ينفى تماما «الرواية الرسمية» التى اعتمدتها جماعة الإخوان وروجتها بإصرار طوال أكثر من ستين عاما عن مقتل مرشد ومؤسس الجماعة دون أن تقدم دليلا واحدا على صحة هذه الرواية التى روجتها ..!!؟؟


ومن الغريب أيضا أن محمد نجيب بعد أن نفى تماما اتهام الملك فاروق وحكومته متمثلة في الجهاز الأمني «البوليس السياسي» بقتل حسن البنا، لم يصرح بهوية القاتل الحقيقى للبنا رغم أن أقواله تشير إلى معرفته بالقاتل الحقيقي، لكن معرفة قانون النظام الخاص (السري) لجماعة الإخوان يوضح سبب رفض محمد نجيب البوح باسم القاتل الحقيقي لحسن البنا، لأن هذا القانون يهدر دم من يفشي أسرار النظام الخاص أو يفضح جرائمه، خاصة وأن أصابع الاتهام أشارت إلى (عبد الرحمن السندي ـ قائد النظام الخاص) للجماعة في قتل حسن البنا، بعد أن أقال البنا السندي من قيادة النظام الخاص وعين مكانه سيد فايز الذى تم قتله أيضاً بعد ذلك .


وفي هذه القضية الشائكة لدينا العديد والعديد من الوقائع والشهادات التي نتناولها للمرة الأولى في مفاجآت ربما لا تقل إثارة عن سابقتها التي ضاعت في الزحام، وهي مما تدفع إلى تبرئة ساحة «البوليس السياسي» من دم حسن البنا في الجريمة التي ظلت معلقة في رقبته لمدة تتجاوز الستين عاما .. فإلى الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.