الوطنية المصرية.. إلى أين؟!

07/09/2016 - 10:47:37

  د. صفوت حاتم د. صفوت حاتم

بقلم : د. صفوت حاتم

لاشك أن الشعور الوطنى لأى شعب يزيد فى أوقات معينة أكثر من غيرها.


..منها.. على سبيل المثال.. فترات النضال الوطنى ضد المستعمر.. وقد عاش المصريون هذا الشعور خلال مراحل كثيرة من تاريخهم المعاصر.. خصوصا مع بدء الأطماع الأجنبية مع الحملة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر.. ثم مع الاحتلال البريطانى فى عام ١٨٨٢.


فمن خلال النضال مع «الاستعمار» الأوروبى تولدت نزعة الوطنية المصرية.. وشملت معظم طبقات الأمة.


وقد بلغت تلك المشاعر أوجها مع احتداد النضال الوطنى بقيادة الزعيم الكبير «مصطفى كامل».. ودوّت مقولته الشهيرة: « لو لم أكن مصريا.. لوددت أن أكون مصريا» فى النجوع والكفور والقرى والمدن على امتداد صفحة النيل الخالد.


وصارت تلك العبارة شعارا خالدا يحمله المصريون فى قلوبهم وعقولهم.


وكانت مكانة الزعماء وأقدارهم التاريخية تتحدد من خلال مواقفهم من القضية الوطنية وجلاء المستعمر .. فهناك من احتفظت بهم قلوب المصريين فى أعز مكان.. مثلما حدث مع الزعماء: أحمد عرابى..مصطفى كامل.. محمد فريد.. سعد زغلول.. جمال عبد الناصر.


وهكذا تلقى المصريون دعوة « طلعت حرب « بضرورة تصنيع مصر وشراء المنتجات المصرية.. بترحيب شديد وحماسة استثنائية.


صحيح أن دعوة طلعت حرب كانت انعكاسا للصراع والتنافس بين الرأسمالية المصرية الوليدة والرأسمالية البريطانية المهيمنة.


لكن لا يمكن ﻷحد أن ينكر أن دعوة « طلعت حرب « لاقت هوى لدى عامة المصريين.. واستقبلها المصريون بحفاوة شديدة.


وبنفس المقدار طاردت لعنة المصريين الساسة الذين تعاونوا مع المستعمر مثل: بطرس غالى.. وأمين عثمان.. وغيرهم من رجال العهد الملكى.. من عهد الخديوى توفيق حتى عهد آخر ملوك أسرة محمد علي: « فاروق الأول».


ونعرف .. ضمن ما نعرف.. أن الشعور الوطنى يحتد ويقوى عند شعور المواطنين بأخطار تتهدد وطنهم.. سواء فى الخارج أو الداخل.


وأكبر مثال على هذا الخطر الداخلى ما حدث بعد ثورة يناير ٢٠١١ .. بعد وصول تيار التأسلم السياسى للحكم فى مصر.


فلقد تابع المصريون بخوف تصرفات هذا التيار.. واستبد بهم القلق وهم يشاهدون على شاشات التليفزيون رموز هذا التيار ينطلقون فى خطاب طائفى وتقسيمى لم يعهدوه.


وكان للتفسيرات الدينية المتطرفة والشاذة أثر مخيف على نفسية الإنسان المصرى العادى الذى لا يستسيغ التفسيرات المتشددة التى تتبناها فصائل التأسلم السياسى.


وسيكتب التاريخ..حتما.. أن خروج المصريين فى ٣٠ يونيه.. كان انعكاسا أصيلا وقويا «بالهوية المصرية « المهددة من الداخل.. واستجابة عبقرية على كل الأخطار التى هددتها من الخارج .. وتبصرا مبكرا بالخطر المحيق بها من كل حدودها الجغرافية، والذى تمثل فى قوى الإرهاب المتأسلم المدعوم بالقوى العسكرية لحلف الأطلسى.


لقد شهد المصريون فى لحظة كاشفة للوعى القومى.. الانهيار السريع لدول وجيوش ومجتمعات..بشكل درامى..لا نشاهده إلا فى أفلام السينما عن حروب القرون الوسطى الهمجية.


ومنذ ذلك التاريخ.. ٣٠ يونيه.. يصطف المصريون .. إلا قليلا منهم.. فى حرب لا تهدأ للدفاع عن دولتهم وجيشهم ومستقبلهم ضد كل المؤامرات الداخلية والخارجية.


إن الشعور الوطنى المصرى فى قمة تأججه وحرارته.. وهو ما يظهر بوميا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى من دفاع الآلاف من المصريين والمصريات.. ومن كل الأعمار والمستويات الطبقية والتعليمية.. عن الجيش المصرى..والإشادة ببطولاته.. والحزن على شهدائه من الجنود والضباط.


لا شك أن منظر الدمار والغبار.. وصور الدم والقتل والذبح الذى وقعت فيه الأمة العربية بعد ما سمى « بالربيع العربي» أصبح يشكل قاعدة الوعى المصرى اليومى.. ومبعث تأييده للجيش والدولة المصرية فى سعيهما لاستعادة التماسك المجتمعى ومواجهة الأخطار.


إن أعظم ما فى هذه الظاهرة الوطنية «الجديدة» أن الملايين من المصريات والمصريين يحتشدون فى أماكنهم وبيئاتهم الطبيعية للدفاع عن دولتهم وجيشهم باستبسال فى مواجهة الكتائب الإليكترونية التى تبث من داخل مصر وخارجها.. خصوصا تلك التى تتخذ من تركيا وقطر وأمريكا قواعد للانطلاق فى الهجوم على كل شاردة وواردة تحدث على أرض المحروسة.


ولعل آخر تجليات هذه النزعة الوطنية موقف كثير من المصريين من الحملة التهكمية التى يقودها « ثلة « من عصابة مأجورة تعيش خارج مصر وتهاجمها من الخارج.. ومدعومة من تيارات سياسية هامشية تعيش الحاضر بشعارات الماضى دون أى تقدير لظروف الواقع وجدول الأولويات السياسية.


وينبغى الاعتراف..هنا.. أن تلك النزعة الوطنية هى نتاج مخزون حضارى قديم.. ونتيجة لوعى مترسب غريزيا فى الشخصية.. وملتصق لا إراديا بالوطن والأرض.. فى ظل إعلام رسمى باهت.. وفى غياب حزب سياسى كبير تلتف حوله الجماهير.


وقد يكون غياب الحزب السياسى الشعبى.. أحد تجليات الوطنية المصرية المعاصرة. ولكنه مظهر لهشاشة الحياة السياسية.. وانعكاس أمين لتفاهة التجربة الحزبية المعاصرة.


والدليل على ذلك: أن مواقع التواصل الاجتماعى تشهد ظواهر رائعة ومذهلة من الوعى السياسى لآلاف المصريين والمصريات.. يقومون من خلال صفحاتهم الشخصية بكتابة مقالات وتعليقات سياسية تشى بالعمق والثقافة الوطنية.. ووعى أصيل بالتاريخ.. يتجاوز فى كثير من الأحيان ما يكتبه خريجو المدارس السياسية والحزبية من اليمين واليسار.. وينم عن متابعة واعية للأحداث.. وقدرة بلاغية مدهشة فى الرد على الخصوم والمعترضين.


الخلاصة: أن النزعة الوطنية المصرية فى أعلى مراحلها الآن.. وهى أكبر وأنبل رأس مال لمصر.. وهو رأسمال يحتاج لاستغلال مثمر وبناء.. ويحتاج لتأطير سياسى مكافئ.. يحميه من الاختراق.. ويقيه من حملات التشكيك والشائعات.. ويصونه من العفوية والتلقائية والتذبذب بالأحداث العارضة.


وأظن أن تلك مهمة سينهض بها مصريون ومصريات خارج نطاق العمل السياسى والحزبى التقليدى.


فالواضح أن غالبية المصريين ليسوا ممن تستهويهم الحياة الحزبية.. وهم لم يجربوها فى السابق.. فضلا عن أن سمعة الأحزاب السياسية وقياداتها الحالية لا تجذب اهتمام المصريين للانضواء للعمل الحزبى.


ويمكن أن يقال نفس الشى عن العمل الاجتماعى والجمعيات الأهلية.. غير الحكومية.. التى صارت سمعة أكثرها دون مستوى الشبهات.. وتحظى بكثير من الاتهامات بالتربح واستغلال النفوذ الشخصى.


كيف يمكن.. إذن.. الاستفادة من النزعة الوطنية المصرية ؟!


هذا سؤال مهم.


ربما يفتح هذا السؤال المجال لحوار جاد.. بين كل المهتمين بمستقبل وآفاق العمل الوطنى..


أو هكذا أتمنى !!!