«قاتل المهن» بدم بارد

07/09/2016 - 10:35:50

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبداللطيف حامد

فى البداية أوجه التحية للبنت الشجاعة، هند عبدالستار، التى أشعلت مواقع التواصل الاجتماعى مؤخرا واجبة، لأنها لقنت درسا لأحد سائقى التوك توك عندما تحرش بها، رغم أنه جبان، وهرب بعد فعلته الدنيئة، لكنها أصرت على الذهاب لقسم الشرطة وتحرير محضر هتك عرض، وخلال ساعات قليلة كان المجرم فى قبضة العدالة، ليكون مصيره الحبس ٤ أيام على ذمة القضية، وفى الغالب لن يفلت من العقوبة وهى السجن عدة سنوات، ليكون عبرة لأمثاله (المتحرشين)، سواء من سائقى التكاتك أو غيرهم، وهنا أستميحكم عذرا أن أتحدث عن مفاسد التوك توك لدرجة، أننى أعتبره مؤامرة على الوطن مع أننى لست من هواة نظرية المؤامرة (عمال على بطال).


يخطئ الكثيرون عندما يتخيلون أن أزمة التوك توك تتوقف على جريمة التحرش بالفتيات والسيدات رغم أنهم بالفعل من أسباب انتشار تلك الظاهرة مع أمثالهم من سائقى الميكروباصات، ومعظمهم يكادون لايتركون بنتا ولاسيدة إلا ويطاردونها بالألفاظ والنظرات وقد يصل الأمر إلى اللمس والشد – خيبة عليهم الله، ويفتقدون الحياء، فلا يتحرجون من ممارسة هذه الأفعال المشينة جهارا نهارا، وعلى رءوس الأشهاد، وعلى استعداد للاشتباك مع أى مواطن «صاحب شهامة ومروءة» يريد إنقاذ الضحية من أفعالهم، فعلا إذا لم تستح فافعل ما شئت.


جانب الصواب الكثيرين عندما يعتقدون أن خطرالتوك توك يقتصر فقط على ضرب تعليمات المرور بعرض الحائط؛ وتحويل الشوارع والميادين إلى ساحة للبلطجة والشتائم والدخول فى الخناقات باستمرار، وطبعا ياويله ياسواد ليله اللى يلقى به حظه العاثر فى مجرد عتاب أو لوم مع غالبية سائقى هذه المركبة، خصوصا أصحاب السيارات الملاكى، فيسمعون كلمات وبذاءات لايمكن تحملها، ويكون المسكين بين نارين إما اتخاذ قرار بتأديب هذا البنى آدم قليل الرباية والذوق مهما كانت النتائج حتى لو وصل الأمر إلى ارتكاب جناية أوكتم الغيظ، وتحمل نار الغضب فى قلبه ليمر الموقف بسلام وهو أمر من العلقم، وأعتقد أن الغالبية واجهت هذا الموقف إلا من رحم ربى.


وفى ظنى، وليس كل الظن إثم، أن من قادوا موجات تصدير التوك توك إلى مصر بغزارة فى سنوات معدودة أرادوا عن قصد وبسوء نية ضرب الحرف والمهن اليدوية فى مقتل، وهنا لن أسرد لكم رأيا شخصيا، بل تجربة مع العديد من أصحاب المهن بعدما اشتكى لى الكثير منهم «مر الشكوى» من نقص «الصبيان» وتدهور الحرف بمرور الوقت، كما يقول الأسطى أيمن السبكى، صاحب ورشة ميكانيكا وغيره من كبار الصنايعية فى عدة مهن لأن التوك توك «زغلل» عيون كل الأولاد المتسربين من التعليم أو حملة الدبلومات بالمكسب السريع، الذى يتراوح من نحو ١٥٠ إلى ٣٠٠ جنيه فى اليوم الواحد مع إمكانية مغازلة الفتيات والتحرش رايح جاى، لدرجة أن معظم الصنايعية يبحثون بـ»الحلاوة» على أطفال أو شباب للعمل معهم بمبالغ كبيرة كمبتدئين، ومن أجل نقل الخبرة إليهم حتى تستمر الصنعة، كما انتقلت من الأجيال السابقة جيلا بعد جيل فلا يجدون، ويضطرون للقيام بكل المراحل بأنفسهم، وعلى ما يبدو أن مهن الميكانيكى والسروجى والسمكرى والمنجد، والحدادة، والسباكة والمحارة وغيرها فى طريقها للانقراض رغم أهميتها فى توفير فرص عمل دائمة ذات تقاليد وأعراف، وتقوم على الأمانة والاحترام فى التعامل مع الزبائن، وليست البلطجة وقلة الأدب المسيطرة على عامة سائقى التوك توك، وإن كان هذا لا يمنع وجود فئة منهم تأكل عيشها بالحلال، وتراعى ذمتها خلال قيادة هذه المركبة الخطيرة، وحتى أصحاب مصانع كالغزل والنسيج وغيرها يقولون نفس الكلام.


لابد أن تتدخل الدولة سريعا من خلال مجلس النواب والحكومة لسن تشريع لا لبس فيه بشأن تقنين سير التوك توك، وضرورة منح الجادين منهم تراخيص بعد التحرى الأمنى عليهم، ومصادرة أى توك توك يسير فى الشوارع والميادين العامة، فلا يعقل أن تغمض شرطة المرور أعينها على اقتحام هذه المركبة لمختلف الشوارع فى وضح النهار، بل إن بعضهم يسير على الطريق الدائرى، بل والطرق السريعة أيضا، ويسابق سيارات الأجرة والملاكى غير عابئين بأرواح الناس، مع قرارات حاسمة بوقف استيراده، مهما كانت الحيل لقطع الطريق على مافيا توريد التكاتك إلى مصر سواء فى الخارج أو الداخل، فلم تعد أحياء القاهرة الكبرى فى العاصمة أو الجيزة أو القليوبية تستطيع تحمل المزيد منها، وتستغيث طالبة النجدة من وباء التوك توك حتى لا تخرج المسألة عن السيطرة، وفى الوقت نفسه يواصل قتل الحرف والمهن بدم بارد، والله أعلم.