خروجا عن مبادئ الإسلام المأمـــــــون

07/09/2016 - 10:28:48

بقلم - رجائى عطية

بدأ المأمون خلافته على جثة أخيه الأمين المذبوح من قفاه، والذى استقبل رأسه ساجدًا لله حين ذهبوا بالرأس إليه مثبتة على «ترس»، وبدأت الخلافة نفسها بكثير من العنف والإسراف فى الدماء حتى بغير حاجة ولا لزوم!


من ذلك مشهد قتل السمرقندى بعد أن أسره معسكر المأمون وقائده طاهر بن الحسين، وكان الرجل من مهرة الرماة بالمجانيق فى صفوف الأمين، فلما ذُبِحَ الأمين، خرج السمرقندى تاركًا الحرب التى وضعت أوزارها بمقتل الخليفة، واتجه فارًّا بنفسه إلى خراسان، فاكتشفه أحدهم فى الطريق، وقبض عليه وأُخِذ أسيرًا، ولكنهم بدلًا من أن يعطوه حقوق الأسير التى وردت بالقرآن الكريم وحض عليها الإسلام، ساقوه إلى الموت.


ولكن السؤال، كيف أماتوه؟! أو كيف قتلوه؟!


تقول الروايات إنهم أخرجوه «مصلوبًا» إلى شاطئ نهر دجلة، وأورد الطبرى فى تاريخه نقلا عن رواته، أنهم لما أرادوا شدّه على خشبة الصلب، اجتمع عليه خلق كثير


وبينهم من كان بأمس يمتدح مهارته فى الرمى، فلما أكثروا عليه، جعل المصلوب يقول لهم «كنتم تقولون بالأمس لا قطع الله يد السمرقندى، واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم (نبالكم)، لترمونى!»


وذكر الرواة أنهم حين رفعوه مصلوبًا على الخشبة، أقبل الناس عليه رميًا بالحجارة والنبال، وطعنًا بالرماح، حتى قتلوه، ولم يقنعوا بموته، بل ظلوا يرمون جثته بعد أن فارق الحياة، فلما كان الغد جاءوا بالنار ليحرقوه بها، فلم تشتعل بجثته، فألقوا عليها قصبًا وحطبًا وأشعلوا فيها النيران، فاحترق بعضه، وتمزقت الكلاب ونهشت بعضه !!!


أحد الثلاثة الكبار


ولا شك أن المأمون، أحد الثلاثة الكبار من خلفاء الدولة العباسية: أبو جعفر المنصور الذى حكم عشرين عامًا بين سنتى ١٣٦ إلى ١٥٨ هـ، وهارون الرشيد الذى حكم ثلاثة وعشرين عامًا من سنة ١٧٠ حتى سنة ١٩٣ هـ، بينما امتد حكم المأمون عشرين عامًا، من سنة ١٩٨ حتى سنة ٢١٨ هـ. وقد يضاف إليهم «محمد المهدى» والد الرشيد وجد المأمون لعدله وحسن سيرته وإصلاحاته بما فيها زيادة المسجد الحرام وصلاح حكمه الذى امتد أحد عشر عامًا من سنة ١٥٨ حتى سنة ١٦٩ هـ، ولم يؤخذ عليه شىءٌ ذو بال إلا نزعه ولاية العهد بغير حق من «عيسى بن موسى بن على »، ليجعلها لابنه «موسى الهادى».


والمأمون لا يصنف ضمن الثلاثة أو الأربعة الكبار من خلفاء الدولة العباسية ـ لمجرد أن حكمه امتد عشرين عامًا، وإنما لمناقبه وصفاته وإنصافه للعلويين وأعمالٍ زينته وزينت حكمه ـ برغم ما أخذ عليه من تجاوزات شديدة فى حق الفقهاء والصالحين فيما عرف بمحنة خلق القرآن، فضلًا عن العودة لإيثار الفرس وتمكينهم من مقاليد الأمور فى البلاد، بعد أن كان قد أظهر اتجاهًا محمودًا لموازنة الأمور، وأنصف العلويين من كثير من المظالم التى لحقت بهم، حتى أنه أعطى ولاية العهد من بعده لعلى الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وأعفاه موته من ثورة العباسيين على تجاوزه لهم فى ولاية العهد وشجرة الحكم.


لمحة سريعة


بويع المأمون بالخلافة بقتل الأمين فى المحرم سنـة ١٩٨ هـ (سبتمبر ٨١٣ م)، إلى أن توفى غازيًا بطرسوس فى ١٩ رجب سنة ٢١٨ هـ (١٠ أغسطس ٨٣٣ م) وعُـرف بالخليفـة (العالم) فلم يكن بين الخلفاء العباسيين من يضاهيه علمًا وفصاحة.


ومن اللافت أنه وإن بدأ عهده بخروج العلويين عليه سنة ١٩٩ هـ بقيادة محمد بن إبراهيم العلوى المعروف بابن طباطبا، ومحاربته لهم، وانصراف المأمون إلى تعقبهم فى الأمصار، إلا أنه جعل يتأمل فى أحوال الخلافة، وما شجر بين العباسيين والعلويين، وما يجرى بسبب هذه الفتن من أضرار للبلاد والعباد ـ فاستقر رأيه على أن يخلع أخاه المؤتمن سنة ٢٠١ هـ، وأن يعهد بولاية العهد من بعده إلى «على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق» الذى رفض فى أول الأمر، ثم ألزمه المأمون بالموافقة، وأمر بخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة.


وقاد ذلك إلى الفتنة الثانية، التى واجهها المأمون، فقد ثار العباسيون فى بغداد على ولاية العهد ونقل الخلافة إلى البيت العلوى، فخلعوا المأمون غضبًا، وبايعوا عمه «إبراهيم بن المهدى» فى المحرم سنة ٢٠٢ هـ، ولقّبوه المبارك.


فلما علم المأمون بحقائق ما يجرى ببغداد، والتى كان قد أخفاها عنه وزيره «الفضل بن سهل»، الذى استأثر بالسلطة، شد رحاله إلى بغداد لتصفية الفتنة، إذ ذاك تراجع البغداديون واختفى إبراهيم بن المهدى، ولكن تم القبض عليه، وعفا عنه المأمون وقربه إليه، إلا أنه لم يلبث أن قبض عليه مرة أخرى حين اكتُشِفَتْ مؤامرة بزعامة «إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام» ـ المعروف بابن عائشة، وترمى إلى اغتيـال المأمـون وإعادة إبراهيم بن المهدى» ثانية للخلافة، ويبدو أنه إزاء عدم ثبوت ضلوع إبراهيم فى المؤامرة، فقد عفا عنه المأمون، وأمر بقتل ابن عائشة، ويروى ابن الأثير بأحداث سنة ٢١٠ هـ، أنه قتل ومن معه صبرًا، وتم صلبه، وأنه أول عباسى صلب فى الإسلام.


على أنه بسبب علو شأن الفرس فى بداية عهد المأمون، ثار سخط العرب، وما لبثوا أن عبروا عن سخطهم بالثورة، فنهض «نصر بن سيار بن شبث العقيلى » وكان عربيًّا يتعصب لعروبته ويتعصب للأمين، نهض بثورة فى شمال حلب سنة ١٩٨ هـ، ولم يجدّ طاهر بن الحسين فى حربه حين ندب لذلك، لغضبه ـ آنذاك ـ من المأمون ووزيره الفضل بن سهل، بيد أن «نصرًا» أبى لعربيته أن يستجيب لاقتراح بعض العلويين أن يولّوا خليفةً منهم، وأفصح أن هواه مع بنى العباس، وأنه لم يخرج إلا اعتراضًا على تقديمهم العجم على العرب.


ويروى الطبرى وابن الأثير، أنه لدى قدوم المأمون إلى بغداد سنة ٢٩٤ هـ، استرضى «طاهرًا» وولى ابنه «عبدالله» ما بين الرقة إلى مصر، وكلفه بمحاربة «نصر»، فَجدَّ عبدالله هذه المرة فى حربه، وأرغمه على طلب الأمان، حيث سيق إلى بغداد فى صفر سنة ٢١٠ هـ، بعد أن حارب جيوش المأمون هذه المرة زهاء خمس سنوات.


ومن الثورات والأخطار التى واجهها المأمون, ثورات وتحركات “الزط”، والذين
امتد خطرهم من عهده حتى أيام المعتصم, والزط تعريب لكلمة جات», وهم المعروفون بالنور, وكان قدومهم إلى الجزيرة العربية فى أيام الجاهلية, وكان كثير منهم فى جند المسلمين أيام عمر بن الخطاب, وهم هنود سود اللون, موطنهم الأصلى بلاد السند والبنجاب, ووصلوا إلى البلاد العربية بطرق مختلفة, وعمل بعضهم فى تربية الماشية والإبل والأغنام, بعد أن استوطنوا المنطقة الساحلية من الأيلة إلى عمان والبحرين, وانضم كثير منهم إلى الجيش الإيرانى المقيم فى البلاد العربية، وفى بلاد فارس, وسكنوا المدن الكبيرة بالرقعة الممتدة من فارس إلى العراق, وكانت معظم مدنها على مفترق الطرق.. وعندما أسلموا نزح كثير منهم إلى أنطاكية وسواحل الشام, فصار هذا مركزهم الثانى بعد الأيلة والبحرين, وقام جماعة منهم على حفظ بيت المال فى خلافة الإمام على, وأسكنهم الحجاج الثقفى وبعض الجماعات الأخرى منطقة «كسكر»، التى وجدوا فيها مكانًا طيبًا لتجمعهم. ثم انتهزوا فتنة الأمين والمأمون فاستولوا على طريق البصرة وعاثوا فسادًا, فلما عاد المأمون إلى بغـداد ندب « عيسى بن يزيد الجلوذى» لمحاربتهم , فحاربهم سنة ٢٠٥ هـ ( ٨٢٠ / ٨٢١ م ) , ثم ندب المأمون لمحاربتهم «داود بن ماسجور» ـ فى سنة ٢٠٦ هـ ( ٨٢١ / ٨٢٢ م ), بيد أن جهود المأمون لم تنجح فى القضاء على فساد وأخطار الزط الذين استمروا يقاتلون العباسيين إلى أيام المعتصم.


ومن الثورات التى واجهت المأمون ثورة «بابك الخّرمى» فى شمال بلاد فارس, وامتدت فتنته كما ذكر الأستاذ الكبير محمد الخضرى زمنًا طويلًا فى عهد المأمون والمعتصم, وكان خروجه سنة ٢٠١ هـ فى عهد المأمون, ومنتهاه سنة ٢٢١ هـ فى عهد المعتصم.


وقد كان من شأن ما واجهه المأمون من فتن وقلاقل, أن اهتم بالجيش اهتمامًا كبيرًا, فكان للجيش فى عهده شأنًا عظيمًا, وظهر فيه قادة عظام, اشتهر منهم «طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان» , وابنه «عبد الله بن طاهر» ـ الذى نشأ فى كنف المأمون بعد سطوع نجم أبيه, ودل على كفاءة بالغة فيما تولاه من حروب , وقد صار للبيت الطاهرى ملك بخراسان استمر من سنة ٢٠٥ إلى سنة ٢٥٩ هـ.


العلم وتوابعه


من المتفق عليه أن عهد المأمون كان من أرقى عهود الدولة العباسية علمًا, لأمرين لا يقع عليهما خلاف. الأول أن المأمون نفسه كان عالمًا اشتغل بالعلم وأمعن فيه منذ كان فى «مرو», ودأب على الاستزادة منه, وعنى بدراسة العلوم الدينية كالحديث والتفسير والفقه واللغة.


والأمر الثانى ما كان بالأمة نفسها إذ ذاك من أشواق إلى العلم والمعرفة والبحث, ومن كثرة العلماء فى كل مصر من الأمصار الإسلامية، ونشاط الحركة العلمية نشاطًا لم يقتصر على بغداد, وإنما عم كافة الأقطار ومراكز العلم.


والحديث عن العلم ومكانته, وعن العلماء وإنتاجهم فى شتى علومهم, حديث طويل, لا يكفى فيه مقال, هذا إلى أننى لست معنيًّا فى هذه السطور ببيان علم المأمون ومناقبه, ولا بتقديم حكمه بإيجابيته وسلبياته, فلذلك مجال أوسع من هذا المجال, وإنما يعنينى هنا فى المقام الأول ـ المركب الصعب الذى ركبه المأمون فيما عرف بمحنة خلق القرآن.


على أنه ليس المقصد فى هذه المسألة ـ تقييم رأى المأمون ومدى ما كان عليه رأيه من الصواب أو الخطأ , فكل مجتهد له فسحة فى الخطأ ما دام يسعى إلى الصواب, ولذلك كان للمجتهد إذا أصاب أجران وله إذا أخطأ أجرٌ واحد, إلا أن هذا الحق يقابله مسئولية كبرى, كما أن الحرية التى يسلم بها للمجتهد فى بحثه واستقصائه, لا يجوز أن تُعطى لطرفٍ, وتُنكر أو تُحجب أو تتحول إلى تنكيل بالأطراف الأخرى.


وهذا فى تقديرى هو لب مأساة ما سمى بمحنة خلق القران !


وهو هو الخطأ الكبير الذى تردى فيه المأمون , والذى لا يعفيه منه أنه كان عالمًا أو صاحب علم, فهذه تحسب عليه هنا ولا تحسب له, لأن واجب العالم أن يتسع فهمه وتقديره، وألاَّ يحتكر لنفسه حق الصواب, وينكره على سواه!


وهو أن أنكر رأيًا أو ناهضه, وهذا حق لا يمارى فيه, إلا أن إنكار الرأى أو مناهضته ـ لا تعنى ترصده وترصد صاحبه أو أصحابه, ولا تعنى أن تتحول مقارعة الحجج لاستبانه الصواب أو الأصوب, إلى ملاحقات بالنكير والتنكيل والإيذاء, وهذا للأسف هو ما تردى فيه المأمون وفعله بجلة أهل الفقه والعلم والرأى الذين لم يسايروه أو اختلفوا معه فى مسألة خلق القرآن.


محنة خلق القرآن


دارت هذه المحنة, حول الإجابة عن سؤال:


هل القرآن قديم أزلى, أم أنه مخلوق, خلقه الله كما خلق وأحدث سواه.


وهذه المسألة فرع على علم الكلام الذى كان إرهاصًا للفلسفة الإسلامية.


وقد ظهرت الدعوة الإسلامية وكثير من المذاهب تملأ الآفاق فى الشرق العربى, فأشار القرآن فى الآية ( ١٧ ) من سورة الحج إلى الخلاف بين الأديان المتعددة, ورد على الدهريين فى الآية (٢٩ ) من سورة الأنعام وفى الآية ( ٢٤ ) من سورة الجاثية, وأشار إلى تأويل الآيات فى الآية السابعة من سورة آل عمران, وقد صاحب ظهور الدعوة الإسلامية انتشار الفرق والمذاهب, وليس ببعيد اجتماع الأديان فيما يشبه المؤتمر للحوار والمناقشة بالمدينة فى السنة الثانية للهجرة بحضور ومشاركة نبى الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام.


وقد كان من أسباب تزايد الحديث فى المذاهب، وظهور علم الكلام ـ ظهور الشيعة، ثم ظهور الخوارج إبان خروج معاوية على الإمام على، وارتباط ذلك بنشوء القدرية والمرجئة والمشبهة، والقائلين بالرجعة والتناسخ، ومذهب أهل الحقيقة ومذهب أهل الشريعة، وما استتبعه ذلك من فرق الباطنية وأصحاب الرموز والأسرار، واتساع المجال لتتامى علم الكلام، والحديث فى مسألة القدر وأفعال العباد هل هى مقدرة أم لاختيارهم، والحديث فى صفات الله تعالى، وفى غيرها مما أسلس إلى الحديث فى مسألة القرآن الكريم، هل هو قديم أزلى قدم العالم، ومن ثم غير حادث، أم أن الله تعالى خلقه وأحدثه.


وقد نجم عن توسع المأمون فيما يجريه بين يديه من مناقشات ومناظرات، أن أثير هذا السؤال بسيطًا فى البداية، ثم أخذت جوانبه وأعماقه تتسع، ومرت بضع سنوات والخلف يزداد حول مسألة القرآن، هل هو قديم أزلى، أم مخلوق حادث.


المأمون يفرض رأيه


اتفق المؤرخون على أن المأمون فتح أبواب هذه المحنة، بالدخول فى الأمر بسلطانه، فكتب سنة ٢١٨هـ كتابًا إلى اسحق بن إبراهيم الخزاعى، عامله على بغداد، يأمره فيه بامتحان الفقهاء والقضاة والمحدثين امتحانًا عظيمًا، فى مسألة خلق القرآن.


وقال المأمون فى كتابه بعد المقدمة: «وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حَشْو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظَر له ولا روّية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه ـ أهل جهالة بالله، وعمّى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم أوّل لم يخلقه الله ويُحْدِثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل فى محكم كتابه: «إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (الزخرف ٣)، فكل ما جعله الله فقد خلقه، كما قال: «وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ» (الأنعام ١)، وقال عزّ وجلّ: «كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ» (طه ٩٩)، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدّمها، وقال: «الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » (هود ١)، وكل محكمٍ مفصَّل فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه.


«ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفى كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم. ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة. فاستطاعوا بذلك على الناس، وغروا به الجهّال، حتى مال قوم من أهل السَّمْت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم على سئ آرائهم، تزينًا بذلك عندهم وتصنعًا للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، أولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم، «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد٢٤).


«فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورءوس الضلالة، المنقوصون من التوحيد حظًّا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق فى أوليائه، وأحق من يتهم فى صدقه وتطرح شهادته، ولا يوثق بقوله ولا عمله، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عما عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبتوحيده، كان عمّا سوا ذلك من عمله والقصد فى شهادته أعمى وأضل سبيلا.


«ولعمر أمير المؤمنين أن أكذب الناس، من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته».


ثم أمر المأمون عامله بأن يجمع هؤلاء الفقهاء والقضاة والمحدثين فيمتحنهم فى هذا الأمر، فقال له فى كتابه:


« فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون فى خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين فى عمله، بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة. فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم فى القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقرّ أنه مخلوق محدث. واكتب إلينا يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم، والأمر لهم فى مثـل ذلك، ثم أشرف عليهـم وتَفقَّد آثـرهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر فى الدين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك أن شاء الله ».


وأشفع المأمون كتابه بكتاب آخر فى ربيع الأول سنة ٢١٨ هـ، أمر فيه عامله بأن يشخص إليه سبعة سماهم تحديدًا، هم: محمد بن سعد كاتب الواقدى، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبى مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقى، فأشخصهم إليه، وامتحنهم فى خلق القرآن، فأجابوه جميعًا بأن القرآن مخلوق، وقيل أن سبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا حين سئلوا، ثم أجابوا لما يريده المأمون «تَقِيّة»، وقيل إنهم ردوا إلى بغداد، أحضرهم اسحق بن إبراهيم وأشهدهم بأمر المأمون ـ مجموعة من الفقهاء والمشايخ من أهـل الحديـث، فلما أقروا أمامهم بمثل ما أجابوا به المأمون، خلّى سبيلهم، وقيل أن ابن معين وغيره كانوا يقولون: «أجبنا خوفًا من السيف!».